استقلال لبنان ومقتضيات بنائه وتعزيزه

0
0
0
s2smodern

لم يكن الاستقلال منةً أو هبةً من أحد. فقد إنتزعه شعبنا بفعل نضاله الطويل ضد السيطرة العثمانية ثم ضد الانتداب الفرنسي.

ولا يغفل التاريخ أيام معركة الاستقلال المشهودة عام 1943. فقد عمّت التظاهرات لبنان، وملأت الجماهير شوارع بيروت وساحاتها دعماً لنداء المؤتمر الوطني وقيادته وبينها القائد الشيوعي فرج الله الحلو عضو مكتب هذا المؤتمر للتعبئة الشعبية، مطالبة بحزم وإصرار بالاستقلال.
ومع أنه بلغ اليوم 74 سنة، فإنه لا يزال منتقصاً مكبّلاً بسلاسل الطائفية وبسياسات طبقة سلطوية لم تكترث إلا بتجديد مواقعها ونظامها الطائفي الطبقي، الذي يشكل مصدراً لإنقسامات داخلية تلجأ اطرافها للإستقواء على بعضها بقوى خارجية، فتستجرّها الى الداخل.
لقد أتى إحتجاز رئيس حكومة لبنان سعد الحريري في السعودية عشية الإستقلال، ليشكل طعنةً وإستضعافاً للبنان المستقل، وإنتهاكاً سافراً لسيادته وكرامة شعبه. لذلك أثار شجباً شبه شامل لبنانياً، وإستهجاناً لدى قوى سياسية وقادة في بلدان أخرى. فإحتجاز رئيس حكومة على يد سلطة دولة أخرى هو أمر غير مسبوق، وينطوي على دلالات وأبعاد لا تنتهي بخروج الحريري من السعودية. فالنظر الى لبنان بمثابة ساحة لصراعات وعوامل خارجية، كما حاولت السعودية في صراعها مع إيران، هو وراء إقدامها على فِعلتها. ويأتي إستخدام المخطط الأميركي الصهيوني لحماقة السعودية، بغرض إثارة الإرتباك والتوترات في المنطقة لعرقلة التسوية السياسية فيها، بعد إسقاط سلطة داعش شبه الكاملة، ورجحان ميزان القوى لصالح روسيا والجيش السوري وحلفائه، علّ تأخير هذه التسوية يتيح لأميركا وإسرائيل تعديل موقعها فيها. لذلك لم يكن إحتجاز الحريري مقتصراً على شخص، وإنما يرتبط بالمخطط الذي إستخدم التنظيمات الارهابية بغرض الفوضى والدمار، والتفرد بإعادة تركيب المنطقة، بما يوفر سيطرة أميركية مديدة، وتفوق إسرائيل فيها.
إن فشل حلقة حجز الحريري بخلق التوتر والفوضى في لبنان، وتأليب إسرائيل لضربه، لا يعني إنتهاء دور هذا المخطط. لذلك تشكل حماية لبنان ووحدته وتغزيز إستقلاله ضرورة وطنية. يتطلب ثبات ذلك تغييراً حقيقياً في بنية النظام التحاصصي الطائفي وسلطته. فلا وحدة داخلية صلبة بدون بناء دولة ديمقراطية علمانية. ولا حماية حقيقية للوطن بدون توفير السلاح الضروري للجيش لمنع عربدة إسرائيل في فضائنا ومياهنا وأرضنا. ولا تعزيز وتوطيد للإستقلال بدون إعتماد سياسة إنمائية تعزز القطاع المنتج وتخلق فرص عمل للشباب، وتحدُ من الأزمات الإجتماعية.
إن الإستمرار في نمط التسويات الظرفية الفوقية بين زعامات الطوائف، وإبقاء الوصول الى السلطة على سلّم الطائفية، يُبقي الإنقسامات والصراعات العامودية التي تشكل شقوقاً وثقوباً في جدار الوطن وإستقلاله، تدخل منها أصابع ورياح الخارج وصراعاته، وتبقي بلدنا معرّضاً للهزات والأزمات المتكررة، واللا إستقرار، والحاجة لقبول رعاية ووصاية خارجية.
الإستقلال ليس مجرد ذكرى. ولا يُولد او يُنتزع مكتمِلاً. إنه عملية بناء وعمل متواصل. ومقتضيات بنائه تشمل كل المجالات الوطنية والإقتصادية والإجتماعية والتربوية والثقافية. ومع أن التغيير في بلدنا يلاقي صعوبات تتعلق بتعقيدات النظام الطائفي وبالتحديات التي تحيط به، إلا أن الإقدام بمنحى تحقيقه، يبقى أقل من خطر الفتن الداخلية والإستمرار بالدوران في دائرة الأزمات والإنقسامات والتدخلات الخارجية التي يستولدها النظام الطائفي.
لقد بيّنت التجربة الطويلة أن الحفاظ على الإستقلال لا يكون بمقولة "لبنان قوي بضعفه". فلولا مقاومة شعبنا لجيش الإحتلال الصهيوني، لما بقي إستقلال. وبدون قيام دولة وطنية مقاومة بديلاً عن الدولة الطائفية المأزومة والضعيفة، والشروع بالإنماء والعدالة الإجتماعية، لا يتحقق الإستقرار الثابت والسلم الأهلي الراسخ.

  • العدد رقم: 326
`


موريس نهرا