عطالله السليم

عطالله السليم

مثّل اتفاق الطائف زواجاً مارونياً بين برجوازية صاعدة بعد الحرب الأهلية مع أمراء الحرب والميليشيات. بهذا المعنى، فإنّ النظام السياسي اكتسب قوّته ليس من صلابة الدولة بمفهومها المركزي القويّ، بل من مدى تجذّر "الدولة العميقة" فيه. لطالما كان كيان الدولة في لبنان ضعيفاً وهشّاً أي منذ إعلان دولة لبنان الكبير وحتى تاريخ ولادة الجمهورية الثانية. شكلّت الطوائف العمق المادي للدولة، وقامت مؤسساتها بلعب دور رمزي في اصطناع شكلٍ وجوديّ لها. الدولة في لبنان تشكلّت على دفعات، من نظام القائمقاميتين مروراً بمتصرفية جبل لبنان وليس انتهاءً بدولة لبنان الكبير. الدولة في لبنان مستلبة لصالح نظامٍ هو أقوى منها. هذا النظام ابتلع الدولة لأنه يعتبر فائض قوّتها فكان أن ضمّ وعاءً كبيراً احتوى على عددٍ من المؤسسات الموازية، كالمؤسسات التربوية والاجتماعية والإعلامية التابعة للطوائف، بالإضافة إلى حيتان المال والذي يضمّ طيفاً واسعاً من كبار المصرفيين، كبار الإداريين، أصحاب الاحتكارات، الشركات العقارية، ... إلخ. الدولة هنا بمفهومها الدستوري والمؤسّساتي تكاد تختصر صورتها بمؤسّسات عامة رسمية ليس إلاّ. الدولة في لبنان لا هيبة لها ليس لأنّ المواطن يساهم في تغذية هكذا شعور إنّما بسبب قوّة النظام بالمقارنة مع قوّتها. لا داعيَ لمحاججة أحد أنّ هيبة الدولة في لبنان مفقودة من شرطي المرور وصولاً إلى أرفع قاضٍ في السلطة القضائية. إذاً، وإذا كان النظام في لبنان قد ابتلع الدولة فما كان من الدولة بالتالي إلّا أنْ جوّفت المجتمع.

ونقصد بالمجتمع هنا "المجتمع المدني"، وقواه الحيّة كالأحزاب والنقابات والمنظّمات الطلابية والشبابية والجمعيات. أفرغت الدولة الأحزاب من خطابها السياسي وأضحت أحزاباً طائفية - مذهبية شكلّت استمراراً للحرب الأهلية وموروثاتها فاختفى معها أيّ أثر لحياة سياسية سليمة. الانقضاض على الحركة النقابية كان مطلب قوى السلطة في مرحلة ما بعد الطائف إذ أنّ هذه المساحة كانت المساحة الوحيدة للعمل المطلبيّ بعد انتهاء الحرب الأهلية. فسيطرت الدولة على الاتحاد العمالي العام عبر تفريخ نقابات وهمية وأنشأت اتحادات نقابية عديدة للسيطرة على المكتب التنفيذي للاتحاد واستطاعت تطويعه بالكامل عام ١٩٩٧. أمّا بالنسبة إلى الحركة الطلابية، فإنّ ضرب الجامعة اللبنانية خلال حقبة ما بعد الطائف وإلغاء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية - الذي كان إطاراً نقابياً لعب دوراً طليعياً في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي- صبّ في تذويب الحركة الطلابية العابرة للطوائف والمناطق التي استطاعت أن تفرض واقعاً سياسياً مغايراً طبع المشهد السياسي خلال تلك الحقبة.

