لا عزاءَ للمغتربين من الإغتراب إلى الإغتراب

0
0
0
s2smodern


بدايةً، لا بدّ من تعريفّ بسيط للاغتراب؛ فالخوض في هذا الموضوع كبير وشاسع، بكلمتين هو اقتلاع المرء قسراً عن جذوره ومحيطه وينتج عنه إبعاد مباشر أو غير مباشر بما لها من انعكاسات وتأثيرات عميقة على النفس والجسد والفكر والعقل، فنحن لسنا هواة هجرة ولم نغادر للسياحة وليس اختياراً ولا لدواعي شخصية، ولكن لا بدّ من إقرار حتمية فشل هذا النظام وسياسة الحكومات المتعاقبة في بناء دولة المؤسسات حيث أعطت الأولية لبناء الحجر دون البشر.


المغترب اللبناني بالمعنى الحقيقي والوافي لا يتمتع بصفه مواطن، ففي الغربة يخاطبونه ب " الوافد" أو المقيم"، وفي وطنه يخاطبونه بأخي "المغترب" ولا حقوق له، معتقدين أن هذا الهامور يجمع الأموال وقد ملأ الجيوب والدّروب بالدولارات والدراهم والريالات وبالتالي لا يحتاج إلى حقوق له. برغم أن النسبة العظمى من المغتربين بالكاد يستطيعون تأمين قوت يومهم وتدريس أبنائهم بعرق الجبين، وغالبيتهم يعانون من التهميش والتجاهل والبطالة والتمييز العنصري، متناسين أن المغتربين هم لبنانيون ويحملون همّ البلد مثلهم ، فكلانا "مهمّش" نعيش الإغتراب على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في لبنان كذلك في كندا كمان، لكن الفارق هي الضمانات الاجتماعية وأهمها ضمان الشيخوخة حتى لا ننتهي على قارعة الطريق، وكأن حقوقنا وأسباب هجرتنا لا تعني المسؤول: كالبطالة، بفعل العمالة الأجنبية، وفقدان فرص العمل، والغلاء الفاحش، وازدهار تجارة التعليم والطبابة، وأزمة السكن، والكهرباء، وحدّث ولا حرج عن معاناة الأجراء والمتعاقدين والمياومين وغبّ الطلب والعاملين في الساعة وحقوق... وإلخ أنه الخوف على المستقبل والمصير، إلى ما هنالك من أسباب سياسية أصبحت معروفة، شكلّت كلها سبباً أساسياً لهجرتنا. فأكثر من مليون ونصف مليون لبناني، ينتمون إلى مختلف الطوائف وفئات المجتمع اللبناني، يكملون حياتهم بعيداً عن بلدهم لبنان ولا تربطهم بالبلد الأم إلا زيارات "خاطفة" أو علاقات مع الأقارب أو للسياحة.
وعليه إن البحث في أسباب الاغتراب يبدا من النظر في الظروف الموضوعية والدوافع التي تجعل الاغتراب يتحول من حالة عزلة فردية للإنسان ضمن محيطه وبيئته إلى حالة الانتقال إلى محيط آخر يرجو فيه أن يحقق ما يطمح إليه مما كان يفتقده في بيئته الأصلية مما يحقق حاجاته وطموحاته، فكرية كانت أم مادية.
اليوم عشية الانتخابات بدأت هواتفنا ترن من أرقام لا نعرفها تاركة رسالة تدعونا إلى التسجيل والانتخاب ونسمع بمهرجانات طنانة من هنا وهناك في العواصم الأوروبية والغربية ، ولا تجد فيها سوى أزلام الأحزاب والتيارات اللبنانية الطائفية وحيتان المال هم الحاضرون، المشهد نفسه في مونتريال وسدني ومالبورن وباريس وبلجيكا وأفريقيا وأميركا وغيرها ، ماكيناتهم الإنتخابية تدور من منطقة إلى أخرى ومن حي إلى حي ومن ضيعة إلى ضيعة، من بلدٍ إلى بلد ومن عاصمة إلى أخرى، يستقبلونهم بالتطبيل والتصفيق ويودّعونهم بالصفير ويستقبلون آخر بالتطبيل والزفير.
قبل هذا الهرج والمرج بالتطبيل والتصفيق هل سألتم أنفسكم لماذا يسعى أبناؤنا إلى وطن بديل؟ لماذا يضحّون بهويتهم ويتوسلون هوية أخرى لا يربطهم بها شيء؟ لماذا يتحملون ألم فراق الأهل والأصدقاء وبيت الطفولة والحي والشارع؟ يقيني أنه في الإجابات الصادقة عن هذه التساؤلات يبدأ بناء الدولة.
لقد غرسوا بذوراً شيطانية في التربة اللبنانية وانتشرت مع الانتشار، بذور التعصّب والتطرّف التي طالت مؤسسات وأجهزة الدولة اللبنانية كافّةً، والجاليات اللبنانية العابرة للحدود، وهدّموا القيم الإنسانية، فأنتجت شوكاً وحسكاً، بذوراً تفرّق بين اللبنانيين على أساس الدين والطائفة في كل أصقاع العالم.
