فشل الانقلاب لكن الانقلابي لايزال حراً

0
0
0
s2smodern

لم يأت بيان مجلس الجامعة العربية مخالفاً للتوقعات، ولم يقلل من وقع الفشل الذي أصاب الخطة السعودية الجديدة للبنان قبل إنطلاقها. مرة أخرى تحصد سياسات الامير الشاب المتهور والقابض على العرش في الرياض، الخيبة.


لم تكن المملكة تريد من "الاقالة" المدوية لرئيس الوزراء اللبناني إحداث "صدمة إيجابية" في لبنان كما قال سعد الحريري المغلوب على أمره في مقر إحتجازه. كانت تريد إنقلاباً إستراتيجياً يقلب موازين القوى والمصالح. لكن الصدام الخشن مع الحقائق مجازفة كبرى والاندفاع غير المحسوب تهور. كان مصير الانقلاب الفشل عندما خذلته الوقائع على الارض.
التسوية في لبنان التي أنهت الفراغ الطويل في رأس السلطة لم تكن من صنع لبناني كما جرى الترويج لها، بل كانت نتيجة تفاهمات دولية وإقليمية مباشرة وغير مباشرة، أجمعت على إبعاد لبنان الصغير بحجمه والمؤثر بموقعه، عن زنار النار الذي أصاب المنطقة ، الى حين قيام نظام إقليمي جديد يوزع النفوذ والغنائم على أنقاض الحرب على "داعش" والصراعات المحلية. هذه التفاهمات نصبت شبكة أمان على إمتداد الجغرافيا اللبنانية ليس كرمى لعيون اللبنانيين بل لأسباب أخرى، منها أن بلدهم صار مخيماً كبيراً للنازحين، يتعين الحفاظ على إستقرارهم فيه حتى لايكونوا صداعاً اليماً للمجتمع الدولي عموماً، ولأوروبا خصوصاً، المكتوية بلهيب قضايا المهاجرين. وتحت الضغط الدولي، لم يعد ممكناً الإبقاء على الحريري قيد الاحتجاز، وإلا فإن التوجه إلى مجلس الأمن لإستصدار قرار ملزم ضد السعودية وفق القوانين الدولية مسألة وقت.
أخطأ صناع القرار الطامحين في المملكة، عندما إعتقدوا أن في يدهم القدرة على ضرب التسوية وهز شبكة الامان الدولية هذه. وهكذا تحركت باريس وخلفها بروكسيل وواشنطن لقطع الطريق أمام هواة الساسة الجدد من تعطيل مسار سياسي أكبر من اللعبة الداخلية اللبنانية.
أخطأ هؤلاء مرة اخرى، عندما اساؤوا تقدير مدى نفوذهم وقوتهم الشعبية في لبنان. صحيح أن دور المملكة تصاعد في هذا البلد الصغير بفعل إغراءاتها المادية الجبارة، لكنه ظل قاصراً عن أحداث تحول في عقول اللبنانيين وقلوبهم لأنه كان قاصراً عن تسويق نمط عيش مغرٍ أو فكرة وحدوية صلبة، أو حلم بالتغيير. فكان الوجود السعودي مجرد ملء للفراغ تنشده فئة لبنانية في حسابات لعبة التوازنات المحلية، ولم يكن أبداً الكلمة الفصل في موازين القوة المتحركة. وهكذا لم تحرك "الصدمة" التي أرادتها المملكة لا الشارع ولا الوجدان، لا بل دفعت باللبنانيين – على غير عادتهم- الى التوحد خلف قضية واحدة، وهي "عودة سعد".
أخطأوا مرة ثالثة، عندما ظنوا أن اللبنانيين مادة سهلة الاحتراق يمكن بسهولة إستخدامهم في إشعال نار في وجه "حزب الله" والانخراط في حربٍ أهلية. لم يكن هناك أي "إنتحاري" مستعد للمجازفة بالإنجرار الى التصعيد والمقامرة على سلامة البلد، ذلك أن طعم "الموت الاهلي"، لايزال تحت أضراسهم بعدما حصدت حروبهم الصغيرة وحروب الاخرين على أرضهم طوال خمسة عشرة عاماً أخضر البلد ويابسه. وهكذا لم تخرج تظاهرة واحدة ولم "ينظف" أي أحد سلاحه، وفشل الانقلاب.
لابل كانت ذروة الفشل ما أصاب المملكة من ضرر، على خلفية ما نسب اليها من تحريض إسرائيل على شن عدوان على لبنان بذريعة إستهداف "حزب الله". وإذا كانت كلمة "إسرائيل" لم تعد تفعل فعلها في أوساط عربية محددة بعد إنفلاش التطبيع، فان لهذه الاسم وقع جارح على آذان غالبية اللبنانيين التي أصمتها قذائف الموت الاسرائيلية.
فشل الانقلاب السعودي في لبنان . لكن المصيبة أن الانقلابي لايزال حراً طليقاً ولم يتعلم من الدرس.

  • العدد رقم: 326
`


أمين قمورية