السلطة الحاكمة بأمر النيوليبرالية

إنّ ما يفوق الماضي نفسَه أهميةً هو تأثيره على المواقف في الحاضر. إذا غاب عن نظرنا أو تجاهلنا السياق التاريخي مثلاً لرواية ما يدور فلكها في حقبة تاريخية، وركّزنا فقط على التناسق بين أدوار أبطال الرواية في ظل تلك الحقبة المعيّنة، فستفوتنا رابطة جوهرية بين هذه الرواية والفهم التاريخي لها، حيث تتشابك الرواية وإطارها التاريخي المشهدي الواقعي. وإذا أردنا الحديث عن السلطة الحاكمة في لبنان، سنتطرّق في طبيعة الحال إلى السلطة السياسية وسلطة رأس المال، وعلينا أيضاً إدراك أنّ التماهي بين سلطة رأس المال والسياسة تزايد مع تحوّل لبنان من الاقتصاد الليبرالي إلى الاقتصاد النيوليبرالي. لبنان المتعولم إلى النيوليبرالية فالانهيارلبنان المتعولم منذ خمسينيّات القرن الماضي استوفى في فترة ما بعد الحرب الأهلية (ما بعد الطائف) شروط الاقتصاد النيوليبرالي إذ غلب على اقتصاده قطاع المال والتجارة والخدمات، ودور الوساطة الخارجية بين السوق العالمية والداخل اللبناني، والاستيراد عوضاً عن التصنيع وبالتالي سيطرة البضائع المستوردة على السوق المحلية، وإهمال قطاع الزراعة،... إلخ. وارتبط هذا المشروع مباشرة بشخص رفيق الحريري الذي ترأس أوّل حكومة ما بعد الحرب الأهليّة، عند تقديمه مشروع إعمار تحت عنوان "أفق 2000"، الذي ارتكزت صيغته على الإعمار وإعادة بناء وسط بيروت التجاري ولكن بوصفه مركزاً تجاريّاً ماليّاً ودوليّاً.لم يقتصر تمويل الإعمار من خلال مديونية الدولة عن طريق الدين الداخلي، وسياسة الاستدانة الكثيفة من المصارف المحلية بالدرجة الأولى، بل اعتمدت سياسة المشروع على خصخصة القطاع العام ورسملة القطاع المصرفي إذ تمّ إصدار سندات خزينة بفوائد عالية، وارتفعت قيمة رساميل المصارف ونمت ودائعها وتعاظمت أرباحها في ظلّ نظام ضريبي لصالح الأغنياء وتراكم الدين وارتفاع نسبته من الناتج المحلي وتنامي خدمة الدين وهدر الإنفاق الحكومي واختلالات الميزان التجاري وتهميش القطاعات الإنتاجية. بالإضافة إلى الاستدانة الخارجية التي أقرّتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة من خلال مؤتمرات باريس 1 و2 و3. في دولة أصبحت معادية للإنتاج في ريعيّتها وتبعيتها لرأس المال العالمي الذي أدّى إلى طغيان الريع على الاقتصاد، حقّق لبنان النهج النيوليبرالي الذي ترعاه المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). تماهي السلطة الاقتصادية والسلطة السياسيةينجذب رأس المال بالضروررة إلى حيث يكون مصدر السلطة، كي يشرّع صفقاته ويسهّل سيطرته ونفوذه. وبالتالي، تنقلّت العلاقة بين الأوليغارشية (حكم الأقلية للطبقة البرجوازية المسيطرة على الاقتصاد) والسلطة السياسية باختلاف تركّز قوّة السلطة. منذ فترة الاستقلال إلى الحرب (ما يُسمّى بالجمهورية الأولى) التفّت الأوليغارشية حول رئيس الجمهورية بما مثّله من صلاحيات تشريعيّة وتنفيذية وإعفاءات وحصانة منحه إيّاها الدستور وقتذاك. أمّا في فترة بعد الحرب، فقد تنامت علاقة الأوليغارشية مع السلطة الحاكمة عبر نظام المحاصصة الطائفية الذي تسلّم السلطة سنة 1992 (الجمهورية الثانية)، وقامت هذه العلاقة على قاعدة تحالف برجوازية الحرب الأهلية مع "أوليغارشيا" المال والسلطة. وأبرز ما حصل في فترة ما بعد الحرب، أنّ اتفاق الطائف الذي تكرّس من خلال الدستور الجديد قد نقل مركز السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية إلى رئاستي مجلس الوزراء ومجلس النواب. وقد لعب أفراد الحكم على توازنات ثقل أقطاب السلطة هذه بالاستناد إلى قدراتها المالية وعلاقاتها مع الدول. وتعزّز دور رجال الأعمال في التمثيل السياسي المباشر مع مشروع رفيق الحريري. وأنتج هذا التمثيل اندماجَ السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية بين زعماء الميليشيات ومصرفيين ومقاولين ومستوردين، ومتلازمةَ الفساد والطائفية، التي تدافع اليوم عن مصالحها بشراسة بوجه أكبر انتفاضة شعبية يشهدها تاريخ لبنان الحديث. ومن الجدير بالذكر أنّ شخصيّات سياسيّة كثيرة تترأس المصارف أو هي مساهمة فيها. ناهيك عن الاحتكارات التي تجريها عدد من شركات الهولدينغ، المُعفاة من ضريبة الدخل والتي يملك كثيراً منها عددٌ لا يستهان به من السياسيين. وتطال هذه الشركات عدداً واسعاً من فروع الاقتصاد، وتملك امتيازات وماركات مسجّلة لها حصراً والعديد من الملكيات العقارية، وهي التي تحتكر الأسواق. الهيئات الاقتصادية: وحدة البرجوازية تأسّست الهيئات الاقتصادية في ستينيّات القرن الماضي على يد أقطاب الرأسمالية العابرة للقطاعات. وتضمّ الهيئات الاقتصادية: غرف التجارة والصناعة والزراعة في كل من بيروت وجبل لبنان، طرابلس والشمال، صيدا والجنوب، زحلة والبقاع، جمعية مصارف لبنان، جمعية الصناعيين اللبنانيين، جمعية تجار بيروت، تجمع رجال الأعمال في لبنان، جمعية شركات الضمان في لبنان، نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء، نقابة أصحاب الفنادق، المجلس الوطني للاقتصاديين اللبنانيين، الندوة الاقتصادية اللبنانية، اللجنة الوطنية لغرفة التجارة الدولية. وتشكّل الهيئات الاقتصادية، بما تمثّله من أعضاء، تماسكَ البرجوازية التي دأبت عدّة مرّات على التكشير عن