زواج القاصرات بين الخيال والواقع

0
0
0
s2smodern

في قلعتك العالية، بعيداً عن الحياة الواقعية، تنعزل أنت أمام شاشة هاتفك معتقداً أنه عالمٌ وردي ومتطورٌ لا تشوبه شائبة.


قلعتك الحجرية هذه تبعدك تمام البعد عن أرض التقاليد المتمرمغة بالفقر.
ترى إعلاناً على احدى مواقعك المفضلة يناشد بتحديد السن القانونية للزواج. "هاشتاغ مش قبل ال ١٨". غريب، أهذا هو العالم نفسه الذي نعيش نحن فيه؟ العالم الذي تظهر فيه النساء نحيفات فائقات الجمال، والرجال منحوتي الأجساد، الى جانب الحقائب القرمزية والساعات الرقمية وعصر التطور و... و؟ وماذا؟
أعود الى أرض الواقع وأحادث رؤى دندشي، مسؤولة الإعلان للمشروع الحالي للتجمّع النسائي الديمقراطي اللبناني، تخبرني عن طرح مشروع "تحديد السن القانونية للزواج" أمام مجلس النواب وإنتظار إقراره.
تتعاون مع ما يفوق ال "خمسٌ وسبعون منظمة وجمعية من ضمنهم بعض الأسماء الأكثر تداولاً..." ك"أبعاد".
"حالياً ننتظر إقرار القانون، والى ذلك الحين نقوم بتوزيع المنشورات وتعليق لوحات إعلانية، لا يزال بعضها معلّقاً الى الآن في أماكن كالجنوب اللبناني وبعض المدن الأخرى".
أسألها أيكفي ذلك؟ أنغيّر عقليّة مترسخة بتزويج الفتيات لتخفيف عبء العائلة، أو لستر تلك الفتاة عبر بعض المعلقات؟ أتكفي المنشورات لتغيير أنماطٍ وعقلية سائدة؟ "لا طبعاً لا، و إنما هي الخطوة الأولى".
تعترف بحاجة الجمعية الى التمويل، مثلها مثل غيرها من الجمعيات، لا بد من التمويل للوصول الى عددٍ أكبر من الشخصيات، للوصول الى دعمٍ أكبر، الى إتفاق جماعي وحثّ على إقرار القانون.
تتشكر وزارة الصحّة لدعمها والمساعدات التي تقدمها، ثم تذكر الشخصيات والمشاهير الذين إنضموا الى ظهر القافلة.
"لديهم جماهيرهم الخاصة، لديهم قدرة على الوصول الى عددٍ أكبر من المستمعين، وبالتالي دعمهم ضروري لنشر الوعي - الثقافة العامة، خصوصاً لدى متابعينهم". تلفت دندشي عن حفلة شكر سيقيمها التجمع للشكر المشاهير الذين دعموا الحملة.
في مناطق نائية على التراب اللبناني هناك عائلة فقيرة لم تعد تستطيع تحمّل عبء هذه الحياة، عائلة فقيرة تبحث عن عريس لفتاتها إبنة الأربعة عشرة عاما. هذه العائلة لا تصلها منشورات وزارة الصحة ولا تكترث لمشاهير يحاولون بيع قضية الى متابعين وهميين.
هده العائلة تعرف أموراً أكثر بدائية، تعرف عن صعوبة تأمين لقمة العيش، عن ضرورة تطبيب ولدها المريض، عن صعوبة الحفاظ على أساس بيتها المتهالك. تبحث عن ذلك الرجل الذي ينتشل إبنتهم من هذه الحياة القذرة. ونحن هنا في سيارة الأجرة وضوضاء المدينة نعاملهم كأرقام وأفكار وقوانين لا بد من تغييرها.
ننسى البنى التحتية المتهالكة والعائلة المرهقة، والإبنة التي لن تكمل علمها. ننسى أن العلم في هرم الحاجات الأساسية لا يأتي قبل الأكل والشرب. ننسى أو نتناسى أو ربما سهواً نغفل. فماذا بعد؟ ما الخطوة التالية؟ أيكفي إقرار القانون قبل تحسين الوضع الاقتصادي للعائلات اللبنانية؟ قبل تأمين فرص العمل والطبابة المجانية وجميع لوازم الحياة؟ هل يكفي إقرار القانون قبل العمل على خطة متماسكة متكاملة تنشل هذه العائلات من وضعها الاجتماعي والاقتصادي؟
أعود الى شاشة هاتفي، بدأت أشعر بالدوار وسيارة الأجرة أصبحت ساكنة. لوهلةٍ أشعر وكأن العالم أجمع توقف عن الحركة. أتنفس بعمق وأتناسى تلك العائلة من ذلك الإرث التقليدي، أتناسى أوجاعها، وأرتدي حلّة التجاهل. أضع أملي على بعض المنشورات وحفلات العشاء وإقرار القوانين وأرجو أن يكون ذلك، كافياً.

  • العدد رقم: 332
`


ميان مساعد