غير أن هذا الواقع قد بدأ يتغيّر بالفعل لأنّ انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل قد فتحت الأفق أمام ولادة أطر سياسية ونقابية وإعلامية وثقافية عديدة. على المستوى النقابي، ولد في رحم الانتفاضة "تجمع مهنيين ومهنيات" وهو تجمع يضمّ أفراداً يعملون في قطاعات الصحة والهندسة والتعليم والمحاماة والصحافة والثقافة والفنون. إضافة إلى ذلك، برزت مساعٍ لإنشاء نقابة للصحافة البديلة وإطار تنسيقي للعاملين في المنظّمات غير الحكومية. الجدير ذكره أنّ الواقع النقابي شهد عام ٢٠١٨ تأسيس نقابة العلوم المعلوماتية التي استطاعت ترسيخ اسمها بفعل جهود فردية مضنية من قبل عدد من العاملين في هذا المجال. على المستوى الثقافي والإعلامي، برزت مطبوعتان تعكسان روح الانتفاضة وديناميتها العديدة، إحداهما صحيفة "١٧ تشرين" التي يعتزم مؤسّسوها إصدارها شهريّاً، ومطبوعة أخرى متخصّصة بالشّعر أُطلِق عليها اسم "نيزك". على المستوى السياسي، أعادت الانتفاضة تنشيط مجموعات سياسية كانت موجودة سابقاً وولدت في خضمّها أيضاً مجموعات طلابية وسياسية جديدة وإن كان من غير المستبعد أيضاً أن يُصار إلى تأسيس أحزاب سياسية جديدة تكون بديلاً للحياة السياسية المستلبة والمسروقة، فالتغيير السياسي هو بالضرورة ما تصبو إليه هذه الانتفاضة ولن يتحقّق إلّا بأدوات سياسية واضحة.

هذه الانتفاضة بحراكها المستمر تحمل في طيّاتها بُعديْن. البعد الأوّل يكمن في بناء الوعي والثاني استعادة الحيّز العام. هي انتفاضة على المنظومة القيمية التي جذّرها النظام بفعل قنوات وآليات ومؤسسات عديدة، وكما أن الانتفاضة هي فعلٌ تأسيسي، فهي بهذا المعنى تؤسّس للهدم في المنظومة القيمية بهدف استبدالها بمنظومة أخرى. البعد الثاني متعلقٌ حكماً بالأول، وهو استعادة الحيّز العام، وليس المقصود منه فقط الواقع المكاني والجغرافي ولا السياسة بمفهومها التقليدي- الكلاسيكي، بل استعادة "السياسة" بمفهومها المرتبط بالاجتماع والاقتصاد والثقافة، بما هي بنى تحتية للوعي المرتبط فيها. وهذا سيكون حتماً عبر استيلاد آليات وأطر ومنابر كفيلة بأنْ تُستردّ من خلالها الحياة السياسية ومعها مجمل الخطاب السياسي، فالمعركة الأولى المتمثّلة بـ"بناء الوعي" ضرورةٌ حتماً للعبور نحو المعركة الثانية "استعادة الحيّز العام". هي انتفاضة بمضامين جذرية عديدة وإنْ كنّا لا نستطيع تلمّس أثرها الاجتماعي الآن، إلّا أننا سنلمسها على المدى البعيد.

تأسيساً على ما تقدّم، وإذا كان مقالنا يحاجج بأنّ النظام ابتلع الدولة، وأنّ الدولة بالتالي جوّفت المجتمع فإنّ انتفاضة ١٧ تشرين ستعيد إحياء المجتمع لكي يستعيد فعاليّته. وبعد استعادة عافية المجتمع، سيُتاح المجال نحو استعادة الدولة. وبعد استعادة الدولة، تُشرّع الأبواب لتغيير النظام. أعتقد أنه وعبر هذه الآلية وبواسطة هذه الدينامية، سيتحقّق شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". هي معركة مستمرّة إذاً لاستعادة المجتمع والدولة بوصفهما كيانيْن يقعان جوهريّاً في صلب النظام المُراد تغييره بدل كونهما الآن مُبتلعيْن من قبل النظام.