أنيابها عند المساس بالنظام الاقتصادي الحر في صميم ريعه وأرباحه ونظامه الضريبي، وعارضت دوماً رفع الحدّ الأدنى للأجور ودفع اشتراكات الضمان وطالبت بإلغاء التقديمات الاجتماعية من نقل وتأمين، ولم تكن تلبث أن تعلن الإضراب إثر كلّ قرار يمسّ بمصالحها. هذا كلّه يترافق مع انصياع متفاوت لأحزاب السلطة للأمر الواقع الاقتصادي ولمصالح الهيئات الاقتصادية وضغوطها والاستهتار بمصالح الناس وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في ظلّ تخاذل النقابات والاتحاد والعمالي العام، التي نجحت الطبقة الحاكمة في الانقضاض والسيطرة عليها. وللمفارقة، تُعرّف الهيئات الاقتصادية بأنها "تجمع اقتصادي غير سياسي ولا يتوخّى الربح"، في حين أنّها ليست فقط متماهية مع السلطة السياسية، بل تصادر القرار السياسي. وهي، بحسب تعريفها، "تساهم في تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني"، في حين أنها أيضاً، "تدعم النظام الاقتصادي الحرّ والمبادرة الفردية"، فما هذه الازدواجية في التعريف؟! الطائفية بوصفها جزءاً من منظومة السيطرةوسيكون، بطبيعة الحال، من انعدام الحسّ بالمسؤولية أن يتغاضى المرء عن تأثيرات النظام الطائفي بوصفه جزءاً من منظومة السيطرة في المجتمع اللبناني، فمن خلال النظام الطائفي تتمّ إدارة لعبة النزاعات التي ما تلبث أن تنتهي إلى تسويات وشراكات ترضي الأطراف المتنازعة بحسب موازين القوى بينها، ، فيتحوّل الصراع في ما بينها إلى اقتسام وتوزيع خدمات الدولة وتعهّداتها وعقودها واقتسام الريوع المختلفة بين الكتل والتحالفات الطائفية المعنية. ولّد النظام السياسي الطائفي المحسوبية والزبائنية في علاقة الجماعة الطائفية بالحزب الذي تمثله الطائفة، وبالتالي سيطرت هذه الأحزاب على تمثيل الجماعات والنطق باسمها. هذا بالإضافة إلى أنّه جرى تعديلٌ في نسب التمثيل الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في الهيئات الاقتصادية التزاماً بصيغة اتفاق الطائف بالتمثيل الطوائفي في المؤسسات السياسية والإدارية. وهو أمرٌ بديهي أن تُخضِع الهيئات البرجوازية إلى مصالحها كل ظاهرات التشكيلة السلطة الموجودة في علاقة فعلية معها، لضمان ممارستها المادية. أزمة لبنان: فساد أم استغلال؟بعد الأزمة التي يمرّ فيها لبنان، يرجّح الكثير أنّ سبب الأزمة هو الفساد والهدر، وهو ما روّجت له الطبقة الحاكمة وبعض منظمات المجتمع المدني، إذ تحاول بذلك إخفاء الصراع الطبقي والاستغلال وتمويهه بالفساد والهدر خدمةً للنهج النيوليبرالي، لكنّ انتفاضة 17 تشرين الأوّل وجّهت البوصلة أكثر من خلال العديد من منتفضيها، حيث علت شعارات "تسقط سلطة رأس المال" و"يسقط حكم المصرف" و"الصراع طبقي"... ولا بدّ أنّ الفساد والهدر حاصلان، ولكنّ النظام الرألسمالي التبعي والمعتمد على الاقتصاد الريعي هو أساس العلّة. واقتصار سبب الأزمة على الفساد والهدر هو تبنٍّ للرواية النيوليبرالية للفساد، علماً أنّ الفساد الحقيقي هو الذي يوثّر على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، أي فساد من يستغل موقعه السلطوي لتحقيق اكتساب ملايين ومليارات الدولارات على حساب المال العام، وهو ما دأبت عليه السلطة الحاكمة، ليس فقط من خلال الانتفاع من المال العام، بل وذهاب السلطة التشريعية إلى تشريع ما يخدم مصالحها. وبالتالي، إنّ مصطلحات الفساد والهدر التي تطغى عند عدد كبير من الأفراد والمجموعات ملائمةٌ لوصفات البنك الدولي المتمثلة بـ"وقف الهدر ومكافحة الفساد والشفافية..."، والتي توظفّها في خدمة الخصخصة وتخفيض الموازنات الحكومية والإدارية والحدّ من خدمات الرعاية الاجتماعية. ناهيك عن مفهوم العدالة الاجتماعية الذي بات على أجندة البنك الدولي في "الدول النامية"، بعد أن تمّت إعادة إنتاج تعريفه كما يخدم مصالحها، إذ أنّ العدالة الاجتماعية بما تعنيه من مساواة وإعادة التوزيع الاجتماعي العادل للموارد والثروات والدخل، باتت تقتصر بمفهومها الجديد الذي انتشر في عصر العولمة على الحقّ في الاختلاف والتمايز للهويات (الجندرة والمثلية والعرق والإثنية والدين والقومية... إلخ). هكذا طغت المطالبة بالحق في الاختلاف على المطالبة بالحق في المساواة، وهو ما عملت عليه المؤسسات الدولية ومعظم منظمات المجتمع المدني، الليبرالية الهوى، وساهمت فيه أنظمة الاستبداد والقمع. في لبنان، التقت السلطتان السياسية- الطائفية والاقتصادية الحاكمتان في إنتاج البنية الطبقية البرجوازية إلى حدٍّ ما في ظلّ التناقضات التاريخية. وهي ما تلبث تلجأ بشتّى الوسائل إلى الحفاظ على النهج السياسي الذي يؤبّد سلطتها واحتكارها بالعودة إلى النهج السياسي الذي أثبت فشله. ويقول أنطونيو غرامشي في هذا الصدد أنّ "الوحدة التاريخية للطبقات الحاكمة تتحقّق في الدولة وأنّ تاريخها هو في الجوهر تاريخ الدول وتاريخ مجموعات من الدول". وإذا كانت وحدة الطبقة الحاكمة الحالية في لبنان تحققت بهذا الشكل، يتوجب على البديل السياسي عنها، أيضاً، توحيد الطبقات الشعبية المواجِهة للنظام السياسي الحالي عبر توصيف المرحلة التاريخية والأزمة التي يمرّ بها لبنان، وأزمة الرأسمالية والامبريالية عالميّاً، على مستوى التناقضات الداخلية والخارجية، بالدرجة الأولى، في سبيل الخروج من الأزمة. 

