وهم الشعوب .. حين يُصبح الوعي خيانة

غالبًا ما تُقاس فعالية الشعوب بقدرتها على تغيير الواقع المعاش، إذ تنبت من رحمها أفكار تسعى إلى محو ما رسّخته سلالات تعاقبت عبر التاريخ، وتوارثت الأجيال آثارها، لتتحوّل هذه الأفكار في النهاية إلى وقائع ملموسة قادرة على منح الحياة الشكل الذي لطالما نادت به الشعوب. وهنا يبرز السؤال: متى تستيقظ الشعوب التي تظنّ أنّها تنتصر، بينما هي تخسر؟ في المراحل الأولى من تشكّل الجماعات وترسيخ أفكارها، أيًّا تكن طبيعتها، غالبًا ما يُنظر إلى الاستمرار في النهج نفسه باعتباره دليلًا على الثبات والصواب. ومع مرور الوقت، تتشكّل عقول تتبنّى هذه الأفكار من دون الانفتاح على تحليلات أخرى قد تناقضها، إذ تتعامل مع كلّ محاولة لنقض ما هو «مفروض» في نظرها باعتبارها تهديدًا لقناعاتها، دون أن تعي أنّ هذا النقض قد يكون بنّاءً، لكونه يستند إلى تحليل نتائج سابقة ودراسة تجارب عاشتها الجماعة واختبرت آثارها. وهكذا، تتحوّل الأفكار التي كان يُفترض أن تكون وسيلة لفهم الواقع وتغييره إلى قوالب جامدة تعيق مراجعتها، وتحدّ من القدرة على تجاوزها، حتى حين تكشف نتائجها عن إخفاقها في تحقيق ما نادت به.

Image

الإهمال و اللّوم: سياسة الدّولة اللّبنانيّة مع أهالي القرى الحدوديّة

بعد ثلاث سنين من بدء الحرب على لبنان, لا بدّ أوّلًا من تصويب التّاريخ الفعليّ لبدءها لتجنّب اللّغط. بدأت الحرب في الثّامن من تشرين الأوّل 2023, تاريخ بديهيّ بالنّسبة لأيٍّ من أبناء الحدود الجنوبيّة.   منذ نشأة لبنان وهو يعاني من مشكلة التّاريخ نتيجة مشكلة التّفوّق والتّدنّي. بعض المناطق اللّبنانيّة تحظى باهتمام و دعم كبيرَين, وبعضها الاخر يكاد يُذكر.هذا التّوجه هو نتيجة سياسة انتهجتها الدّولة على مرّ عقود من الزّمن. سياسة التّنمية غير المتوازنة وغير الشّاملة لجميع المناطق اللّبنانيّة. فدائمًا  كانت الحظوة لبيروت و ضواحيها, باعتبارها المركز. وكلّما ابتعدت عن المركز أكثر كلّما قلّ دعم الدّولة لتلك المناطق وإهمالها لها. والثّامن من اوكتوبر من سنة 2023 دليل دامغ على هذا الإهمال.مذ حينها إلى يومنا الحاضر, لم تلتفت الدّولة للمناطق الجنوبيّة النّائية, ولم تُعِرأهلها أيّ أهميّة. هذا ما يفسّر عدم سؤال الدّولة عن أحوال سكّان القرى الحدوديّة حتّى قبل السّؤال عن أرضهم, أي أرضها.

Image

في ذكرى الرّفيق.. لا زلنا نمشي في شوارع الحب والثورة

الرّفيق جيفارا.. لا أدري كيف أبدأ، أو لعلني أذكرك بغصة دون كبرياء، بقلب ينتظر حلماً متحرراً، دون قيود، دون حدود ودون جغرافيا. حين سقط جسدك في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 1967 في قرية "لا هيغويرا" البوليفية، لم يكن القتلة يغتالون إرث من رفض الظلم ونادى بالحرية. فالكرامة الوطنية لا تمنح كمنحة ولا تؤخذ بالتسويات الهزيلة، بل أكد جيفارا أن الإنسان يستطيع أن يواجه أعتى إمبراطوريات العصر متسلحاً فقط بعدالة قضيته وبإرادة لا تكسر. 

Image

حين اختزلنا التاريخ في لحظة..

لقد اختزلنا عقوداً من التاريخ في ساعات، ثم طلبنا من الساعات أن تشرح نفسها. يأتي 7 أكتوبر ليذكّرنا بأن العالم تغاضى عن عقود من الاحتلال والعنف والقمع بحق شعب كامل، ثم حاصره بلحظة. محطات الأخبار ووسائل الإعلام والمقابلات حوّلت المواطن الفلسطيني إلى خبر عاجل، مسلوخاً عن ماضيه، وكأن حياته بدأت في صباح ذلك اليوم.

Image

حين تصبح الهزيمة انتصاراً: من بعث 1967 إلى خطاب حزب الله اليوم.

هناك نوع من الأنظمة والحركات لا يُهزم فقط في الميدان، بل يُهزم مرة ثانية في اللغة. يخسر الأرض، ثم يسمّي ذلك صموداً. تنكشف عورته العسكرية والسياسية، ثم يطلب من الناس أن تحتفل لأن القيادة بقيت. وهنا لا تعود المشكلة في الهزيمة نفسها، بل في تزوير معناها. هذا ما فعله نظام البعث في سوريا بعد نكسة 1967. وهذا ما يفعله اليوم خطاب حزب الله وبعض أبواقه في جنوب لبنان، حين يحوّل الخسارة إلى ملحمة، والاستباحة إلى صمود، وبقاء التنظيم إلى انتصار. بعد حزيران 1967، كان يفترض بنظام البعث، الذي كانت تتحكم به اللجنة العسكرية، أن يقف أمام السوريين والعرب ويعترف بما حدث: الجولان سقط، الجيش هُزم، القيادة فشلت، والدولة دُفعت إلى كارثة. لكن النظام فعل العكس تماماً. بدل الاعتراف بالهزيمة، أعلن أنه انتصر لأن “هدف العدوان” لم يتحقق، أي لأن النظام نفسه لم يسقط. وبحسب قراءة منشورة عن مسؤولية النظام السوري عن الهزيمة، فإن اللجنة العسكرية استخدمت البعث واجهة أيديولوجية، وبنت أجهزة أمنية لحماية استئثارها بالسلطة، ثم بعد النكسة ادّعى النظام أنه انتصر لأنه أفشل إسقاط “نظامه التقدمي”، فيما بقي الجولان محتلاً وصعد حافظ الأسد، وزير دفاع الهزيمة، لاحقاً إلى قمة السلطة. هكذا وُلد أحد أكثر التعريفات هزلية للنصر في التاريخ العربي الحديث: أن تبقى السلطة ولو ضاعت الأرض.

Image

مارسيل غانم : "صار الوقت .."

منذ زمن بعيد،ثمة إعلاميون يحاورون ضيوفهم، وثمة مارسيل غانم الذي يحاور ذاته وضيوفه حضورٌ عابر لا أكثر. فالرجل محامٍ بحكم الشهادة قبل أن يكون إعلامياً، وفي ذلك تفسيرٌ لكل شيء: فهو النائب العام والمحامي والقاضي وهيئة المحلّفين مجتمعين، أما الضيف فما هو إلا إضبارة مفتوحة يقلّب صفحاتها على وقع طبول المقدّمة. ثلاثون عاماً من المهنة يمكن اختزالها في خمسة مشاهد وخاتمة واحدة.

Image
الصفحة 1 من 21