الرفيق "الميتر" كسبار ديرديريان: نقطة اللقاء بين القضايا الاممية والقضايا القومية

في يوم الجمعة 27 آب 2021 عاد الى التراب، والى رحم الطبيعة، وعمق الارض، الرفيق "الميتر" كسبار ديرديريان بعد عمر طويل من النشاط الاجتماعي والسياسي والادبي على وجه كوكبنا الارضي، الذي هو بطبيعته متحرّك، وهو المساحة التي  ناصر ديرديريان  الحركة على اشكالها المختلفة، ضد الجماد في الفكر وفي العالم المادي. ولكن بالرغم من دفن جثمانه وغيابه من صالات النقاش والندوات، وتوقّف حبره عن الكتابة حول القضايا الاجتماعية والسياسية المتعددة، التي تحيط بمجتمعنا اللبناني، والتي تؤثّر في الواقع العالمي المعاصر، ستبقى بصمات فكره الواسع ومتعدد الابعاد، الذي يحكمه منطق الحركة والوعي العلمي والمنهج المعادي للجماد، اي المادية الجدلية، على كل المفكرين والناشطين، الذين يرون أهمية وقيمة في عملية التشبيك الاممي بين قضايا الشعوب، في سبيل التحرّرمن التقوقع القومي والعنصرية والانعزال والاستغلال الطبقي والتبعية، الذين يخدمون، حسب كتابات ديرديريان، التيارات الرجعية الطائفية اللبنانية والارمنية محليّاً، ومصالح البنية الرأسمالية العالمية المعاصرة. 

انتسب ديرديريان الى الحزب الشيوعي اللبناني منذ العام 1952، وتولّى الرفيق مناصب مختلفة وعمل وناضل في أطر تقدمية مختلفة، حيث كان عضواً في مجلس الفرع اللبناني لرابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية، وعضواً مؤسساً في المجلس القانوني العربي الارمني الاممي، وشغل منصب الرئيس في جمعية الحلقة الادبية الارمنية اللبنانية. اضافةً كتب في مجلات وجرائد عديدة منها "الاخبار" و"النداء/غانتش (الطبعة الارمنية)" و"دراسات اشتراكية" و"الى الامام/هاراتش (الطبعة الارمنية)" و"ازتاك" و"زارتونك" و"ارارات". ومن كتبه  نذكر "مئوية اوجين ايونيسكو والمسرح العبثي" و"القضية الارمنية في القانون الدولي العام". الهدف الرئيسي لهذه المقالة ليس فقط سرد المحطات والانجازات في سيرة حياة "الميتر"، ولكن بشكل اساسي نطمح لتبيان بلمحة صغيرة المضمون الفكري، الذي انتجه ديرديريان خلال سنواته الطويلة في النضال وسنتوقّف عند موضوع مركزي في فكره وكتاباته، وهو القراءة المادية الجدلية الذي قدّمها لواقع الجالية الارمنية وللقضية الارمنية. 

تنطلق مقاربة ديرديريان للواقع الارمني- اللبناني الضيق من أسس "الاشتراكية العلمية" الواسعة، لقراءة واقع أي مجتمع بالطريقة النقدية-"التفكيكية"، ودور التفكيك هو: أولاً، نفي ونقد توصيف أي مجتمع بشري بأنه احادي البعد. ثانياً، تحديد هوية وطبيعة كل العناصر المكوّنة للجسم المجتمعي الاكبر. وأخيراً، تبيان طبيعة العلاقات المتغيّرة بين العناصر المختلفة في واقع معيّن. تبنّى ديرديريان هذه الاداة المعرفية لتقديم قراءة عن واقع الجالية الارمنية، تختلف نوعياً عن القراءات السائدة لواقع الجالية. في هذا النص نشدّد على المنهج الذي اتّبعه ديرديريان، لأنّ النتائج التي يصل اليها تؤدي الى فتح افق لنشاط سياسي معيّن قد يختلف عن النشاط السياسي الذي قد تحفزه وتشجعه قراءة اخرى. مثلاً، يكتب ديرديريان "لا يمكن النظر الى الارمن في لبنان كوحدة منسجمة المصالح الطبقية، لمجرد انتماء افرادها الى الامة الارمنية ووحدة معاناتهم من الابادة العنصرية والتهجير الجماعي، بل يجب القول بوضوح وتأكيد، بأن مختلف الطبقات اللبنانية تضم في صفوفها فئات من الارمن اندمجت مصالحها، موضوعياً وعملياً، بمصالح تلك الطبقات واحزابها اليمينية واليسارية والوسطية"