Image

شبح صندوق النقد الدولي ومهام المرحلة

دخول صندوق النقد الدولي إلى لبنان كما تريد قوى السلطة اليوم، يعني بكل بساطة ووضوح تقويضَ ما تبقّى من نظام الرعاية الاجتماعية، زيادة الخراب الاقتصادي والاجتماعي، تعاظم الهوة بين الأغنياء والفقراء وذلك عبر ما يطرحه من شروط للإفراج عن حزمة من المساعدات والقروش، من رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة، زيادة الضرائب على البنزين، زيادة الضرائب على الأملاك المبنية، التخلي عن دعم الكهرباء، خصخصة قطاعي الكهرباء والإتصالات، وإعادة هيكلة القطاع العام ونظام التقاعد. بمعنى آخر: فليتحملْ الشعب اللبناني كلفة الانهيار وكلفة شراء الوقت لمحاولة "ترقيع" النظام. رسميّاً تكمن وظيفة الصندوق في العمل على الاستقرار المالي، ومساعدة البلدان المأزومة على تلافي ما تعانيه من مشاكل. إنّما في الواقع إن الصندوق أداةٌ بيد الولايات المتحدة (ورأس المال العالمي) ليحقّق مصالحه في الدرجة الأولى ويفرض على الدول برامج ضد مصلحة الأغلبية العظمى من المواطنين أي أصحاب الدخل المتدني والمتوسط، فيؤمّن بذلك مصلحة رأس المال ويعزّز تبعية الدول إلى الغرب. من الطبيعي إذاً أنْ تتيح سياسةُ الصندوق مراكمةَ الثروات لحفنة من الأغنياء بلا انقطاع حتى في أزمنة الأزمات.الصندوق لا يسعى إلى حل مشكلات الدول المأزومة، بل هو يسعى إلى تمكينها (إغراقها وتكبيلها) من إستخدام قروضه لتسديد ما في ذمتها من ديون أجنبية مستحقة، أي أن يحل مكان الدائنين الأجانب، ضامناً بذلك حصولهم على رؤوس أموالهم. (1) في هذا المقال نحاول أن نستعرض شذرات من تاريخ صندوق النقد الدولي ومن تدخلاته في بلدين، هما تشيلي وروسيا. وذلك لتمليك الجماهير المنتفضة أداة معرفية تمكّنهم من فهم سبب لجوء القلة القليلة من أصحاب رؤوس الأموال إلى هذا الخيار، وما هي السيناريوهات المتوقعة في حال لجأت السلطة اللبنانية إلى هذا الخيار. لمحة عن تاريخ تأسيس هذا الصندوقتأسّس صندوق النقد الدولي بعد مؤتمر بريتون وودز الذي بدأ أعماله في ١٤ تموز ١٩٤٤ بحضور وفود من ٤٤ بلد. وحول تأسيسه، يقول رئيس الوفد البريطاني الاقتصادي إلى المؤتمر جون ماينرد كينز "إن الأمر الواضح، هو أن اثنتين وعشرين دولة، من الدول المدعوة، لم تسهم بأي دور ذي بال في المؤتمر، وأنها كانت حجر عثرة لا غير... إننا هاهُنا إزاء أكبر مهزلة، حدثت في السنوات الأخيرة" (2). وهذا لأنّ مفاوضاتٍ سرية بين البيت الأبيض والحكومة البريطانية كانت قد سبقت المؤتمر بوقت طويل لوضع مجموعة من الخطط التي ينبغي على النظام النقدي العالمي الارتكاز عليها. وليس ثمّة شك أنّ هذا الصندوق ليس إلّا مؤسسة أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية لحماية مصالحها وزيادة قوتها وهيمنتها الاقتصادية على العالم، فعلى الدول الراغبة بالحصول على العضوية في الصندوق أن تكشف عن حساباتها وذلك ليكون بالمستطاع تسليط الضوء على أوضاعها ويتعيّن على هذه الدول أن تودع لدى الصندوق كمية من الذهب، ومبلغاً من المال.بدأ الصندوق عملياته برأسمال بلغ ٨.٨ مليار دولار منها ٢.٩ مليار دولار إسهام الولايات المتحدة. وفي العام ١٩٤٦ وقع الإختيار على البلجيكي كميل غوت الذي كان وزير مالية بلاده كأول مدير عام للصندوق، وكميل غوت كان قد أعار خلال ولايته كمية من الذهب إلى بريطانيا لمساندتها في تمويل إنفاقها الحربي كما زوّدها بالكوبالت والنحاس من مناجم الكونغو بالإضافة الى تزويده الولايات المتحدة سرّاً بمادة اليورانيوم المستخرجة من مناجم الكونغو لإكمال برنامجها النووي. تشيلي وصندوق النقد الدوليالخوف من نموذج إشتراكي في أميركا اللاتينية دفع بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالتعاون مع البرجوازية في تشيلي، إلى الإقدام على تمويل ودعم مباشر لانقلاب بقيادة بينوشيه على الرئيس الإشتراكي سلفادورألليندي. استقدم بينوشيه بعد إلغائه التأميمات التي قام بها سلفه، مجموعة من الاقتصاديين الذين سُميوا بصبيان شيكاغو (Chicago boys. وهم مجموعة درست على يد ميلتون فريدمان في Chicago school of economics. وكان هدفهم صياغة برنامج على قاعدة الأسس الليبرالية يفرض تقشّفاً على البلاد وسُمّي هذا البرنامج العلاج بالصدمة (shock therapy). وضع هذا البرنامج بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وأبرز نقاطه:1. خفض الكمية النقدية المتداولة على نحو صارم وفعال.2. خفض الإنفاق الحكومي، تسريح أكبر عدد ممكن من الموظفين الحكوميين.3. تنفيذ الخصخصة في القطاع الصحي والتعليمي.4. ضرورة خفض أجور العاملين وزيادة المعدلات الضريبية من الأفراد العاملين.5. خفض الضرائب الجمركية والضرائب المستوفاة من الشركات. في الوقت الذي كان بينوشيه يبطش باليساريين المعارضين لهذه السياسة طُبّق هذا البرنامج، الأمر الذي رفع نسبة البطالة من ٣ في المئة عام ١٩٧٣ إلى ١٨.٧ في المئة في العام ١٩٧٥، كما بلغ التضخم في الفترة نفسها ٣٤١ في المئة كما زادت نسبة الفقر، الأمر الذي رفع معدل التفاوت الإجتماعي. وفي هذه الفترة، زاد الصندوق قيمة قروضه إلى تشيلي خمسة أضعاف. من باع التاريخ؟يقول أوليغ شينين الذي كان سكريتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي وعضواً في مكتبه السياسي في نص المرافعة التي ألقاها في ٨ شباط ١٩٩٤ أمام الهيئة العسكرية للمحكمة العليا في الاتحاد الروسي بعد اتهامه (زوراً) بخيانة الوطن إنّ "التخلي عن وصف النظام الاجتماعي- الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي بأنه إشتراكي ينطوي على دلالة عميقة. فمسألة تحديد طبيعة النظام الذي يعيش الشعب في ظلّه مسألة مبدئية، ولا يمكن حلها إلا من قبل الشعب كله، كما جرى في سياق استفتاء السابع عشر من آذار 1991 ". (3) عانى الاتحاد السوفياتي في الثمانينيّات من أزمة عميقة بسبب الانحراف عن خط السير نحو الاشتراكية الذي بدأ في عهد خروتشوف وتحديداً بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي (الذي تلا وفاة ستالين) حيث نشأت وتطورت طبقة برجوازية، كان من أبرز وجوهها غورباتشوف ويلتسين. أمام هذه الأزمة فضّل غورباتشوف طلب المساعدة من بوش الأب الرئيس الأميركي بوقتها، هذا الأخير أشرك صندوق النقد الدولي في العملية وكلّف الصندوق والبنك الدولي إجراء دراسة تتناول وضع الاقتصاد السوفييتي. لم ينتظر ميشيل كامديسوس (Michel camadessus) المدير العام للصندوق وقتذاك، الذي أشرف على إدارة نادي باريس بين عامي 1976و1984 والمصرف المركزي الفرنسي لمدة ثلاث سنوات، فأرسل سريعاً إلى موسكو اقتصاديين يؤمنون بالليبرالية الاقتصادية، فكانت خلاصة ورقة الاقتصاديين واضحة جدا وهي التحوّل الجذري إلى النظام الرأسمالي وذلك بالاعتماد على برنامج العلاج بالصدمة على غرار ما حصل في تشيلي.وفي التاسع من نيسان عام 1991، أعلن غورباتشوف تنفيذ برنامج مضاد للأزمة، فأصدر قراراً بالتخلي عن تأميم المشاريع والسماح بالملكية الخاصة من جديد والكف عن احتكار الدولة للتجارة الخارجية، بذلك يكون قد قضى على تاريخ الاتحاد السوفييتي.في الوقت عينه كان من مصلحة يلتسين المحبوب من الغرب أن يضعف خصمه غورباتشوف. في اجتماعه السنوي في بانكوك أعلن صندوق النقد الدولي أنه يصر على تسديد كل ما له من ديون في ذمة الاتحاد السوفييتي، ويتوقع أن تقوم الجمهوريات السوفييتية بتسديد هذه الديون عبر إلغاء جميع أساليب الدعم المالي، الممنوحة للصناعة وللزراعة، وعبر تقليص الأموال المخصّصة للأنشطة العسكرية. قام يلتسين وحكومته التي أصبحت برئاسة ايغور غايدار المقرّب من أفكار صبية شيكاغو، بتنفيذ إرشادات الصندوق ما أدّى إلى كارثة ضربت البلاد. في الخامس من كانون الأول 1991 استقال غورباشوف من منصبه كأمين عام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ثم تم تفكيك الاتحاد السوفييتي (ككيان سياسي) في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه. عن تلك الفترة يقول إرنست فولف "بين عام 1991و1994 انخفض معدل الولادات بثلاثين في المائة. وهذا لا غرو أن يتراجع عدد سكان روسيا، خلال 12 عاماً، بنحو عشرة ملايين نسمة، ليبلغ 142 مليون مواطن. أضف إلى ذلك وذاك، أن الإدمان على المسكرات والأمراض النفسية والجرائم وعدد المشرّدين، كانت جميعها، من جملة الظواهر التي انتشرت بنحو ما كانت له قرينة في سابق الزمن. كما ألغيت ضمانات الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك رياض الأطفال والمعونات المالية المخصصة للأطفال، علماً بأن هذه المكتسبات كانت متاحة للجميع في الاتحاد السوفييتي. وعجز الكثير من الآباء والأمهات عن رعاية أطفالهم، من هنا، لا عجب أن يُكره من الفتيات على ممارسة الدعارة، وأن يختفي أثر الكثير من أبناء الشوارع في دروب وأزقة المدن الكبرى ولسنا بحاجة للاشارة، إلى أننا هاهُنا، إزاء ظواهر ما كانت معروفة بهذه الشدة ولا حتى في أبشع ظروف الحرب التي تعرّض لها الاتحاد السوفيياتي". (4) عن الواقع اللبناني ومهام المرحلةفي ظل الأزمة المفتوحة للنظام اللبناني وتعقدها على كافة الصعد، تضغط البنية الأيديولوجية للطبقة المسيطرة لتعمم أفكارها، منها بأن الحل الوحيد أمام لبنان هي برامج هذا الصندوق أو طلب المال من الخارج. أي اصلاحات تحافظ فيها على مصالحها، بمعنى آخر: فليتحمل الشعب بطبقاته الفقيرة والمتوسطة كلفة هذا الانهيار، أما المهم هو حماية طبقة الـ1%. من هذه النقطة تنتصب أمام هذه الانتفاضة (والحركة الشعبية عامة)، وتحديدا أمام قوى البديل الجذري السياسي، عملية هي ضرورية في سيرورة تعقد الأزمة، فتقديس الشارع كما تطرحه بعض القوى (ومنها اليسارية) وتقديس ما سمي بالعفوية أصبح مهدّداً لهذه الانتفاضة، لا بل كابحاً لارتقائها إلى الهجوم على المستوى السياسي ونقل المعركة إلى المستوى السياسي عبر برنامج يأخذ بعين الاعتبار التعقد في بنية البلاد الاجتماعية وتناقضات البنية العالمية والإقليمية. إنّ هذا البرنامج يُمَلّك الفقراء والكادحين والمتضرّرين وأوسع القوى الحيّة في المجتمع أداةً تنتصر لهم في وجه هذا النموذج القائم، فلتتحمل قوى التغيير الجذري مسؤوليتها التاريخية في مجتمعها وفي هذه اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن والعالم. المراجع:(1) د عباس عدنان علي، مقدمة كتاب صندوق النقد الدولي، ص18 (2) Richard peet: unholy trinity, zed books, London 2009(3) اوليغ شينين، من باع التاريخ، دار الطليعة الجديدة طبعة أولى 1997، ترجمة عدنان جاموس، ص21(4) ارنست فولف، صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية، صادر عن عالم المعرفة، أبريل 2016

