المرحلة الانتقالية: الرؤية والبرنامج

تحيّة إكبار إلى المنتفضين والرفاق جميعاً، المتواجدين في الشوارع والساحات ليل نهار على امتداد مساحة الوطن طيلة شهر بكامله، وهم يصنعون وحدتهم بكرامتهم ودفاعهم عن رغيف خبزهم وحريتهم. وهم واثقون في قدرتهم على تحقيق أحلام شعبهم وآماله وطموحاته، ويتقدّمون بشجاعة وثبات قلّ نظيرهما، لا يهابون اعتداءً ولا بلطجةً سلطوية وميليشياوية، وتحت هدير أصوات حناجرهم يبزغ فجرٌ جديدٌ لطالما انتظرناه مع "أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً". هم المقاومون الوطنيون الذين حرّروا الأرض من العدو الصهيوني، ويتابعون اليوم مسيرة تحرير اللبنانيين من الطائفية والمذهبية وتحرير المال والأملاك العامة المنهوبة من قبل تحالف الزعامات الطائفية وحيتان المال والمحتكرين وأصحاب الريوع على مدى ثلاثين عاماً. مقاومتهم كانت وما تزال فعلَ تحرّرٍ وطنيّ واجتماعي، ويتجلّى فيها ومن خلالها الصراع الطبقي ضدّ النظام السياسي الطائفي وتبعيته للرأس المال المعولم ومنظماته الدولية التي لم تدخل بلداً إلّا وأفلسته بغرض إخضاعه للشروط السياسية للامبريالية ومشاريعها العدوانية في لبنان والمنطقة.انطلاقاً من ذلك كانت إدانتنا ومواجهتنا لقرار موافقة الحكومة اللبنانية المستقيلة على ورقتها المُسمّاة إصلاحية وعلى مقررات سيدر، التي تقضي ببيع ما تبقّى من مؤسسات عامة وخصخصتها استجابةً للضغوط الأميركية على لبنان، وهي ضغوط لم تترك باباً إلّا وطرقته لإخضاع بلدنا عبر فرض القيود على تحويلات اللبنانيين وتعميم العقوبات الاستنسابية على المصارف والشركات اللبنانية والأفراد، إلى جانب تصعيد الخطاب السياسي الأميركي الرسمي وكذلك تقييمات مؤسسات تصنيف المخاطر ضدّ الاستقرار النقدي والمالي للبلد. وقد جاء انصياع أطراف الحكومة المستقيلة لهذه الضغوط ليكشف طبيعة السلطة السياسية المتنفّذة التي لم تحقق هدفها في منع الحريري من الاستقالة، فبادر هذه الأخير إلى الاستقالة تحت ضغط الانتفاضة بالأساس، بينما كان المطلوب أن يتحمّل القسط الأكبر من مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية – الاجتماعية المتفاقمة. إن الانتفاضة حدثٌ تاريخيّ يعبّر بشكل ساطع عن رفض الشعب اللبناني للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المسدود الأفق الذي وصلت إليه البلاد، وهي الترجمة العملية للاعتراض الشعبي غير المسبوق على سياسات التحالف السلطوي المتمسك بنظام الفساد والزبائنية والمحاصصة الطبقية والطائفية.وتكمن الأهمية التاريخية الأولى لهذه الانتفاضة في طابعها الوطني العابر للطوائف والمذاهب والمناطق، ممّا يعكس القفزة النوعية المتحقّقة على مستوى الوعي لدى فئات شعبية واسعة لطالما استكانت للاصطفاف الطائفي ظنّاً منها أنّ هذا الاصطفاف يؤمّن لها الحماية الاجتماعية، فإذ بهذه الفئات تكتشف اليوم زيفَ هذا الظّن، فتنتفض في الشارع مُحمّلةً السلطة السياسية مسؤولية الأزمة.