أخيراً، ستفتح انتفاضة ١٧ تشرين الأفق نحو ولادة مجتمع جديد وهذا ما سيؤسّس حتماً لتغيير جذري يطال القيم والمفاهيم والممارسات وسيُعبّر عنه من خلال ولادة أطر وتجمّعات جديدة. هنا سيمارس القطع مع الماضي وتالياً يصبح التمسّك بثلاثية المجتمع والدولة والنظام ضروريّاً لإسقاط النظام!

يصدِفُ أن تلتقيَ بشخصٍ تعرفه وأنت تمشي في الشارع ليسارع بسؤالك السؤال الآتي "شو وين صرتو؟" وكأنّه ينتظر من الانتفاضة الشعبية أن تحقّق تغييراً شاملاً لسلطة متجذّرة ولدت إبّان إعلان دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠، من خلال خمسين يوماً من التظاهرات. عجيبٌ أمر هذه الشريحة من المواطنين وكأنّ الانتفاضة ستعطي مفاعيل وتأثيراتٍ في غاية السرعة. ثمّة قوانين ناظمة لأيّ حركةٍ جماهيرية علّمتنا إيّاها تجارب الشعوب المنتفضة، بالاستناد إلى التراث الماركسي- اللينيني، فقد وضعت الأخيرة الأسسَ التنظيمية للثورة اشتراكية التي تبدأ بتنظيم صفوف الطبقة العاملة، وتمرّ بحتمية رفع مستوى وعي هذه الطبقة، ومن ثمّ تأطير نضال الطبقة العاملة على المستوى السياسي وأخيراً القيام بالفعل الثوري.

في حقيقة الأمر، دائماً ما يُنظر إلى "الحراك- الانتفاضة- الثورة" وكأنّها تأخذ خطّاً مستقيماً تصاعدياً وهذا ما تدحضه ثورات الشعوب المنتفضة في أمكنة وأزمنة عديدة. إنّ الاعتقاد بأنّ "الحراك- الانتفاضة- الثورة" يأخذ هذا الخطّ التصاعدي يحيلنا إلى الاعتقاد بأنّ الرسم البياني لها هو عبارة عن منحنى الجرس أو ما يعرف بالـ "bell curve". على عكس هذا الاعتقاد، فإنّ مسار "الحراك- الانتفاضة- الثورة" هو أقرب إلى تعرجات غير مستقيمة، أفقياً وعموديّاً، تماماً كما حركة التاريخ، فكما قال لينين أنّه يمكن أن تمر عشرون سنة في التاريخ مفعولها كيوم واحد، وأن يمر يوم واحد يراكم في مساره ما يعادل عشرين سنة.

في هذا السياق، فإنّ شكل "الحراك- الانتفاضة- الثورة" هو بالضرورة عبارة عن أطوار مختلفة تتشكّل من منحنيات مختلفة. فلنأخذ الثورة المصرية مثالاً، فإنها مرّت بأربعة أطوار لغاية الآن. في الطور الأوّل، سقط حسني مبارك (٢٠١١) ليستلم من بعده الحكم المجلس العسكري لفترة انتقالية قادت إلى تنظيم انتخابات جديدة وتعديلات دستورية. الطور الثاني كان عندما أفضت الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٢ إلى فوز محمد مرسي، الذي ينتمي إلى الإخوان المسلمين، بسدة الرئاسة. الطور الثالث حدث عندما أُزيح مرسي بفعل انقلابٍ عسكريّ وبضغط شعبي قاده عبد الفتاح السيسي (حزيران ٢٠١٣) ليتولّى المنصب رسميّاً عام ٢٠١٤. الطور الرابع والحديث نسبيّاً تمثّل في تظاهرات شهدتها عدّة مدن مصرية في أيلول/سبتمبر من العام الحالي (٢٠١٩). بهذا المعنى، فإنّ الثورة هي سيرورة مستمرة في الزمن.