Image

ثلاثية النظام والدولة والمجتمع

مثّل اتفاق الطائف زواجاً مارونياً بين برجوازية صاعدة بعد الحرب الأهلية مع أمراء الحرب والميليشيات. بهذا المعنى، فإنّ النظام السياسي اكتسب قوّته ليس من صلابة الدولة بمفهومها المركزي القويّ، بل من مدى تجذّر "الدولة العميقة" فيه. لطالما كان كيان الدولة في لبنان ضعيفاً وهشّاً أي منذ إعلان دولة لبنان الكبير وحتى تاريخ ولادة الجمهورية الثانية. شكلّت الطوائف العمق المادي للدولة، وقامت مؤسساتها بلعب دور رمزي في اصطناع شكلٍ وجوديّ لها. الدولة في لبنان تشكلّت على دفعات، من نظام القائمقاميتين مروراً بمتصرفية جبل لبنان وليس انتهاءً بدولة لبنان الكبير. الدولة في لبنان مستلبة لصالح نظامٍ هو أقوى منها. هذا النظام ابتلع الدولة لأنه يعتبر فائض قوّتها فكان أن ضمّ وعاءً كبيراً احتوى على عددٍ من المؤسسات الموازية، كالمؤسسات التربوية والاجتماعية والإعلامية التابعة للطوائف، بالإضافة إلى حيتان المال والذي يضمّ طيفاً واسعاً من كبار المصرفيين، كبار الإداريين، أصحاب الاحتكارات، الشركات العقارية، ... إلخ. الدولة هنا بمفهومها الدستوري والمؤسّساتي تكاد تختصر صورتها بمؤسّسات عامة رسمية ليس إلاّ. الدولة في لبنان لا هيبة لها ليس لأنّ المواطن يساهم في تغذية هكذا شعور إنّما بسبب قوّة النظام بالمقارنة مع قوّتها. لا داعيَ لمحاججة أحد أنّ هيبة الدولة في لبنان مفقودة من شرطي المرور وصولاً إلى أرفع قاضٍ في السلطة القضائية. إذاً، وإذا كان النظام في لبنان قد ابتلع الدولة فما كان من الدولة بالتالي إلّا أنْ جوّفت المجتمع. ونقصد بالمجتمع هنا "المجتمع المدني"، وقواه الحيّة كالأحزاب والنقابات والمنظّمات الطلابية والشبابية والجمعيات. أفرغت الدولة الأحزاب من خطابها السياسي وأضحت أحزاباً طائفية - مذهبية شكلّت استمراراً للحرب الأهلية وموروثاتها فاختفى معها أيّ أثر لحياة سياسية سليمة. الانقضاض على الحركة النقابية كان مطلب قوى السلطة في مرحلة ما بعد الطائف إذ أنّ هذه المساحة كانت المساحة الوحيدة للعمل المطلبيّ بعد انتهاء الحرب الأهلية. فسيطرت الدولة على الاتحاد العمالي العام عبر تفريخ نقابات وهمية وأنشأت اتحادات نقابية عديدة للسيطرة على المكتب التنفيذي للاتحاد واستطاعت تطويعه بالكامل عام ١٩٩٧. أمّا بالنسبة إلى الحركة الطلابية، فإنّ ضرب الجامعة اللبنانية خلال حقبة ما بعد الطائف وإلغاء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية - الذي كان إطاراً نقابياً لعب دوراً طليعياً في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي- صبّ في تذويب الحركة الطلابية العابرة للطوائف والمناطق التي استطاعت أن تفرض واقعاً سياسياً مغايراً طبع المشهد السياسي خلال تلك الحقبة. غير أن هذا الواقع قد بدأ يتغيّر بالفعل لأنّ انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل قد فتحت الأفق أمام ولادة أطر سياسية ونقابية وإعلامية وثقافية عديدة. على المستوى النقابي، ولد في رحم الانتفاضة "تجمع مهنيين ومهنيات" وهو تجمع يضمّ أفراداً يعملون في قطاعات الصحة والهندسة والتعليم والمحاماة والصحافة والثقافة والفنون. إضافة إلى ذلك، برزت مساعٍ لإنشاء نقابة للصحافة البديلة وإطار تنسيقي للعاملين في المنظّمات غير الحكومية. الجدير ذكره أنّ الواقع النقابي شهد عام ٢٠١٨ تأسيس نقابة العلوم المعلوماتية التي استطاعت ترسيخ اسمها بفعل جهود فردية مضنية من قبل عدد من العاملين في هذا المجال. على المستوى الثقافي والإعلامي، برزت مطبوعتان تعكسان روح الانتفاضة وديناميتها العديدة، إحداهما صحيفة "١٧ تشرين" التي يعتزم مؤسّسوها إصدارها شهريّاً، ومطبوعة أخرى متخصّصة بالشّعر أُطلِق عليها اسم "نيزك". على المستوى السياسي، أعادت الانتفاضة تنشيط مجموعات سياسية كانت موجودة سابقاً وولدت في خضمّها أيضاً مجموعات طلابية وسياسية جديدة وإن كان من غير المستبعد أيضاً أن يُصار إلى تأسيس أحزاب سياسية جديدة تكون بديلاً للحياة السياسية المستلبة والمسروقة، فالتغيير السياسي هو بالضرورة ما تصبو إليه هذه الانتفاضة ولن يتحقّق إلّا بأدوات سياسية واضحة. هذه الانتفاضة بحراكها المستمر تحمل في طيّاتها بُعديْن. البعد الأوّل يكمن في بناء الوعي والثاني استعادة الحيّز العام. هي انتفاضة على المنظومة القيمية التي جذّرها النظام بفعل قنوات وآليات ومؤسسات عديدة، وكما أن الانتفاضة هي فعلٌ تأسيسي، فهي بهذا المعنى تؤسّس للهدم في المنظومة القيمية بهدف استبدالها بمنظومة أخرى. البعد الثاني متعلقٌ حكماً بالأول، وهو استعادة الحيّز العام، وليس المقصود منه فقط الواقع المكاني والجغرافي ولا السياسة بمفهومها التقليدي- الكلاسيكي، بل استعادة "السياسة" بمفهومها المرتبط بالاجتماع والاقتصاد والثقافة، بما هي بنى تحتية للوعي المرتبط فيها. وهذا سيكون حتماً عبر استيلاد آليات وأطر ومنابر كفيلة بأنْ تُستردّ من خلالها الحياة السياسية ومعها مجمل الخطاب السياسي، فالمعركة الأولى المتمثّلة بـ"بناء الوعي" ضرورةٌ حتماً للعبور نحو المعركة الثانية "استعادة الحيّز العام". هي انتفاضة بمضامين جذرية عديدة وإنْ كنّا لا نستطيع تلمّس أثرها الاجتماعي الآن، إلّا أننا سنلمسها على المدى البعيد. تأسيساً على ما تقدّم، وإذا كان مقالنا يحاجج بأنّ النظام ابتلع الدولة، وأنّ الدولة بالتالي جوّفت المجتمع فإنّ انتفاضة ١٧ تشرين ستعيد إحياء المجتمع لكي يستعيد فعاليّته. وبعد استعادة عافية المجتمع، سيُتاح المجال نحو استعادة الدولة. وبعد استعادة الدولة، تُشرّع الأبواب لتغيير النظام. أعتقد أنه وعبر هذه الآلية وبواسطة هذه الدينامية، سيتحقّق شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". هي معركة مستمرّة إذاً لاستعادة المجتمع والدولة بوصفهما كيانيْن يقعان جوهريّاً في صلب النظام المُراد تغييره بدل كونهما الآن مُبتلعيْن من قبل النظام. أخيراً، ستفتح انتفاضة ١٧ تشرين الأفق نحو ولادة مجتمع جديد وهذا ما سيؤسّس حتماً لتغيير جذري يطال القيم والمفاهيم والممارسات وسيُعبّر عنه من خلال ولادة أطر وتجمّعات جديدة. هنا سيمارس القطع مع الماضي وتالياً يصبح التمسّك بثلاثية المجتمع والدولة والنظام ضروريّاً لإسقاط النظام!

