مشاركة النساء في السياسة

0
0
0
s2smodern

على لائحة المشتريات اليوم الكثير، وبين الحادية والعشرة والواحدة والنصف سيصل السمكري، وبعد ذلك يجب أن تحضّر الطعام بسرعة قبل وصول الأولاد، ثم ستجلس معهم حتى السابعة تدرّسهم، وعندما

ينامون ستجلس نصف منطفئة لتنقر الكوسا قبل أن تتوجّه كالشبح نحو السرير لتنام... لتستفيق في الخامسة والنصف وتبدأ بتحضير الأولاد للمدرسة ثم تحضّر وجبة الإفطار لزوجها وتبدأ بتنظيف المنزل.


يوم يبدو عادياً في يوميات امرأة متزوجة وأم لأطفال في قرية من قرى هذه البقعة من الأرض. وبين الساعات القليلة من "الراحة" التي تمتلكها النساء المتزوجات والأمّهات، من الصعب عليها أن تكون "ناشطة" سياسياً، خصوصاً في ظل عدم مراعاة النشاطات السياسية من اجتماعات ومؤتمرات ومظاهرات وغيرها، للأوقات التي تكون خلالها النساء قادرة على الخروج من المنزل بعد الإنتهاء من أطنان المسؤولية الملقاة على عاتقها.
كما أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على الرجال، شركاء النساء في هذه العائلة، في تقاسم هذه المسؤولية ليصبح بإمكان النساء أن ينشطن سياسياَ، إذا ما أردن ذلك. يعني ذلك أن يتقاسم الأهل –لأن الأم لم تنجب الأطفال وحدها- مسؤوليات التربية، والإهتمام بالمنزل والإهتمام بالأطفال. فبينما لا يجد الرجل أي عائق لكي يشارك في اجتماع أو مظاهرة أو يحضر مؤتمراً، أو يجد وقتاً ليقرأ الجريدة أو بيانات الحزب أو النداء أو كتاباً ما، إلّا أن على المرأة أن تحمل همّ الأطفال والتنظيف والطبخ إذا ما فكّرت بممارسة أي من تلك الأعمال.
بالمقابل، وفي عدّة مناسبات، أفرح لسماع رفيق متزوج وله أولاد، عندما أسأله إن كان يستطيع حضور اجتماع، يقول لي بأنه بحاجة ليناقش الأمر مع زوجته ليرى إن كانت قادرة على رعاية الأطفال في ذلك الوقت أو ان لديها ارتباط آخر. كما أفرح عندما أدخل مكتب رفيق، وأرى ابنه الصغير "ينطنط" بيننا في الاجتماعات: هذه ليست سوى أمثلة عن اعتراف الرفاق بوجود حياة أخرى والتزامات أخرى لزوجاتهن، كما أن لهم حياة أخرى أيضاً، خارج العائلة والأطفال والبيت.
وهنا نعود إلى لبّ الموضوع: هل نريد حقاً مشاركة سياسية للنساء، أم نتكلّم عن وجود صوري؟
ففكرة "تمكين" النساء الدارجة حالياً في إطار الأحزاب السياسية اليمينية من جهة، والمؤسّسات غير الحكومية من جهة أخرى، تعني بأن النساء قاصرات وضعيفات وإلى حدٍّ ما غبيات وغير قادرات على المشاركة السياسية، وأن الهدف هو تغييرهن ليصبحن على مستوى الواقع السياسي.
بغضّ النظر عن أن واقعنا السياسي لا يحمل أيّ عامل من عوامل التطوّر الفكري، فما نقوله نحن هو بالضبط، عكس هذا: المسألة ليست بمساءلة "قدرة" النساء على العمل السياسي، بل هي في قدرة النظام والمجتمع على عدم قمع النساء وتهميشهن وتهديم مبادراتهن والتعمية عن وجودهن السياسي وعملهن السياسي والتحرّش بهن ليتوقفن عن العمل السياسي.
الحاجة إذاً لتغيير هذا الواقع وتكريس إطار تكون فيه النساء قادرات على المشاركة السياسية، وتكون مشاركتهن مقدّرة ومرئية. بمعنى أن العديد من المبادرات تقوم على أن "النساء قويات وقادرات ونشيطات أكثر من الرجل". لكن هذا يعني بأن النساء، وبسبب التحديات الجسيمة التي يواجهنها في العمل السياسي تحت النظام البطريركي، يتمّ الضغط عليهنّ لإنجاز أكثر، وللعمل أكثر ولتحمّل مسؤوليات أكثر "ليثبتن" بأنهن على قدر كبير من المسؤولية. لكننا لسنا بحاجة لفعل ذلك، لسنا بحاجة للعمل أكثر من الرجال، لكي يسمح لنا بالمشاركة السياسية. بل على المجتمع أن يتأقلم وفكرة أن النساء موجودات في العمل السياسي، وأنهن لن يرهقن أنفسهن كما هو متوقّع منهن، ليتمّ إعطاءهن نصف ما يتمّ إعطاء الرجال من اعتراف بالعمل والإنجاز. وهذا يعني إنجاز جزء من المساواة: المساواة في الإنتاج السياسي والفكري والثقافي.
من جهة أخرى، وبما أنّنا هذه السنة نركّز على قضايا النساء الريفيات في يوم المرأة، فمن الضروري التذكير بكوننا مع الأقل تعلّماً قبل المتعلّمات، مع الأقل قدرة على التحرّر قبل المتحرّرات، مع الأكثر تعرّضاً للقمع، ومع الأكثر تهميشاً، ومع أولئك الأكثر تعرّضاً للسحق أمام ماكينة رأس المال والنظام الذكوري.
محجّبات أو سافرات، متزوّجات أو عازبات، صغيرات أم طاعنات في السن، كبيرات في الحجم أم صغيرات، منبوذات من مجتمعاتهن أم جزء أساسي منها، راقصات، ومعلّمات، وعاطلات عن العمل، وفلّاحات، اللائي هنّ من نبحث عن العمل معهن، عمّن نريد أن نكون شريكات معهنّ في بناء خطاب نسوي هو الأقرب لمعاناتهن، ليكون الأقرب إلى تمثيلهن.

  • العدد رقم: 332
`


جنى نخال