بين المجلس الاقتصادي الاجتماعي وموجبات الامن الاجتماعي

0
0
0
s2smodern

في ظروف تتراكم فيها المشكلات والأزمات الاجتماعية، وتعاني فيها أكثرية شعبنا ضائقة معيشية، أتى الاعلان عن إعادة إحياء المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وتعيين هيئة جديدة له، ليعيد إلى الأذهان تلك الصورة التي ارتبطت بدور المجلس السابق الذي لم يترك في ذاكرة الناس إنجازاً أو أثراً مهماً.


وفي حين أن العديد من البلدان تُعير اهتماماً جدياً لوظيفة هذا المجلس والدور المنوط به، كونه يضمّ الاطراف الاساسية للمجتمع، من ممثلي النقابات العمالية والمهنية، الى الهيئات الاقتصادية، وممثلي الدولة، إضافة الى ممثلي هيئات اجتماعية وثقافية، فإن السلطة عندنا لم تُشعِر هذا المجلس بجديتها حيال عمله قبلاً.. وإذا استمر الاستخفاف السلطوي بدوره، فيعني ذلك انه مجرد اطار تجميلي لصورة تُظهر اننا في دولة ديمقراطية تهتم بالقضية الاجتماعية. وعندها يصبح دور هذا المجلس محكوماً بعدم الجدوى وبالفشل، مع ان بين أعضائه من لا تعوزهم معرفة الأوضاع والمشكلات القائمة وكيفية معالجتها واقتراح الحلول لها.
لذلك فإن دور هذا المجلس وفاعليته، ترتبط بمدى جدية أعضائه وتوصلّهم الى خلاصات وتوصيات تمليها الأوضاع المأزومة، وبمدى احترام السلطة لما يصدر عنه، وما يستدعيه من قرارات وتدابير حكومية ليصبح نافذاً. فتكاثر المشكلات والأزمات الاجتماعية وتفاقمها، يستدعي حلولاً وليس حواراً للحوار. وتقوم معالجة هذه المشكلات في البلدان المتقدمة، على قاعدة الترابط بين السياسة الإنمائية والأمن الاجتماعي. وبدون تنمية تسترشد بما يتلاءم مع إمكانات وظروف بلدنا، وحاجات شعبنا، لا يمكن النجاح للمجلس في عمله.
إن توفيرالاستقرار والأمن الاجتماعي لا يقتصر على العلاقة بين الأسعار المتحركة والأجور فقط، على إلحاحية إقرار السلّم المتحرك للأجور، بل يرتبط أيضاً في مجمل ما يواجهه الناس من صعوبات ومشكلات حياتية وهي عديدة. فموضوع الكهرباء مثلاً يجعل المواطن ، بسبب التقنين المستمر منذ توقف الحرب الاهلية، محكوماً بكلفة مزدوجة، واحدة لفاتورة مصلحة الكهرباء، وأخرى لأصحاب المولّدات. أما الحصول على المياه في بلد المتساقطات، فأكلافه ثلاثة، الاولى، لمصلحة المياه، وهي لا تصل الى المنازل معظم شهور السنة إلا ساعات قليلة، والثانية لشراء مياه الصهاريج والثالثة لشراء قناني مياه الشرب.
ولا نبالغ في اعتبار أن سلامة الغذاء والمنتجات الغذائية من التلوث، ومياه الانهار الملوثة، ومشكلة النفايات، التي تتعلق بالأمن الصحي، هي من عناصر الأمن الاجتماعي.
هذا فضلاً عن موضوع الأدوية الطبية وكلفتها الباهظة على المعوزين، والتزوير في الفواتير، والتلاعب بتركيب بعض اصناف الدواء، إضافة الى غياب ضمان صحي لنصف اللبنانيين تقريباً.
وبين اهم عناصر الاستقرار الاجتماعي، موضوع السكن والايجارات، الذي ما يزال مشكلة أساسية مزمنة منذ إعلان كيان لبنان، وقد تجلّت في تلك التظاهرة الضخمة للمستأجرين عام 1925، التي قمعتها سلطة الانتداب بوحشية، وأوقعت عشرات القتلى والجرحى. وما يزال موضوع السكن حتى الآن، مشكلة تستدعي حلاً صحيحاً على قاعدة إقرار سياسة إسكانية وبناء مساكن شعبية تتناسب وإمكانيات الفئات الشعبية والفقيرة، قبل تهجيرهم من مساكنهم ودفع الكثيرين منهم الى الشارع، واستكمال الفرز الطائفي والطبقي الذي أحدثته الحرب الأهلية في بيروت ومدن أخرى.
والعنصر الأخر الوثيق الارتباط بالأمن الاجتماعي وعدالة توزيع الدخل في البلاد، هو السياسية الضريبية... فمعظم الضرائب والرسوم تطال الشعب بفقرائه وكادحيه وكل ذوي الدخل المحدود والفئات الوسطى. فطغيان الطابع غير المباشر لهذه الضرائب يحمِّل الشعب أوزار العجز المالي للدولة، وتصاعد الدين العام الناجم عن سياساتها الاقتصادية والمالية، وغياب سياسة انمائية اقتصادية اجتماعية تعزز القطاع المنتاج وتوفر فرص عمل للشباب. وأمام اتساع الهوّة الاجتماعية بين قلة من حيتان المال والاحتكار والشركات العقارية، وبين أكثرية الشعب التي يتدهور مستوى معيشتها، يتصاعد استياء الناس وقلقهم على مستقبل أبنائهم وبلدهم، وتتّسع التحركات الشعبية والاحتجاجية والمطالبة بالتغيير، ولم يعد سلاح الطائفية كافياً لتغطية الهوّة المتّسعة او للمعالجة بالمسكّنات.
لقد اضحى تحقيق الأمن الاجتماعي حاجة ملحّة للناس والبلاد، وهو من الشروط الأساسية للاستقرار العام وتجنب المزيد من الاختلال والهزّات الاقتصادية والاجتماعية.
فهل يكون المجلس الاقتصادي الاجتماعي عامل ضغط فاعل لفرض معالجات حكومية لتحقيق أمن الناس الاجتماعي؟