Image

ديكتاتورية المصارف تُضرَب بفأس المنتفضين

ودّع اللبنانيون عام 2019، واستقبلوا العام الجديد في ساحات الاعتصام، مؤكّدين مواصلة "انتفاضة 17 أكتوبر" لليوم السابع والسبعين على التوالي وسط إصرار ومثابرة لتصعيد الاحتجاجات الشعبية على المصارف والمؤسسات العامة والسلطة السياسية من جهة، ومماطلة ممنهجة من قبل الأخيرة وتجاهلها المعتمد لمطالب الشارع من جهة أخرى.وها هي أزمة التأليف الحكومي تنتقل إلى العام 2020، بعدما كلّف رئيس الجمهورية ميشال عون، في اليوم الرابع والستين للانتفاضة (19 كانون الأول الماضي)، الوزير السابق د. حسان دياب برئاسة الحكومة في البلاد خلفاً للرئيس المستقيل سعد الحريري، إثر انتهاء الاستشارات النيابية في القصر الجمهوري بـ 69 صوتاً لصالح دياب، و13 صوتاً لنواف سلام، وصوت واحد للدكتورة حليمة قعقور، فيما فضّل 42 نائباً عدم تسمية أحد. واستقبلت ساحات الحراك في المناطق الرئيس المكلف بالرفض كأسلافه محمد الصفدي وبهيج طبارة وسمير الخطيب. أما سبب هذا الاعتراض فيعود إلى شكل وآلية التكليف، إذ أقدمت قوى السلطة على تكليف دياب من دون أن يجري حتى نقاش برنامجه أو مشروعه، لتؤكد مجدداً أنها لا تزال غير آبهة بمطالب المواطنين، بل الأولوية لمحاصصاتها وحساباتها الخاصة. بدوره، سارع دياب إلى الالتفاف على مطالب الحراك، إذ بحجة عدم معرفته بمطالب المنتفضين بعد مرور أكثر من ستين يوماً على الاحتجاجات الشعبية، أقدم على الاتصال بعدد من الناشطين وتوجيه دعوة للاجتماع بهم، مقرراً أنهم الممثلون عن الانتفاضة، علّهم يطلعونه عن المعلن للجميع ما عدا السلطة. إلاّ أن هذه المحاولة كان مصيرها مشابهاً لدعوة رئيس الجمهورية بالحوار مع المنتفضين وباءت بالفشل، إذ أعلنت الساحات والناشطون الذين تلقوا طلب دياب عن رفضهم للقاء الاستعراضي والتفاوض احتراماً وانسجاماً مع رغبة الشارع، مشدّدين أن هذا التكليف لا يغيّر موقفهم في الاستمرار بالانتفاضة الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي، وإنقاذ الشعب اللبناني والبلد من تبعات الانهيار. ووجّه بعض المنتفضين الدعوة إلى "من يريد التفاوض بالنزول إلى الساحات ليسمع صوتنا، وليعلم إننا باقون وثورتنا مستمرة، حاضرة تراقب وسوف تحاسب"، معلنين أن من سارع للقاء دياب لا يمثل "انتفاضة 17 أكتوبر". كما أكدوا على إصرارهم بتحقيق مطالب هذه الانتفاضة بالدرجة الأولى؛ عبر تشكيل حكومة وطنية انتقالية من خارج المنظومة السلطوية وذات صلاحيات استثنائية، ولمدة محددة تقوم على برنامج ومهام معينة (إلغاء ما يُسمّى "بالورقة الإصلاحية" - إقرار قانون انتخابات نيابية على أساس النسبية خارج القيد الطائفي، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساسه - استقلالية القضاء - استرجاع الأموال والأملاك العامة المنهوبة ومحاكمة المسؤولين الفاسدين ووضع رؤية اقتصادية...). "مش دافعين"هاشتاغ "مش دافعين"، هو وسم أطلقه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يدعو اللبنانيين لعدم دفع الفواتير والضرائب لحمل السلطات على الاستماع لمطالب الاحتجاجات التي انطلقت في 17 تشرين الأول الماضي ولم تتوقف حتى الآن.كما لوّح عدد من الشركات الخاصة باتخاذ إجراءات مماثلة كإقدامها على "العصيان الضريبي" بوجه تعنّت السلطة وسياسات المصارف وتفاقم الوضع الاقتصادي.أمّا المنتفضون فترجموا وسم "مش دافعين" فعلياً على الأرض باليوم الـ 66 للانتفاضة، عبر تنفيذ وقفات احتجاجية أمام مبنى مؤسسة كهرباء لبنان في بيروت وصيدا، إضافة إلى رش العبارة على أبواب المصارف في عدة مناطق يوم السبت 21 كانون الأول الماضي، للدعوة إلى "الامتناع عن دفع الضرائب والرسوم، والتوقف عن تسديد القروض المصرفية المستحقة، إلى حين استرجاع المال المنهوب والحقوق". "حرّض على المصرف"تصاعدت وتيرة الاحتجاجات على المصارف في الأسبوع الماضي، بعد الكشف عن أرقام بعض الأموال الطائلة المهرّبة إلى الخارج، تزامناً مع تردّي الأوضاع الاقتصادية، وتزايد نسبة البطالة بسبب إقفال بعض المؤسسات أو تقليص عدد الموظفين فيها. حيث يواجه البلد أزمة حادة في السيولة بالعملة الأجنبية، تزامناً مع سياسات تقييدية للمصارف اللبنانية على أموال المودعين ورواتب الموظفين منذ أسابيع. ولاسيما إصرارها تطبيق الـ Capital Control بدون قانون وبشكل انتقائي على أصحاب الودائع الصغيرة فقط، عبر تحكّمها بأموال الزبائن وحتى أصحاب الحسابات الصغيرة منهم، بوضع الحد الأسبوعي لسحب النقد الوطني، وامتناعها تسليم المودعين مبالغ تفوق الـ 200 دولار أسبوعياً، وصرف شيكات بخسارة 30 % أو 40 % من قيمتها. يضاف إلى ذلك فقدان الدولارات كلياً في ماكينات الـ ATM، وسط تلاعب في سعر صرف العملة في السوق السوداء مما أفقد الليرة اللبنانية أكثر من ثلث قيمتها.وبعد ارتفاع صرخات صغار المودعين والموظفين جرّاء إذلالهم في المصارف للحصول على أموالهم أو حتى جزء منها، وانتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نشرات الأخبار. لم نرَ أي مسؤول سياسي تحرّك لصرخة أم على باب المصرف تستجدي الموظفين إعطاءها مالها "ولادي جوعانين، بدي طعميهم"، أو أب يريد ماله لدفع مستلزمات إعالة بيته، أو شاب أحضر معه بطاقة حجز السفر دون ما جدوى... وفي عكار ظهر مواطنٌ في مقطع فيديو داخل البنك حاملاً فأساً، لاضطراره بعد نفاذ صبره اللجوء إلى هذه الطريقة وتهديد الموظفين فيه، وراح يصرخ "بدّي مصرياتي.. بدّي مصرياتي"، ولحسن الحظ تواجد عدد من المواطنين حوله ومنعوه من استخدامها. إضافة إلى الكثير من الحوادث التي وثّقت وجع الناس وإذلالهم، ولن تكون آخرها حادثة بلوم بنك فرع طرابلس يوم الثلاثاء 24 كانون الأول الماضي بعد رفض الموظف إعطاء أحد المواطنين أمواله، فاستعان بأشخاص في الداخل تضامنوا معه وبعد حصول تلاسن بينهم وبين الموظفين، تم الاعتداء على الزبائن، وعندما نشر الخبر سارعت مجموعة من المنتفضين في الحراك إلى المصرف ومساندة الزبائن سلمياً، فوعد الزبون بتقاضي أمواله يوم الخميس، وهذا لم يحصل بالفعل، إذ أبلغ أن عليه التوجه للفرع الرئيسي في بيروت للحصول على حقه. هذه الحوادث، حمّلت الثوار في الساحات مسؤولية تجاه الزبائن لمساعدتهم بالحصول على أموالهم المُصادرة، فكثّفوا الاحتجاجات شبه اليومية على المصارف، وأبرزها تنفيذ وقفات احتجاجية يوم الخميس 26 كانون الأول الماضي، أمام فروع مصرف لبنان في العديد من المناطق (بيروت، عاليه، زحلة، النبطية، صور، صيدا، طرابلس والهرمل)، اعتراضاً على السياسات المصرفية. وتزامنت أيضاً بتنفيذ اعتصامٍ أمام جمعية المصارف في وسط بيروت، احتجاجاً لما وصلت إليه الأمور بعد أسابيع من السياسات غير المدروسة للمصارف والتي تحجز على أموال المودعين بشكل يخالف حرية المودع بسحب أمواله والتصرّف بها.