ولكلّ "حراك- انتفاضة- ثورة" نقطة تحول (turning point) هي عبارة عن تجميع كمّي لظروف ذاتية وموضوعية، بعضها مرئي وبعضها الآخر غير مرئي، ومن ثم تلتئم في ظرفٍ سياسي معيّن ليتحول هذا التراكم الكمّي إلى تحوّل نوعي (راجع المقالة السابقة: التراكم التاريخي لانتفاضة ١٧ أكتوبر). عند إسقاط هذه النظرية على الحالة اللبنانية، فإنّ نقطة التحول التي أّدّت إلى اندلاع الانتفاضة كانت ضريبة الواتساب التي اقترحتها الحكومة السابقة، على محدودية أبعادها السياسية. ولّد هذا الأمر انفجاراً شعبياً هائلاً، فكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير فأطلقت الثورة الشعبية من قمقمها. لقد أدّى ذلك برئيس الحكومة الى إعلان استقالة حكومته بعد ١٢ يوماً من المظاهرات في مختلف المناطق اللبنانية. اليوم وبعد أكثر من خمسين يوماً من عمر الانتفاضة الشعبية لتاريخه، فإنّ الانتفاضة قد استنفذت جميع أشكال الاعتراض الشعبي في طورها الأوّل من خلال اعتصامات وتظاهرات وقطع طرقات وإقفال مرافق عامة وحملات على المصارف وتحركات طلابية وقطاعية عديدة. إنّ انتقال الانتفاضة من الطور الأوّل إلى الطور الثاني مرهونٌ بظروف وتطوّرات، بعضها ذاتي ينتج عن مدى قدرة قوى الانتفاضة بالانتقال من شكلها الحالي إلى شكل أكثر جذرية، وهنا المسؤولية الأساس تقع على عاتق الحزب الشيوعي اللبناني بصفته الحزب الثوري الفاعل في صفوفها. والبعض الآخر من الظروف هو ظروف موضوعية تمليها تطورات الوضعين السياسي والاقتصادي وما قد ينتج عنهما.

في الشقّ السياسي، فإنّ تشكّل حكومة تكنو-سياسية يرأسها الحريري أو غيره، قد يكون محطة مفصلية أخرى للانتفاضة لأنّ التغيير الموعود في هذه الحالة لم يعكس المزاجَ الشعبي المطالب بحكومة وطنية انتقالية من خارج المنظومة الحاكمة، وعندئذٍ سيكون للانتفاضة كلمتها لناحية رفض هذه الحكومة. أمّا في الشق الاقتصادي- الاجتماعي، فينبغي النظر إلى خمسة مسارات سيكون لها تأثيرات سلبية على مختلف الشرائح الاجتماعية، وبالأخص الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. المسار الأوّل هو استمرار المصارف بحجز أموال المودعين الصغار وتقييد عملية السحب النقدي. المسار الثاني يكمن في موجة الغلاء المستمرة في الأسواق مع ما يقابلها من إمكانية فقدان أو شحّ المواد الغذائية الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية. المسار الثالث يكمن في توجه مؤسسات القطاع الخاص بتسريحٍ جماعي للعمّال والموظفين أو قضم حقوقهم عبر إعطائهم نصف معاش، وعبر ذلك ستزيد أعداد العاطلين عن العمل بشكل مطّرد في سوق عمل يتميّز أصلاً بقلّة فرص العمل فيه. المسار الرابع يكمن في تناقص سيولة الدولة اللبنانية إلى الحدّ الذي سيجعلها غير قادرة على دفع رواتب وأجور العاملين في القطاع العام بمؤسساته المختلفة. المسار الخامس والأخير يكمن في استمرار تقلّبات سعر الصرف مقابل الدولار الأميركي حيث وصل إلى عتبة الـ٢٣٠٠ ليرة (الخميس في ٢٨ تشرين الثاني/ نوفمبر). إذاً مراقبة هذه المسارات وتفاعلها مع المسار السياسي سيكون له نتائج وتأثيرات عديدة على مستوى الانتفاضة الشعبية وانضمام شرائح اجتماعية عديدة إليها، وبالتالي تجذّرها أكثر على مستوى الفاعلية والخطاب السياسي المرافق لتطوّرها. إنّ اشتداد وقع الازمة الاقتصادية- الاجتماعية بدأ يدفع بالمواطنين بالإقدام على الانتحار في مؤشّرٍ خطيرٍ لما آلت وستؤول إليه الأوضاع. وفي هذا السياق، فقد سُجّلت ثلاث حالات انتحار في الفترة الممتدّة من ١ كانون الأول/ ديسمبر وحتى ٤ من الشهر نفسه.