تصيبني الدهشة وينتابني حزن عميق على حال الوطن المهدور والمنهوب عندما أرى قادة الفساد على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروئة ينتقدون ويعارضون الفساد، لا أدري هل هو انفصام بالشخصية اللبنانية؟
إذا افترضنا أن الفساد يتركّز بالحكومة، أذن، جميع الكتل السياسية البرلمانية تشترك في هذا الفساد، لأن الجميع ممثل بالحكومة، والحكومة إنعكاس لواقع البرلمان المنتخب وتوزيعاته السياسية والطائفية، وعدم وجود معارضة سياسية داخل البرلمان، لاشتراك الجميع بالتركيبة الحكومية، يقدم دليلاً دامغاً على إشراك الجميع بكرنفال الفساد الجاري دون استثناء.
صرخة مغترب، يطرح، السؤال الذي تستدعي الضرورة أن نثيره: ما فائدة مطالبة الجمهور لقوى سياسية فاسدة بمحاربة الفساد؟ هل ستعمل تلك القوى على محاربة فسادها مثلاً؟ لماذا الناس تعيد انتخابهم برغم أن الناخب قد عانى وما زال يعاني من سياستهم في نهب وسرقة المال العام؟ هاتوا لي وزراءَ ونواباً من السماء فأصدّق أنهم غير متورطين بالفساد.
فماذا يجري إذاً، في أدمغة المرشحين والناخبين؟ ولماذا هذا الولاء ولا يمكن الاستغناء عنهم، وحتى في دول الانتشار؟
ضعها ببساطة أكثر: لماذا لا تزال تتعب من التصويت؟ في أعمدة الجارديان، يعمّق" دين بورنيت" الينابيع النفسية "للتصويت الغبي". كيف يصل الأشخاص الأغبياء على ما يبدو إلى قمة الدولة؟
إنها سياسة تبسيط الأمور المعقّدة، يفضّل الناخبون أولئك الذين يبدون قادرين على شرح المشاكل المعقّدة ببساطة، سواء كانت البطالة أو العجز في نظام الضمان الاجتماعي، من خلال مهاجمة ظاهر المشكلة وليس جوهرها. أما التصويت فهو "بالنسبة لي يعني التصويت لك"، هي سياسة التظاهر بأنه رجل عادي هو تمرين دقيق، لكن "جعل الناس" هو الوهم الذي يجب على المرشح أن يُنشئه لخلق التعاطف. ومن الضروري أن يكون لدى الناخبين انطباع بأنهم قادرون على تناول البيرة معه يلجأون إلى زراعة غريزة التفوّق، إنها مسألة فخر شخصي، فغالبية الناس، وبالتالي الناخبين ، لديهم حساسية تجاه عمليات اللاوعي، والصور النمطية. سوف يفضلون بشكل غريزي الانضمام إلى مجموعة يشعرون أنهم ينتمون إليها. للحفاظ على فخره الشخصي، وللمرشح... قدرة اللعب على الوتر لكي يجعلك تصوّت لصالحه.
فلينظر كل مواطن لبناني في الوطن أو خارج الوطن؛ وليتطلع لعائلته وأقاربه ولنفسه ويفكر هل يقبض معاشه، وهل يتمكن من تأمين مدخوله؟ وكم يبلغ دينه للبنوك، وكم يبلغ عدد الغرامات المفروضة عليها؟
نحن أمام واقع لن نجد أبلغ منه للتعبير عن حالنا أنه نتيجة لوضع متراكم على مدى عقود من الزمن،
إن توفير الحماية الاجتماعية للمغتربين اللبنانيين بتأمين رواتب تقاعدية لهم بعد عودتهم من رحلة الاغتراب بات ضرورة وطنية ملحة، لا سيما وأن معظمهم غير مشمولين بأنظمة وتشريعات الضمان الاجتماعي. المغتربون ليسوا عبارة عن ماكينة جباية كبيرة لديهم حقوق وعلى الحكومات القادمة إيلاء الاهتمام والحماية لهم.
أننا كمغتربين نعيش في دولة ديمقراطية علمانية والجميع متساوون أمام القانون، وأن حرية الفكر والتعبير عن الراي مقدّسة شريطة أن لا تفرض رأيك ولا أن تتعدى على الأخرين، والكل يمارس طقوسه الدينية، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أيها المغترب تنتخب وتصوّت ضدّ بناء دولة ديمقراطية علمانية، وتحرم أهلك وأبناء وطنك وجلدتك من أبسط الحقوق الإنسانية؟
باختصار شديد: ينتمي مفهوم الدولة العلمانية إلى نخبةٍ من المفاهيم الإنسانية الحديثة الراقية التي تتغلغل جذورها في أعماق الفكر الإنساني العالمي، ولاسيما العربي المتنوّر. لا يرتبط هذا المفهوم بالطبع بنظامٍ محدّد، رأسمالي أو اشتراكي، يمينيٍّ أو يساري.
بيدكُم الأمر، بادروا بالتصدّي لثمار التعصّب والتمييز، ثمار الطائفية والتطرف.
بالتغيير" بصوت واحد للتغيير" من اجل بناء دولة علمانية تحفظ الحقوق للمواطنات والمواطنين كافّة.