ودعا المحتجون إلى البدء بالعصيان المدني وعدم دفع أموال القروض تحديداً القروض الصغيرة، قروض السيارات والشخصية، مؤكدين على مواصلة حراكهم من أجل تحقيق المطالب.كما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية على المصارف، بعد اجتماع استثنائي في مجلس النواب برئاسة رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وحضور حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، ووزير المالية في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. أما ردّ رياض سلامة على سؤال حول السعر الذي يمكن أن يصل إليه الدولار الأميركي بـ "ما حدا بيعرف" فقد أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وغضب اللبنانيين، ليسارع سلامة للالتفاف على الموضوع أنه قصد السعر لدى محلات الصيرفة. "الشيوعي" يواجه المصارف"عم بنكتب بكل كتاب، تسلم إيدك علي شعيب"، بهذا الهتاف واعتصامهم داخل مصرفBlcفي منطقة الحمرا ببيروت يوم السبت 28 كانون الأول الماضي، أعاد قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، ذاكرة اللبنانيين إلى 46 عاماً، عندما نفذّ علي شعيب ومجموعته في 18 تشرين الأول 1973 اقتحاماً على مصرف "بنك أوف أميركا" في وسط بيروت لتحرير أموال الناس ومواجهة حكم المصارف، ليستشهد علي شعيب (سعيد) في اليوم الثاني عن عمر ناهز الـ 27 عاماً. وكتب على ضريحه "نحن الحياة وتاريخ الحياة وهم في كل ثانية من عمرهم عدمُ/ شاؤوا لنا أن نرى فيهم مصائرنا / لكنهم خسئوا.... إنّا مصيرهم"، وهو بيتٌ من الأبيات الشعرية التي وجدت في ورقة مكتوبة في جيبه يوم استشهاده.    ففي اليوم الثالث والسبعين لانتفاضة 17 تشرين الأول، وعند تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف لبنان المركزي، توجّهت مجموعة من الشابات والشباب "الشيوعي" ومجموعة أخرى، إلى مصرف BLC، إثر إبلاغهم امتناع المصرف عن تسليم رواتب موظفين وودائع لصغار المودعين، مطالبين المصارف بفكّ حجز أموال المودعين الصغار، كونه يجري خلافاً للقانون. واعتصموا داخله، مردّدين هتافات ضدّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والسياسات النقدية، ومنها "يا سلامة بدنا نحاسب، شعب بلادي كلو غاضب"، "يسقط يسقط حكم المصرف"، و"الوطن للعمال تسقط سلطة رأس المال"، مما اضطّر إدارة المصرف إلى التراجع عن قرارها وتمّ تسليم جميع الزبائن الموجودين أموالهم وودائعهم. وفيما أكّد المعتصمون "عزمهم متابعة النضال ضدّ سلطة المصارف التي تشكل اليوم رأس الحربة في المعركة الطبقية التي يخوضها الشعب اللبناني منذ 17 تشرين الأول"، حمّلوا المسؤولية إلى جمعية المصارف التي تضمّ ممثلين عن رؤساء مجالس إدارات المصارف، لا سيما في ما يتعلّق بحجز أموال المواطنين.ورأى قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني في بيانه أن "ما حدث يؤكّد الممارسات الكاذبة للمصارف، إذ ادّعت الإدارة عدم توافر الدولار داخل الفرع، الأمر الذي تبيّن عدم صحته إثر الضغط الشعبي الذي مورس، وانتهى بتسليم جميع الزبائن الحاضرين أموالهم وبالدولار".وختم: "الشيوعيون لن يسمحوا للمصارف بعد اليوم بالسطو على أموال الناس ورواتبهم. وندعو كل المتضررين إلى الانتظام في مواجهة المصارف والسلطة السياسية المتواطئة على مصالح الناس". وعن دور قطاع الشباب والطلاب في "الشيوعي" بتنفيذ تحركات في مواجهة المصارف، صرّح عضو قيادة القطاع محمد بزيع لـ"النداء" أن احتجاجاتهم بدأت فعلياً قبل "انتفاضة 17 أكتوبر، وأبرزها تنظيم تظاهرة في 13 تشرين الأول الماضي من أمام جمعية المصارف، مروراً بالسراي الحكومي وصولاً إلى مصرف لبنان. وذلك "بغية تحميل ثلاثية المصارف، مصرف لبنان، والسلطة السياسية مسؤوليتها عن الانهيار الذي وصل إليه لبنان بعد ثلاثين سنة من السياسات الاقتصادية المدمرة" (راجع المقالة السابقة: انتفاضة 17 أكتوبر أشعلت الساحات - في العدد 367).كما أكد "أن التحرك والتصعيد المستمر بوجه المصارف ينطلق من مسؤوليتها عن نهب الطبقات الشعبية في لبنان والخزينة العامة طوال ثلاثين عاماً عن طريق الفوائد الخيالية التي تقاضتها على الدين العام، وكذلك عبر قروض المصارف للأسر التي اضطرت للجوء إليها لتأمين أبسط حقوقها من مسكن ونقل وتعليم واستهلاك. هذا بالإضافة إلى الأرباح التي حققتها المصارف عبر الهندسات المالية منذ 2016 والتي تفوق إثنا عشر مليار دولار".وأضاف بزيع "مؤخراً أصبح التصعيد بوجه المصارف مدفوعاً كذلك بإجراءاتها العدوانية تجاه الموظفين وصغار المودعين. حيث تعمد إلى احتجاز رواتبهم وودائعهم التي تشكل سبل عيشهم. وهذا مرفوض حتماً، وهو عدوان يجب أن يتوقف فوراً. لذا اعتمدنا تصعيد احتجاجاتنا في هذا السياق، بالدخول إلى فروع المصارف وتلاوة البيانات. ثم انتقلنا بعدها إلى الفروع الرئيسية للمصارف. أما حالياً اعتمدنا الدخول إلى المصارف بهدف تحرير رواتب المنتظرين فيها ومساعدتهم لتحصيل رواتبهم أو سحب جزء من ودائعهم الصغيرة".وختاماً، أعلن "أن هذه التحركات ستأخذ حتماً منحى تصعيدياً أكثر فأكثر حتى ترتعد الأوليغارشيا وتخضع لإرادة الطبقات الشعبية ومصالحها".