بناءً على ما تقدّم، فإنّ انتهاء الطور الاوّل من الانتفاضة لا يجب أن يحيلنا إلى اعتقاد بأنّ الانتفاضة الشعبية انتهت أو خفّ وهجها، بل هي في مرحلة انتقالية للدخول إلى الطور الثاني. ولا يمكن التكهّن بالمهلة الزمنية للانتقال إلى هذا الطور لأنّ ما جعل الطور الأول يبدأ ويتفاعل لم يكن في الأساس "قراراً حزبياً" من حزب الطبقة العاملة أو من النقابات التي تدور في فلكه وإن كنّا نأمل ذلك!

على أيّ حال، ينبغي متابعة نضالنا اليوميّ ضدّ النظام بكافة قواه وفروعه وفي طليعتها طبعاً الأوليغارشية المالية وجعله يأخذ مستوى أكثر جذريةً. وينبغي علينا التأكيد في كلّ مناسبة أنّ معركتنا مع هذا النظام هي معركة طبقية في المقام الأوّل، وبأنّ مسار المواجهة مع هذه السلطة العفنة سيطول حتماً ولكنّ الأهمّ أنه بدأ في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر.
سأصطحب هذا المقال معي أينما حللت للردّ على سؤال الشاب الاستفزازي "شو وين صرتو؟".

لم يكن الوصول إلى انتفاضة ١٧ تشرين الأول/ أكتوبر سهلاً بل سبقه مئات الحملات والتحركات بعناوين سياسية ومطلبية واجتماعية عديدة إلى أن تفجّر الغضب الشعبي في لحظة تاريخية. سيتطرق المقال إلى مراحل زمنية عدّة كان لها تأثير إيجابي على مستوى زيادة الوعي السياسي والطبقي لدى المواطنين وزيادة مستوى انخراطهم في الحياة العامة.