اذاً، هنا نفى الكاتب النظرة التي تجوهر وتجمّد المجتمع الارمني وتحوّله لكتلة مجتمعية منعزلة عن الواقع اللبناني الاوسع، يؤكّد ويفكفك ديرديريان بواقعية بأنّ المجتمع الارمني، مثل أي مجتمع ثانٍ، ينقسم الى طبقات اجتماعية- اقتصادية، وأنّ الجالية الارمنية- اللبنانية تنقسم طبقياً حسب الظروف والخصائص المادية اللبنانية، اي حسب التنظيم الطبقي اللبناني والنمط الانتاج التبعي في لبنان. انسجام الشعبين في نظام إجتماعي- إقتصادي واحد، لا ينفي خصوصيات الشعب الارمني أي اللغة والتاريخ والقضايا القومية، كما تزعم التيارات الارمنية، التي تدعو الى التقوقع والانعزال، وتقول بأن "القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان لا تعنيهم، أي الارمن، مباشرة، وأن الثقافة العربية واللغة العربية تبعدهم عن لغتهم الام وعن القضية الارمنية أي، تحرير ارمينيا الغربية، وفي نهاية المطاف تذويبهم". بالعكس، التضامن مع والمشاركة في الصراعات الاجتماعية- الاقتصادية في لبنان، من "اتجاه الانفتاح التقدمي الديمقراطي اليساري العلماني الانساني"، أولاً، يسمح بفهم الازمات اليومية الاجتماعية- الاقتصادية التي يعيشها الشعب الارمني من خلال نظرة بنيوية، أي فهم الازمات المحلية الخاصة، كتداعيات ونتائج لشكل التنظيم العالمي اجتماعياً واقتصادياً، أي البنية الرأسمالية المعاصرة. من خلال تبني هذه النظرة يفهم المواطن بأنّ أزماته ليست خاصة به ومنعزلة عن ازمات شعوب اخرى، أخذاً بعين الاعتبار الخصوصيات التاريخية والثقافية.

وبما ان الشعب الارمني- اللبناني والشعب اللبناني موجودان في بنية رأسمالية تبعية واحدة، قضايهما الاجتماعية- الاقتصادية ليست متشابهة بل متطابقة بالكامل. ثانياً، هذا الفهم للعلاقات بين النظام العالمي والتجلي المحلي يساعد بفهم اصحّ للقضية الارمنية، أي تتحول من قضية تحرير وطني للاراضي الارمنية التاريخية، الى قضية تحرير أراضي وتحرّر إجتماعي من الاستغلال الطبقي.

 من خلال توضيح القراءات والتصورات المختلفة عن وضع وطبيعة وهوية الجالية الارمنية- اللبنانية، نرى كيف قد تتبلور مشاريع سياسية مختلفة. المنهج والقراءة ونتائج التعليل، الذين كانوا جزءاً اساسياً من فكر الرفيق ديرديريان، ادّوا لبلورة مشروعه السياسي التحرري والمنفتح. فبقاء وتنمية الفكر العلمي والنقدي في حياتنا اليومية هما اعلى اجلال وتحية لمفكر قدّم عمره في النضال في سيبل "وطن حر وشعب سعيد". 

 1_  Maître

2_ هواجس الذكرى المئوية ومناداة الى الكفاح (2014)– الارمن يحتفلون بالذكرى التاسعة والثمانين لتأسيس حزبهم الشيوعي اللبناني