Image

النائب أسامة سعد: لتشكيل جبهة عريضة

تناول أمين عام التنظيم الشعبي الناصري النائب الدكتور أسامة سعد، في مقابلة على إذاعة "صوت الشعب"، الأزمة التي يمر بها لبنان وموضوع الاستشارات النيابية وتأجيلها، وأكّد على أهمية تشكيل كتلة وطنية معارضة لفرض ميزان قوى سياسي جديد من أجل فتح مسار التغيير والانتقال من الأزمة المستحكمة في البلد بانهياراتها إلى مجال عام أوسع وأرحب تكون المعارضة الوطنية فيه وازنة وفعّالة. كما تناول  سعد موضوع الفيضانات التي حصلت في معظم المناطق اللبنانية، والتي كشفت عن هشاشة البنى التحتية والفساد في التلزيمات، مؤكّداّ أّنّ مليارات الدولارات قد صرفت على البنى التحتية دون أي نتيجة. وهو ما يدل على أنّ سرقات قد حصلت، إضافة إلى تنفيعات لمقاولين من جماعة السلطة، يضاف إليها الاستهتار في أعمال  الصيانة. واعتبر سعد أنّ "التحقيقات أو الملاحقة العدلية في الموضوع يجب أن تحمّل المسؤولية للمعنيين بمتابعة هذا الملف؛ إن في الوزرات، أم في الادارات المعنية". وشدّد على أن "تكون الملاحقة شاملة، وتطال كل المتسبّبين، كما يتوجب على المسؤولين ان يتحملوا المسؤولية، وليس أن يعتذروا فقط، كما عليهم ملاحقة المتسببين بهذه الأضرا". أمّا في موضوع الاستشارات النيابية وتأجيلها إلى الاثنين المقبل، واعتذار الخطيب بعد لقاء المفتي،  قال سعد أنّ "هناك تخبّطاً وسط أطراف السلطة بعد الانتفاضة الشعبية والتفاهم الرئاسي انهار، وهناك محاولات مستمرة لترميمه لإعادة انتاج النظام نفسه. والانتفاضة فرضت واقعاً جديداً أوجد صعوبات بين أطراف السلطة لإنتاج النظام من جديد، لكون تركيبة السلطة مركبة على محاصصات طائفية ومذهبية".  وأضاف سعد أنّ "التغيير بحاجة إلى موازين قوى تفرضه، ويجب العمل على توفير موازين قوى جديدة تفرض التغيير"، معتبراً أنّ "الانتفاضة ذات الهوية الوطنية تحمل إرادة التغيير، كما ترفض الواقع". وقال "كنا على الدوام مع شركائنا  في العمل الوطني والتقدمي نرفض الواقع ونحمّله اسباب الانهيارات، وأيضاً الانتفاضة تدين المرحلة الماضية وتطالب بالتغيير وعدم إعادة إنتاج النظام نفسه".  وأكّد سعد على أهمية تكتل القوى الوطنية لفرض واقع سياسي جديد يؤدي إلى مسار تغييري عبر مرحلة انتقالية. كما على قوى السلطة التسليم بواقع سياسي جديد فرضته الإرادة الشعبية، وعليها تقديم التنازلات السياسية لننتقل إلى واقع جديد عبر مرحلة انتقالية يعبرها البلد بسلام، وحتى لا نتعرض لمخاطر جدية على المستوى الاجتماعي والأمني.  وأشار سعد الى أهمية أن يشكل الحراك  لنفسه وزناً سياسيّاً، وأن يخلق معادلة سياسية جديدة لفرض خياراته ومواجهة الطبقة السياسية الحاكمة، وذلك عبر بناء معارضة وطنية شعبية وازنة تحمل رؤية وبرنامج يشمل كل الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أجل التغيير الديمقراطي.  وأخيراً شدّد سعد أنه "ينبغي على القوى السياسية  الوطنية المعارضة على مدى عقود من الزمن أن تتواصل  مع المجموعات المعترضة من أجل تشكيل جبهة عريضة للمعارضة الوطنية الشعبية لفرض ميزان قوى جديد في لبنان يفتح مسارات للتغيير والانتقال بسلام من حالة الأزمة المستحكمة بانهياراتها الى مجال عام اوسع وأرحب حيث تكون المعارضة الوطنية فاعلة، وإما أن تكون في السلطة إذا تمكنت من ذلك، أو تكون معارضة تفرض خياراتها على من هم في السلطة".   

Image

الشعب في مكان والسلطة في مكان آخر

لبنان لا يغرق فقط في مياه الأمطار ووحولها كلما اشتد المطر، بل يغرق في الفساد والتلوث، وفي العجز والمديونية، وفي لجة الانهيار الاقتصادي والمالي أيضاً. ومع ذلك ما يزال سير سلطة القرار، أبطأ من السلحفاة. وهم يعلمون مدى خطورة الوضع، وعدم استطاعتهم تجاهل الانتفاضة والغضبة الشعبية، والمطالب والحقوق التي تنادي بها. لكنّهم ينطلقون أوّلاً، من مصالحهم هم، وتثبيت مواقعهم على كراسي السلطة، قبل وفوق مصالح الشعب والوطن. لقد أربكتهم هذه الانتفاضة العابرة للطوائف، وظهّرت التباينات والاختلافات بينهم، وأدّت إلى إسقاط حكومة "وحدتهم الوطنية" في الشارع. وسقطت معها تلك المفاهيم الكاذبة، المبنية على الطائفية وتحاصصاتها، كالميثاقية، والتوافقية، والوحدة الوطنية، التي عَنَت وتعني، وحدتهم هم، وتوافقاتهم على مصالحهم في مواقع السلطة وفي حصص الهدر والفساد. ويكشف تحايلهم من جديد، لتركيب حكومة "وحدة وطنية" من نفس طينة الطبقة السلطوية. إنّ السلطة في مكان، والشعب وانتفاضته في مكان آخر. ويدرك الكثيرون من الناس، أنّ من أوصل بلاده إلى الإنهيار، ويجعل حياة شعبه جحيماً، ليس هو من يُخرج البلد والشعب من حالة الانهيار. فالسارقون يُحالون إلى المحاسبة ويتمّ استعادة المال العام الذي نهبوه. ولا تتمّ مكافأتهم بإعادتهم من جديد إلى السلطة. والكلام المعسول والوعود البرّاقة التي سئم الناس سماعها في تصريحات المسؤولين، لم يَعُد تكرارها ينطلي عليهم. وطالما بقي بناء السلطة وتشكيل الحكومات على الأسس والمفاهيم نفسها، أي التحاصص الطائفي، ووفق ذهنية التسابق على الحقائب المهمة والدسمة، فلن يكون الشعب مطمئناً. وليست ثقة المجلس النيابي للحكومة، هي الأساس، بل ثقة الشعب. ثقة الانتفاضة، التي تطالب بإصرار، بأن تكون الحكومة مستقلة ولفترة انتقالية، وببرنامج يقضي بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وفق قانون نسبي وغير طائفي ولبنان دائرة واحدة. وليس مقنعاً ولا مقبولاً الامتناع عن إجراء الانتخابات المبكرة، بذريعة، أنّ المجلس النيابي الحالي قد انتُخب منذ حوالي سنتين. فبلدان كثيرة تُقدم على إجراء انتخابات مبكرة لأسباب أقل بكثير مما جرى ويجري في بلدنا. والمسلّم به دستوريّاً، أنّ الشعب هو المرجعية الأساسية، وهو الأصيل الذي من حقه نزع الوكالة من الذين أوكلهم، وإيكال بديل عنهم. إنّ انتفاضة شعبنا الرافضة لسياسة الانهيار والفساد والمطالبة بالتغيير، إذ تمثّل المصالح والحقوق الاجتماعية والطبقية للشعب ، فإنّها تحمل مضموناً وبُعداً وطنياً في مجابهتها سياسة التبعية الاقتصادية والمالية لمخططات ومراكز الرأسمال العالمي، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وباريس 1و2و3 ، والآن سيدر، التي تُغرق الوضع الاقتصادي والمالي اللبناني، بالمزيد من التبعية، وصولاً إلى الضغط لإرضاخ لبنان سياسيّاً أيضاً لمصالحها. إنّ تعدّد المنافذ التي تدخل منها المخططات الأميركية- الصهيونية، من العدوان العسكري، إلى التناقض الذي يَستولده النظام الطائفي، إلى الشأن الاقتصادي والمالي وغيره، يظهر الترابط بين مجالات مواجهة العدو نفسه. وهذا ما يستدعي من جميع قوى المقاومة والمواجهة، دعم الانتفاضة واكتساب أوسع قاعدة شعبية، في مواجهة سياسة الإفقار والتجويع والفساد من جهة، والتبعية الاقتصادية والمالية لمؤسسات الرأسمالية الكبرى والدور الأميركي فيها، من جهة أخرى.وأهمية هذه الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، لا تكمن فقط فيما فرضته على السلطة من امتناع فرض ضرائب على الشعب في موازنة 2020، ولا حتى في إسقاط الحكومة، ومنع انعقاد جلسة المجلس النيابي، والعفو المشبوه، الذي كان على جدول أعمال الجلسة. فقد حرّكت مِئات الآلاف الذين خرجوا من حالة الصمت والرضوخ لما هو قائم، وشكّلت عامل وعي يظهر قدرة الشعب ودوره على الفعل، وجذبت الأوساط بمطالبها وشعاراتها التغييرية، ممّن خرجوا على الولاء لزعمائهم وطوائفهم. وإذا كان التنوع نقطة ضعف في انتظامها، فإنه نقطة قوة لها في الوقت نفسه. فقد أيقظت الانتفاضة الحلم لدى الناس وبخاصة الشباب، وأنعشت الأمل بإمكانية التغيير وبناء وطن لجميع أبنائه. والمؤكد الآن هو أنّ تجاهل دور الشعب، من قبل أي سلطة، لم يعُدْ ممكناً.

Image
الصفحة 1 من 14

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل