تصدير الطلاب كسلع النظام


في المقال السابق تناولت دور الجامعات الخاصة في لبنان سياسيًا كأدوات لإنتاج المعرفة البرجوازية والكولونيالية. انطلاقًا من ذلك الدور، يمكننا تفكيك مساهمة هذه الجامعات في الاقتصاد وفرضها لنظام اقتصادي معين في الدولة والمجتمع، فهي التي تدفع الطلاب نحو اختصاصات معينة دون أخرى. فمثلًا، نرى أنّ هناك طفرة في الاختصاصات الهندسية والطبية وحديثًا في اختصاص إدارة الاعمال وتفرعاته، وذلك ليس عبثيًا. هذه الاختصاصات هي ما يتم بيعه في السوق، فالطلاب أنفسهم ضحايا الاغتراب على أكثر من صعيد. فهم ضحايا الاغتراب الاجتماعي الذي تفرضه الجامعات، خصوصًا النخبوية منها عبر جعل الطلاب غرباء عن مجتمعهم وواقع النسيج المجتمعي. وعلى مستوى آخر، يُدرب هؤلاء الطلاب على أنهم الاختصاصيون الذين يملكون كل حلول المشاكل في المجتمع -لتكنوقراط- وفي ذلك اغتراب سياسي يجعل الطلاب يرون أنفسهم أرقى من سائر المجتمع.


أما النوع الذي يهمنا اليوم، هو الاغتراب الاقتصادي. لم تنفك هذه الجامعات، ولا سيما المجتمع عن الضغط على الطلاب للتوجه نحو الاختصاصات الأكثر إنتاجية، فالإقبال على اختصاصات الفنون والإنسانيات في تراجع دائم. بينما نرى ازديادًا في الجنوح نحو الهندسة وإدارة الأعمال. الأهل يدفعون أولادهم الى هذه الاختصاصات فهي الاختصاصات التي تنتج وتدرّ الأرباح حسب الأفكار السائدة في المجتمع، وهذه الأفكار هنا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بشكل الاقتصاد اللبناني وكيف ينظر الى الطلاب ويستغلهم من أجل المساهمة في الاقتصاد.
النمط الإنتاجي الريعي في لبنان دفع الجامعات الى التركيز على تسليع الطلاب لبيعهم في سوق العمل. فالطلاب هم ما يرغبه السوق، لا ما يرغبون هم أن يصبحوا. يرتكز الاقتصاد اللبناني على الخدمات والتجارة؛ ومن أهم قطاعات الخدمات المصارف والفنادق. فالسوق بحاجة الى عاملين في هذا المجال لذلك نرى أعدادًا هائلة من الطلاب يتجهون نحو إدارة الاعمال بكافة اختصاصاتها. "البريستيج" بالإضافة الى الدخل العالي نسبيًا، يدفع الطلاب أيضًا الى التوجه نحو الطب والهندسة. ونرى في الوقت عينه نقصًا حاداً في الجسم التمريضي، وقد عرّت جائحة كورونا هذا الخلل. مع ذلك، لا زلنا نرى هروبًا من التمريض لما فيه من مشقّة وأجرٍ قليل. وأيضًا بسبب كورونا، ظهر النقص في الجسم الطبي بسبب هجرة الأطباء نحو الخارج. فلم يعد بمقدورهم العيش في لبنان بذات الأجر مع انخفاض قيمة الليرة. خصوصًا وأن طلاب الطب يدفعون الثروات للتخصص في الطب وهذا دافع آخر نحو الربح المادي المتجذر في المجتمع.
بنظر النظام اللبناني، نحن الشباب سلع يسعى هذا النظام لتصديرنا الى الخارج مقابل المردود المادي الذي يساهم فيه المغتربون الى عوائلهم في لبنان. حسب البنك الدولي، وصلت تحويلات اللبنانيين المغتربين الى لبنان لحدود السبع مليارات دولار في العام 2020 وهذا الرقم يمثل حوالي ال 12.5 % من الناتج المحلي اللبناني. إنّ الجامعات في لبنان تشارك في تصنيع هذه "الثروة" التي يتغنى بها السياسيين بأن اللبنانيين في الخارج ناجحين ومساهمين جديّين في الاقتصاد الوطني. وهذا التصنيع لا يزال يشكل أداة أساسية في تغريب الطلاب عن مجتمعهم ومشاكله. الطلاب في لبنان بحاجة الى توجيه علمي يتناسب مع احتياجات المجتمع لتحسين أوضاعه والنهوض بالوطن. فما سبب تغييب التوجيه الجامعي والتخصصي في لبنان وفي مصلحة من تصب؟
لم يكن يومًا النهوض بالوطن من أولويات هذه السلطة، فالنهوض بالوطن يعني تراجع الولاء السياسي والزبائني تجاه زعماء الطوائف، وبالتالي يدفع الى تكسير النظام الحالي وعندها نرى ولادة نظام جديد متحرر من التبعية السياسية والولاء السياسي لهثًا وراء العمل والتوظيفات. فأي محاولة للتغيير الاجتماعي التي لا ترصد ضمن أولوياتها التغيير في القطاع التعليمي وقلب التوجهات العلمية للشباب، ستعود لتخلق نفس الأزمات التي نعاني منها في نظامنا الحالي. فلا نهوض بالمجتمع من وضعه المزري في ظل النمط الإنتاجي الحالي.
نحن بحاجة الى إعادة هيكلة للاقتصاد اللبناني، وهذه بحاجة الى إعادة هيكلة القطاع التعليمي، لا سيما المهني والجامعي حتى يغذي الاقتصاد اللبناني بشكل أفضل وأكثر فعالية. فمثلًا نرى اليوم توجهًا نحو البرمجة، وهذا التوجه هو عبارة عن مبادرات من القطاع الخاص وبعض الشركات، والازدهار في هذا القطاع قد يدفع الى التخمة في ظل النظام الحالي. تقع على الدولة مسؤولية توجيه هذا القطاع ودعمه والاستثمار فيه، لسهولة انشائه نسبيا مقارنة بباقي القطاعات الإنتاجية، وفي نفس الوقت، مردوده العالي خصوصًا مع قدرة الطلاب اللبنانيين المتقدمة في هذا المجال. إنّ العالم يتجه أكثر وأكثر نحو التكنولوجيا، ومن الممكن أن يكون لبنان على خارطة إنتاج التكنولوجيا في العالم بحال تم دعم هذا القطاع وارشاده من قبل الدولة. ومن الممكن أن يدرّ أموالًا على الدولة توازي تحويلات المغتربين.
إنّ القطاع التعليمي، وبغياب الجامعة الوطنية بدورها الفعلي، اضطرّ الشباب الى الذهاب الى الجامعات الخاصة. وبالتالي، اضطر الطلاب الى الدفع مقابل تحصيلهم العلمي ممّا يجبرهم على البحث عن الاختصاصات التي تؤمن الأرباح اما لتسديد القروض التي اقترضها الطلاب لتحصيل علمهم، أو لمراكمة الأرباح التي تسمح لهم في المستقبل تأمين أفضل جودة تعليم لأولادهم. لذلك لا نهضة في القطاع التعليمي الا عبر النهوض بالجامعة الوطنية فعلياّ لتحرير التعليم من التسليع وبذلك يتمكّن الطلاب من الحصول على تعليم ذو جودة عالية ومجاني.