أولاً: مرحلة التسعينيات – الحقوق المدنية تتصدّر
إنّ إحدى النتائج السلبية للحرب الأهلية تمثّلت في وجود آلاف المخطوفين والمفقودين حيث لم تسعَ الدولة ومنذ تاريخ انتهاء الحرب إلى معالجة هذا الموضوع بجدية وبخاصةً بعد صدور قانون العفو العام. في خضمّ الحرب الأهلية (١٩٨٢) تأسّست لجنة أهالي المخطوفين في لبنان، وتلاها عام ١٩٩٠ تأسيس لجنة دعم اللبنانيين المعتقلين (تُعرَف باسم سوليد). نجحت اللجنة في ممارسة أشكال مختلفة من الضغط على صنّاع القرار، وكان عام ١٩٩٩ مفصليّاً لها، إذ تمّ إنشاء حملة "حقنا نعرف" وهي هيئة مدنية لدعم لجنة الأهالي وحضنها. بدأت الحملة بتنظيم اعتصامات بشكل أسبوعي قرب مقر مجلس الوزراء كمحاولة للضغط على السلطات لمعرفة مصير المخطوفين والمفقودين.
فور انتهاء الحرب ودخول البلد في مرحلة السلم الأهلي، كان لا يزال عند السلطة السياسية خوف كبير من تنظيم الانتخابات البلدية، فكان من المفترض أن تتمّ الانتخابات البلدية فور تنظيم أوّل انتخابات تشريعية، أي عام ١٩٩٢. في أواخر العام 1997، أطلقت حملة "بلدي بلدتي بلديتي" بمبادرة من الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، بالإضافة إلى منظمات شبابية وناشطين في الحقل العام وأكاديميين. الهدف الأساسي للحملة كان الضغط على السلطات اللبنانية لإجراء أول انتخابات محلّية في لبنان منذ العام 1963. عملت الحملة على تنظيم عشرات المحاضرات والحلقات التثقيفية والاعتصامات واستطاع منظمو الحملة جمعَ تواقيع مئة ألف مواطن. كان للحملة دورٌ أساسي في دفع الطبقة السياسية لتنظيم الانتخابات البلدية عام ١٩٩٨.
خلال هذا العام أيضاً، بادر اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني إلى جانب قوى ومنظمات شبابية أخرى إلى إطلاق الحملة الوطنية لخفض سنّ الاقتراع إلى ١٨ عاماً. مارست الحملة أنواع عديدة من أساليب الضغط الشعبي من تنظيم لقاءات وتوزيع مناشير والضغط على صنّاع القرار باتجاه تعديل الدستور. ولعلّ أبرز تلك الأساليب كان جمع تواقيع ٨٩ نائباً في المجلس النيابي ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة مؤيدة لهذا الحق. توّجَت الحملة تحركها خلال انتخابات العام ٢٠٠٠ حيث عمدت إلى وضع صناديق موازية لصناديق الاقتراع في مختلف المحافظات بهدف تحشيد الرأي العام للمطالبة بهذا الحقّ.


ثانياً: فترة ٢٠٠٠- ٢٠٠٥: مطالب معيشية بالمفرّق
كنتيجة مباشرة لسياسات الحكومات النيو-ليبرالية التي ترأسها الحريري، بدأت نتائج هذه السياسات بالتأثير على قطاعات واسعة من الشعب اللبناني وبالأخص الطبقة الفقيرة. عام ٢٠٠١، أقرّت الحكومة الضريبة على القيمة المضافة TVA فزادت أسعار جميع السلع والمنتوجات. في شباط ٢٠٠٢، بادر الحزب الشيوعي اللبناني والاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين إلى تنظيم مظاهرة ضخمة ضمّت آلاف المواطنين تنديداً بهذه الضريبة وبالسياسات الاقتصادية المتبعة من الحكومة آنذاك. عام ٢٠٠٤ وكنتيجة لزيادة أسعار البنزين نزل مواطنون يقطنون في منطقة حي السلم – إحدى مناطق الضاحية الجنوبية - ليحتجّوا على هذه الزيادة إلّا أن الجيش والقوى الأمنية قمعت هذه المظاهرة وأطلقت الرصاص على المتظاهرين مما أدّى إلى استشهاد 6 مواطنين وجرح 20 آخرين. خلال هذا العام أيضاً، نظّمت نقابات النقل البري اعتصامات احتجاجاً على زيادة أسعار المحروقات مطالبين الحكومة بتثبيت سعر الوقود.


ثالثاً: حراك إسقاط النظام الطائفي (٢٠١١)
أواخر عام ٢٠١٠، اندلعت الانتفاضات العربية بعد أن أضرم محمد بو عزيزي النار في جسده فحدثت انتفاضات في أكثر من بلد عربي مما ولّد ديناميات سياسية جديدة. في هذا السياق، تداعت في 27 شباط 2011 تيارات مدنية ومجموعات شبابية إلى تظاهرة انطلقت من الشياح ــ عين الرمانة وهو المكان الذي شهد بداية الحرب الأهلية. كرّت سبحة المظاهرات من بعدها فكان يوم الأحد موعداً أسبوعياً لمظاهرات اخترقت الأحياء الشعبية في بيروت رافعة الشعار الذي بات على كل لسان مواطن عربي "الشعب يريد إسقاط النظام". رفع المشاركون في هذه التحركات لافتات طالبت بدولة مدنية وقضاء عادل وقانون انتخاب نسبي وتأمين كافة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، إلّا أن وهج الحراك قد انطفأ بعد قرابة الثلاثة أشهر على انطلاقته.


رابعاً: معركة سلسلة الرتب والرواتب (٢٠١٢- ٢٠١٤)
عام ٢٠٠٨ تم تأسيس "هيئة التنسيق النقابية" كإطار نقابي ضمّ روابط الأساتذة والمعلمين في التعليم الرسمي ورابطة موظفي الإدارة العامة. خاضت الهيئة ومنذ تأسيسها معركة لرفع الأجور المجمدة منذ العام ١٩٩٧. عام ٢٠١١ رفعت الحكومة الحدّ الأدنى للأجور ليصل إلى ٦٧٥ ألف ليرة (ما يوازي ٤٥٠ دولاراً في الشهر). وبعد هذه الزيادة، طالب الأساتذة والمعلّمون وموظفو القطاع العام برفع رواتبهم وبدأ الضغط في الشارع لإقرار سلسلة الرتب والرواتب. استطاعت حينها هيئة التنسيق النقابية حشدَ عشرات آلاف الأساتذة والموظفين في ظاهرة لم يشهدها لبنان إذ توحّدت قواعد الأساتذة والموظفين متخطّين بذلك الانقسامات الطائفية والمذهبية في ما بينهم. كما أعلن موظفو القطاع العام الاضراب المفتوح وكان الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب الأهلية. بين هذين العامين أيضاً، برزت تحركات قطاعية ونقابية عديدة كان أهمها إضراب مياومي مؤسسة كهرباء لبنان وإضراب عمال "سبينيس".


خامساً: الحراك الشعبي (٢٠١٥)
كنتيجة مباشرة لإقفال مطمر الناعمة وعدم إيجاد الدولة لحلول مناسبة لمعالجة النفايات المستخرجة من بيروت وجبل لبنان، تكدّست كميات كبيرة من النفايات في شوارع العاصمة مما أدّى إلى سخط شعبي واسع وظهر للمواطنين بشكل جلي عدم جدية السلطة بمعالجة هذا الموضوع. فكان أن أقيمت تظاهرات واعتصامات في الناعمة وبرجا وبيروت خلال تموز ٢٠١٥. في ٢٢ آب، نظّمت قوى ومجموعات الحراك المدني اعتصاماً في ساحة رياض الصلح تحوّل إلى حشد شعبي غير مسبوق لتنهال القوى الأمنية من بعدها على المتظاهرين بالضرب مستخدمةً شتّى أساليب القمع وصلت إلى حدِّ إطلاق الرصاص المطاطي والحي، فوقع العديد من الجرحى آنذاك. ذروة هذا الحراك كانت في ٢٩ آب حيث امتلأت ساحة الشهداء بآلاف المتظاهرين. وحّدَ هذا الحراك اللبنانيين بعناوين مطلبية وبيئية واضحة لكن سرعان ما خفّ وهجه بسبب عدد من العوامل الذاتية والموضوعية، إلاّ أن هذا الحراك خلق فضاءً عاماً للعمل السياسي وكسر الكثير من التابوهات كما قدّم حلولاً علميةً لكيفية معالجة مشكلة النفايات ودفع بالمشاركين فيه إلى التأثير على مستوى عملية صنع القرار وزاد من الرقابة الشعبية على سياسات الحكومة، وبالأخص البيئية منها.


في الطريق إلى ١٧ أكتوبر
الثلاثاء في ١٥ تشرين الأول/ أكتوبر، اندلع ما مجموعه ١٠٣ حرائق في مناطق مختلفة في لبنان. وكالعادة كانت الدولة مقصرّة تجاه كارثة طبيعية بهذا الحجم. وزاد الطين بِلّة أن الطوافات الثلاث التي استقدمتها السلطات الرسمية لإطفاء هذه الحرائق جميعها خارج الخدمة ولم تخضع للصيانة اللازمة منذ تاريخ جلبها عام ٢٠٠٩. ولّد هذا الامر استياءً شعبياً واسعاً أدّى بالمواطنين إلى إنشاء مجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة الأهالي المتضرّرين من الحرائق. زاد منسوب التضامن الإنساني وأدرك اللبنانيون حينها أن عدوّهم الأساسي هو السلطة السياسية بكلّ مكوّناتها. ويوم الأربعاء في ١٦ تشرين الأول/ أكتوبر، اجتمع مجلس الوزراء للبحث في تأمين واردات للدولة لموازنة العام ٢٠٢٠ والتي كانت حينها قيد التحضير. اقترح وزير الاتصالات، محمد شقير، فرض ضريبة قُدّرت بـ ٢٠ سنتاً على كل اتصال يومي على تطبيق "الواتساب"، أي ما يعادل ستة دولارات شهرياً، ووافق على هذا الاقتراح مجلس الوزراء مجتمعاً. كان هذا الأمر كافياً لأن تندلع ثورة الفقراء في لبنان وسرعان ما عمّت الانتفاضة الشعبية كل لبنان تتويجاً لمسار طويل من المواجهة مع طبقة سياسية أخذت البلد باتجاه الانهيار، وأحدثت فيه فقراً وبطالةً وهجرةً وتفاوتاً في توزيع الدخل والثروة.

 

شهد عام ١٩٩٠ انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف. عارضَ حينها الاتفاق ميشال عون، الذي كان قائداً للجيش ورئيس حكومة، فكان قصف القصر الجمهوري في بعبدا وإزاحته بالقوّة في تشرين الأوّل من عام ١٩٩٠، ليرحل بعدها إلى المنفى الباريسي. من جهة أخرى، كان عمرُ حزب الله لا يتعدّى الثماني سنوات، ولم يكن يبلغ بعد مرحلة النضوج السياسي. إضافةً إلى ذلك، كان الحزب مشغولاً بمعركة تحرير الجنوب بعد أن وضع فيها جلّ طاقاته وموارده. عام ٢٠٠٥، كما عام ١٩٩٠، سيكون مفصلياً لهَذين الفريقين اللذين خرجا من الطائف كمن يخرج من المولد بلا حمّص. فشهد هذا العام عودة ميشال عون إلى لبنان، ودخول حزب الله إلى السلطة التنفيذية لأوّل مرّة في تاريخ حكومات ما بعد الطائف.

إبّان تولّي أمين الجميل مقاليد الرئاسة في لبنان، مُنِع الفلسطينيون من مزاولة حوالي ٧٠ مهنة. لم يكن غريباً هذا الأمر، إذ إنّ اليمين اللبناني لطالما اعتبر أنّ الحرب الأهلية وما سبقها كان بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان، فكان عقاب اليمين آنذاك بمنع الفلسطينيين من العمل، وبالتالي حرمانهم من أبسط مقوّمات العيش. إلّا أنّ هذا المسار بدأ يتطور لصالح اللاجئين الفلسطينيين بدءاً من عام ٢٠٠٥ حين تولّى طراد حمادة وزارة العمل، فعمد إلى إصدار المذكرة رقم 1/ 67 التي أتاحت للمهنيين الفلسطينيين العمل في المهن اليدوية والمكتبية المحصورة مزاولتها باللبنانيين دون غيرهم، بشروط معيّنة، أبرزها أن يكون من الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، وأن يكون مسجّلاً في سجلات مديرية شؤون اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية.

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل