حكومة التناقضات تجهض كل الإنتصارات

0
0
0
s2smodern

لم يعد ممكناً فصل ما يجري من أحداث في المنطقة عما يحصل من صراعات سياسية داخلية بين أطراف الطبقة الحاكمة. منذ بدء الكلام عن بداية نهاية الحرب في سوريا استناداً إلى التطورات العسكرية الميدانية وانتصارات الجيش السوري وحلفائه واندحار المجموعات الإرهابية، واستناداً إلى قناعات الدول التي شاركت في هذه الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وإقرارهم بعدم قدرتهم على إطاحة الرئيس الأسد ونظامه، وإلى ما قاله المندوب الدولي دي ميستورا من أن الحرب قد تنتهي خلال الشهر المقبل والرسالة التي وجهها للمعارضة السورية بأن ليس لديهم خيار سوى التعامل الإيجابي مع الحل السياسي. علماً أن النظام السوري سيواجه تحديات قد تكون أصعب من الحرب العسكرية، ومنها إعادة الإعمار والبناء التي يقدّر الخبراء بأنها تحتاج لمئات المليارات من الدولارات، إلى قضية السوريين النازحين المنتشرين في كل أصقاع الأرض ولا سيما في لبنان وصولاً إلى بحث القضايا المعيشية للشعب السوري. فمنذ أن بدأت الحرب تضع أوزارها برزت تطورات جديدة وسريعة على المستويين الإقليمي والداخلي اللبناني.


فعلى المستوى الإقليمي برز موقفان:
الأول: مسارعة إيران وتركيا للإتفاق على مواجهة ما يخطط لإنشاء كيان كردي مستقل في شمال سوريا، وهذا ما يفسّر الحملة التي شُنت على حزب الله بالسماح لمقاتلي داعش بالخروج سالمين من منطقة الجرود والقلمون ونقلهم إلى المناطق المحاذية لسيطرة الأكراد، مع ما يعنيه ذلك الكيان الكردي من تلاقٍ وتقاطع مع الإستفتاء المطروح على الأكراد في شمال العراق من أجل إقامة دولة كردية مستقلة ديمقراطية، ما أدى إلى خلق خلافات واجواء متشنجة داخل العراق وضغوطات من دول أخرى على زعماء الأكراد لتأجيل موضوع الإستفتاء. لكن مواقف القادة الأكراد تشير إلى إصرارهم على تنفيذ الإستفتاء مع رسم خط للتراجع هو قيام فيدرالية في العراق يحقق الشعب الكردي من خلالها استقلاليته الذاتية بكل مندرجاتها الدستورية والمالية والاقتصادية.
وما قد تفتح تلك المشاريع الفيدرالية أو الاستقلالية من مطالبة إثنيات أخرى لنفس الأهداف.
الثاني: هو الهلع الاسرائيلي الذي تمت ترجمته بأشكال متعددة.
- الإستنجاد السريع بالرئيس الروسي بوتين لتأمين ضمان الأمن الإسرائيلي بعد إنتهاء الحرب من خلال تحجيم الدور الإيراني ويبدو أن هذا الطلب لم يتحقق لنتنياهو كما أشارت التقارير الصحفية حيث عاد خائباً ليلجأ إلى شكل آخر من قيام الطيران الإسرائيلي بغارة على هدف سوري لا يقدّم ولا يؤخر سوى أنه عمل يُراد من خلاله توجيه رسائل إلى اميركا وروسيا معاً، بأن اسرائيل قادرة على زعزعة وخربطة أية هدنة أو أية تسوية سياسية إذا لم تؤخذ مصالح اسرائيل بعين الإعتبار أو تهميش دورها في الحلول السياسية المرتقبة.
والرد الثالث كان في المناورة العسكرية التي استمرت 11 يوماً وكأنها محاكاة لحرب مقبلة قد تستمر اياماً طويلة ومن ضمن إحتمالاتها السيطرة على مستعمرات إسرائيلية فهي من جهة مناورات دفاعية ومن جهة أخرى تهديد بتوجيه ضربة ساحقة للبنان طالما تكلم عنها كبار ضباط الجيش الصهيوني وآخرها لضابط كبير بعد المناورة يقول بأن هدفها "توجيه ضربة قاصمة للبُنى التحتية ولمواقع المقاومة في لبنان" هكذا تعاملت الدول المجاورة لسوريا على وقع النتائج والتطورات العسكرية الأخيرة. فكيف تعاطى المسؤولون اللبنانيون مع تلك الوقائع؟
لا شك بأن عملية تحرير الجرود من الإرهابيين تستحق كل التقدير للجيش اللبناني ولوحدة الموقف السياسي وراء العملية العسكرية. وقد ثبت بما لا يقبل الشك أن الجيش اللبناني بعقيدة وطنية وبسلاح نوعي متطور وبإرادة سياسية قادرة على الدفاع عن البلد والشعب، سيما وأن لشعبنا أيضاً تاريخ عريق ومشرّف في مقاومة أعداء لبنان. هذا التلاحم اثبت للعالم أجمع أن هذا البلد الصغير، المثقل بأزماته وهمومه، قادر على اقتلاع الحلف الأطلسي من على أراضيه وعلى هزيمة الجيش الصهيوني الذي عجزت عن هزيمته الأنظمة العربية مجتمعة، وتحرير أرضه ومياهه.
وبدلاً من أن تعيد الطبقة الحاكمة حساباتها ومراجعة مواقفها على ضوء التطورات الأخيرة، إذا بها كما عودتنا دائماً تحوّل الإنتصارات العسكرية إلى هزائم سياسية والى أزمات داخلية متعددة. فبدلاً من تحويل انتصار العام 2006 إلى بناء وحدة وطنية تؤدي إلى تطوير النظام السياسي، بهدف إخراجه من انقساماته المذهبية، يومها لم تمض ايام ثلاثة على هزيمة العدو فإذا بأصوات عديدة تطالب حزب الله بتسليم سلاحه، وبذلك طرحت قضية انقسامية وأزمة جديدة فتحت الأبواب لخلافات داخلية كادت تطيح بكل منجزات الإنتصار. وبعد انتصار معركة تحرير الجرود، بدأت الانقسامات تتجدد على وقع الصراع المذهبي، عبر سجال حول تحديد المسؤول عن خطف العسكريين الشهداء بالتصويب على فئة معينة من الطبقة الحاكمة، يقابله سجال حول من ترك قتلة العسكريين يخرجون أحياء من المعركة، في حين أن النظام بجميع مكوناته مسؤولون عما حصل من استهانة بكرامة جنود الجيش. ومن جهة أخرى، ارتفع شعار المطالبة باستفتاء شعبي حول مَن هو مع حزب الله، ومَن هو ضده ملاقاة مع تغريدة الوزير السعودي (السبهان) القائل "ما يفعله حزب الشيطان من جرائم لا إنسانية في امتنا سوف تنعكس على لبنان حتما ويجب على اللبنانيين الاختيار معه أو ضده، دماء العرب غالية". إن تغريدة وزير كانت كافية لفتح حرب أهلية داخلية لولا ضبط النفس لدى قيادة حزب الله. لكنّ سياسته هذه أصبحت مجرّبة مرات عديدة، ولم تمنع تغيير المواقف والاصطفافات والارتهانات التي تهب مع كل ريح غربية او خليجية. هذه السياسة لم تنجح في تعطيل مسببات الأزمات والحروب وحتى في مواجهة المشاريع الصهيونية – الأميركية – الإرهابية لأن هذه المشاريع لن تتوقف وإن تغيّرت أدواتها. لكن مرتكزاتها الإقليمية والداخلية من قوى سياسية ودول هي مرتكزات ثابتة، بعضهم منخرط فيها وآخرون يؤيدونها سراً. لذلك فإن مواجهتها لا يمكن أن تستمر بتحقيق انتصار في معركة عسكرية فقط، لأن هذه القوى متماهية مع المشاريع المشبوهة، ولا سيما المشروع الإرهابي الذي من الخطأ الكبير الاعتقاد بأن الإنتصار العسكري على مجموعاته قد ينهيه، فهو قائم على ايديولوجيات وفكر ديني وفتاوى ومعتقدات، وبالتالي فهو قادر على تأمين بيئات شعبية حاضنة له في كل حين. ولا سيما في بلد كلبنان قائم على انقسامات واهتزازات طائفية ومذهبية تاريخية، مواجهة تلك المجموعات لا تتم بنفس أسلحتها بل بمشاريع نقيضه لها وليس بأنظمة قائمة على الطائفية السياسية، بل بنظام قائم على العلمنة والمواطنة والعدالة والوحدة الوطنية الحقيقية الراسخة. ولا يظننّ النظام السوري بأن انتصاره في المعركة العسكرية قد يؤمن له الاستقرار مجدداً، بل على لبنان وسوريا مواجهة المشاريع المشبوهة من تفتيت وتقسيم وارهاب سلفي، بمشاريع نقيضة، وبأنظمة نقيضة لما هو قائم، وباستخدام كل انواع الأسلحة الحربية والفكرية والسياسية، لاستئصال هذا الفكر الإرهابي الصهيوني والسلفي الرجعي من مجتمعاتنا، وبالتالي لا يمكن المواجهة الفعلية والناجحة إلا عبر تطوير الأنظمة بقيام إصلاحات سياسية وتغييرات جذرية على بنية النظامين في سوريا ولبنان، وقيام جبهات وطنية حقيقية تسعى لبناء أنظمة وطنية ديمقراطية بعيدة كل البعد عن الحسابات والاصطفافات الطائفية والمذهبية والاثنية والقمعية.
واستناداً إلى مواقف الطبقة الحاكمة، فعن أي انتصار يُحكى وأي مصير ينتظر شعبنا، وحسناً كان استدراك قائد الجيش في كلمته أثناء تشييع العسكريين الشهداء بتحذيره من عدم إغفال أن في بلدنا خلايا ارهابية نائمة ومقاومتنا لها ستستمر. فلم يعد مقبولاً أن شعبنا وجيشنا يقدمون الشهداء والتضحيات ضد العدو الصهيوني والارهابي، والطبقة الحاكمة لا همّ لديها سوى تجيير الإنتصارات العسكرية لتجديد نظامها السياسي – الطائفي. ولم يعد مقبولاً استمرار التعاطي مع الإنتصارات من خلال افتعال صراعات أهل الحكم المذهبية لتصب في النهاية في مصلحة المشروع الاميركي – الصهيوني نفسه، الهادف إلى تفتيت المنطقة وتسعير الصراعات المذهبية والاثنتية، وهذه مسؤولية مزدوجة يتحملها المنتصرون من خلال مشاركتهم وقبولهم بالنظام السياسي، وبعدم تغيير هذا النظام من جهة، والسياسيون الطائفيون من جهة أخرى. والأمر الأخطر هو انقسام أهل الحكم حول العلاقة مع سوريا، ففي الوقت الذي بدأت الدول التي شاركت في الحرب على سوريا تتسارع لإعادة العلاقات مع النظام بعد إقرارها بفشلها. في هذا الوقت يتنازع المسؤولون في لبنان على تحديد العلاقة مع النظام، فتُستعاد نظرية النأي بالنفس لدى فريق معين يقابله فريق آخر بالدعوة إلى التنسيق والانفتاح على النظام السوري، من خلال فتح حوار وبناء علاقة سليمة من أجل المصلحة اللبنانية، وابلغ تعبير عن ذلك هو الموقف من زيارة بعض الوزراء إلى سوريا. فنرى أن أطرافا تدين الزيارة تحت مبرر "لا نريد إعطاء شرعية للنظام السوري". أي مبرر هذا؟ وكأن شرعية النظام السوري متوفقة على بعض اللبنانيين. هكذا تعاطت الطبقة الحاكمة مع الوقائع الأخيرة للحرب، وهذا يؤكد على الدوام أن هذا النظام السياسي – الطائفي لا يولد سوى الأزمات والحروب والانقسامات وآخر، همّ لديهم مصلحة الشعب اللبناني، وهمهم الوحيد تكريس المحاصصة في النفط وصفقات الكهرباء والدواء والرشاوي الأمنية وتثبيت المذهبية، غير آبهين لإرتفاع الأسعار وأقساط المدارس وتأمين التغطية الصحية للمواطنين. لا بل إنهم يحاولون تعطيل تنفيذ إقرار سلسلة الرواتب بالعودة إلى شعار لا سلسلة بدون ضرائب.
وقد إستنبطوا مؤخراً معادلة ثلاثية جديدة لكنها (غير ذهبية) وقوامها إما الضرائب وإما تطيير السلسلة وإما أزمة اليونان. فضلاً عن تعطيلهم الإنتخابات الفرعية، والأرجح أن يتبعها تعطيل الإنتخابات النيابية في الربيع المقبل وهذا ما بشّر به وزير الداخلية، وبدلاً من عقد جلسات طارئة وإستثنائية لبحث الأوضاع المستجدة الأمنية والمعيشية والتهديدات الإسرائيلية وإحتمالات رد فعل الإرهابيين نراهم يأخذون اللبنانيين إلى الإصطفافات المذهبية من جديد. وهذا يرتب على قوى التغيير والقوى الديمقراطية المبادرة لتحضير المواجهة الشعبية الشاملة للمرحلة المقبلة.

  • العدد رقم: 322
`


علي غريب