الصفحة 1 من 6

... الحافرون في التيه، في الغياب والوحشة، أولئك الذين يجهلون وجوههم في المرآة، الذين، هم نحن، حٌرّاس تماثيل الطين والقش، ولأن الوجع في الأدب، في المأكل والمشرب، في السلامة والسياسة، فيالحياة، تلك، التي بيتنا الآنيّ، التي، نجيئها كالطيور المهاجرة، وفي الرواح والإياب، ثمة من يتبادل الضيافة، التي، أجملها عند الفقراء الكرماء، أولئك الحالمون بأن الحلمَ استمرار والألم، بأن الأمل لا يفارق الإحساس، بأن يظلّون هم في عين اليقين والبصيرة.

... هنا، "التُرابات من طيبٍ " من أترابٍ وطربِ، "والأرض بتتكلم عربي"، والعقود السبعة تقاوم النسيان، ذاكرةٌ تتوالى من جيلٍ إلى جيل، والحياة بصوّرها تتمظهر إرادةً، عزيمةً وثباتاً؛ فالحنين تشاذٍ لهواء البلاد، ينثر بذوره أنّى أسفارٍ وأسحار .. أعمارٍ من تلك التُرابات التي صورتُنا، من أصداف الشطآن توشوشنا، من تلك الرؤى القديمة هناك، تُعبّرُ عن مكنوناتٍ ومشاعرَ لحُلمٍ واحد.

الحيُّ، هذا المكانُ الحيُّ المكتظُّ، المتكاثف كالظُّلمةِ، تتسابُلهُ بطونٌ وأفواه، فروعٌ طويلة الجوع الوطني، الجوع للدفء، لبلادٍ ثريّةٍ.. مديدةِ الفقر والبؤس، لكلِّ ذرة ترابٍ وبسمة هواء، وحين تنكسر الشمس عن الزواريب المتداخلةِ، العشوائيةِ القامات، الدالفةِ مخادعها، وليس غير لُحيظاتٍ، تتسادل خلالها الستائر، ليست غير وجوه القاطنين، يتبادلون بعض الأخبار والنميمة والحكايات.

هناك، في مدينةٍ ما، قومياتٌ لا حصرَ لها، وديانات ما بين سماوية... ووضعية، أيضاً لا حصرَ لها، جُلّها ويا للعجب اجتمعت في مكانٍ واحدٍ تحت رايةٍ واحدة، تحت ذات الشّمس والقمر في بلادنا ذات زمن.

عادَ من منافيه الإفتراضية ذات الأبعاد اللامتناهية، إلى منفاه الوجودي. هل بمقدور الزمن أن يُترجِمَ الأفكار والأفعال، وقد قيلَ، الزمن يغسلُ النفوس، يُغيِّر، تتحوّل فيه سرديات البشر...!!


... كلَّما رفعَ كأسَهُ الظامئةَ لقطرةِ ماءٍ، يتوسَّلُها وهو مُمَدَّدٌ فوق فراشِ تعَبِهِ، تمتدُّ يدٌ من مكانها البعيد، تسكبُ له ماءً فُراتاً... عذبَ الملامحِ، لرجلٍ مُقبلٍ من غياب، وقد تباسقَ جِذْعُهُ جَذِلاً ميَّاساً، والوجهُ الوسيم يروي لحظاتِ التعبِ بحكايا عجَب، وقد بلغ ما سكبَ سبع مرّات، رقمٌ يبعث على الإنشراح، وهو رقم الحظٍّ والنصر والتفاؤل.

الصفحة 1 من 6