إنّ هذه القفزة النوعية في الوعي الجماهيري أصبحت مرشّحة للاتّساع أكثر فأكثر في المستقبل القريب، لأنّ النظام الطائفي كان يستمد قوته السياسية عبر "فتات" الخدمات التحاصصية والزبائنية المتنوّعة التي كان يشتري بواسطتها الولاء من جانب أتباعه. وقد بات هذا النظام في الظروف الراهنة عاجزاً عن الاضطلاع بوظيفته هذه بعدما تقلّصت، بل سدّت، قنوات تدفق رؤوس الأموال من الخارج. ممّا يعني بدء انهيار النظام الزبائني، واتجاه زعماء الطوائف أكثر فأكثر نحو القمع والاعتداء على المتظاهرين الذين كانوا يخرجون بعد كل اعتداءٍ أكثر قوّة وعزيمة وتصميماً على إجراء تغيير في السلطة السياسية التي انعدمت ثقة الشعب فيها وباتت مكشوفةً أمامه.لقد تجاوزت جماهير المنتفضين ولاءاتها الضيّقة لزعماء الطوائف والمذاهب، فتحرّر خطابها وكسرت قيود التفكير السائد، وواصلت انتفاضتها وتمسكها بمطالبها معتبرة استقالة الحريري استقالة للحكومة بكل أطرافها السياسية. وقد وجدت في رفع العلم اللبناني ما يوحّدها ويعبّر عن انتمائها الوطني اللاطائفي، الأمر الذي انعكس في كثافة حضورها ومشاركتها النشيطة في الندوات والتظاهرات والاعتصامات، يحدوها الأمل في التغيير الديمقراطي.أمّا الأهمية التاريخية الثانية للانتفاضة، فتكمن في كونها انتفاضة اجتماعية تشارك فيها شرائح واسعة من العمال والأجراء والمُعطّلين عن العمل والمُهمّشين وسائر الفئات المدينية والريفية التي سحقتها الأزمة، مطالبةً بفرص العمل والمياه والكهرباء وسوى ذلك من حقوق. ويحتل الشباب والطلاب، وبخاصة النساء والشابات والطالبات، دوراً مميّزاً، حيث تتقدّم عشرات الآلاف منهن الصفوف في طرح تطلعات الانتفاضة نحو تفكيك نظام الهيمنة الذكورية والتمرّد على إحكام السلطة قبضتها على إدارات المدارس والجامعات والإدارات والمؤسسات العامة الخاصة والدينية. وهذا الحضور النسائي الهام جدّاً في الانتفاضة، جعل من الاعتداء عليهنّ تحديداً مدعاة للخزي والعار للسلطة وميليشياتها الطائفية.لقد أرست الانتفاضة موازين قوى جديدة اجتماعية وسياسية في البلاد، ولكن محصلتها الراهنة لم تتوصّل حتى الآن إلى تحقيق الهدف الأساسي لها في إعادة تكوين مرتكزات السلطة السياسية، وهو ما يستوجب الإعداد للدخول في مرحلة انتقالية يكون هدفها الحفاظ على إنجازات الانتفاضة وتثبيت ميزان القوى الذي أحدثته والعمل على تحسينه بشكل دائم.ويفرض هذا الواقع على قوى التغيير الديمقراطي الاضطلاع بدورها في هذه المرحلة الانتقالية عبر إجراء حوار مشترك- بات ملحّا - حول رؤيتها وبرنامج عملها المرحلي وصولاً إلى بلورة تيار ديمقراطي للتغيير، كأداة لتجميع وحشد الطاقات وترجمتها الفعلية في موازين القوى المستجدّة التي نشأت بفعل الانتفاضة، والعمل على البناء عليها للانتقال بلبنان من مسار سياسي اقتصادي واجتماعي أوصل البلد إلى الانهيار، إلى مسار آخر يفتح الطريق للعبور من دولة المحاصصة الطائفية إلى الدولة الوطنية المدنية والديمقراطية. إنّ مهام المرحلة الانتقالية تقضي باستكمال خوض وتطوير هذه المواجهة من أجل إعادة تكوين السلطة السياسية باعتبارها المهمة الأساس، فضلاً عن مواجهة الضغوط والتدخلات الأميركية والفرنسية التي بتنا نسمعها يوميا من خلال تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وزيارة الموفد الفرنسي، والتي لا بد من إدانتها، رفضاً للتدخلات الامبريالية في شؤون لبنان الداخلية، وقطعاً للطريق على محاولات استثمارها في عملية توظيف الانتفاضة لصالح المشاريع العدوانية ضدّ لبنان ومقاومته. وأبرز مهام المرحلة يكون من خلال ألآتي:- تشكيل حكومة انتقالية وطنية ذات صلاحيات استثنائية ولمدة محددة من خارج المنظومة السياسية الحاكمة، على أن تعمل بشفافية كاملة تحت رقابة الانتفاضة والشعب اللبناني عموماً.وتتركّز مهمّات هذه الحكومة بشكل أساسي على: إجراء انتخابات نيابية مبكرة خارج القيد الطائفي استناداً إلى الدستور اللبناني (المادة 22)، واتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لاستعادة المال والأملاك العامة المنهوبة، وإعادة هيكلة النظام الضريبي وبنيان الإنفاق العام. أمّا من يطالب بحكومة تكنوقراط فهو يطالب عمليّاً بخبراء يعرفون كيف ينفذون تقنيّاً مقررات سيدر والورقة المسماة إصلاحية، مع الاستجابة – سواء العلنية أو الضمنية - للشروط السياسية الاميركية.- مواصلة الانتفاضة طيلة المرحلة الانتقالية، باعتبارها انتفاضة للتغيير السياسي، أما طرح المطالب فيجب أن يهدف لتعديل موازين القوى، مع اعتماد أساليب تحرّك متنوعة تركز بالأولوية على حقوق العمال والأجراء والشباب والفئات الاجتماعية الأكثر فقراً وحاجة وبما يتناسب مع الظروف والتطورات المستجدة، بغية تعزيز الاحتضان الشعبي للتغيير المنشود.- إنشاء هيئات على المستويين الوطني والمحلي لدعم الانتفاضة والمساهمة في الرقابة على أعمال الحكومة، على أن تتشكل من الفاعليات والهيئات الممثلة لمختلف قطاعات المجتمع المؤيدة للانتفاضة. بالإضافة إلى تشكيل منابر متعددة من أصحاب الاختصاص تقوم بتقديم الاقتراحات والدراسات التي تساعد الانتفاضة على تطوير عملها للمشاركة في أعمال الرقابة على إداء الحكومة (منبر اقتصادي ومالي، واجتماعي، وحقوقي، وتربوي، وصحي، وعمالي، وإعلامي...).- إعطاء الأولوية للانخراط في بناء حركة نقابية مستقلة تحت صيغ تتجمع فيها وحولها كل المكونات والأطر النقابية المستقلة، لتدافع عن مصالح القطاعات كافة، بمن فيهم المُعطّلون عن العمل والمكتومون والمياومون والعمال وسائر الموظفين والأجراء وأصحاب الدخل المحدود. إن المرحلة الانتقالية المقبلة ستكون محكومة بشكل رئيسي بمسارات ثلاثة، تصعيد الانتفاضة وتشكيل الحكومة ومواجهة خطر الانهيار المالي والنقدي. ويرتدي موضوع تصعيد الانتفاضة وتنظيمها الأهمية القصوى في مواجهة مخاطر المسارين الآخرين، لذا يجب إعطاؤها كل الاهتمام لقطع دابر محاولة الالتفاف على إنجازاتها. فلا ثقة في حكومة تعيد إنتاج السلطة السياسية الفاسدة والمنحازة إلى حيتان المال والريع، ولذلك لا بد من التحضير لتصعيد الانتفاضة سيّما اذا ما حصل الانهيار المالي والنقدي الذي قد ينضوي على احتمالات عدّة حسب بعض الخبراء، وأهمّها: - احتمال تسارع انخفاض سعر صرف الليرة تجاه الدولار، وهذا يعني في الفرضية المذكورة زيادة غير مسبوقة في أسعار الاستهلاك وتكاليف المعيشة، وانخفاضا الى نحو النصف في القوة الشرائية للمداخيل والأجور والتعويضات والمعاشات التقاعدية في الفترة المذكورة (وهذه تطال غالبية اللبنانيين، لا سيّما العمال والمتقاعدين وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى فضلاً عن جيش الفقراء والشباب والمتعطلين عن العمل).- احتمال انفجار الأزمة في المصارف بالتزامن مع توقف الدولة عن سداد ديونها (وسداد خدمة الدين، لا سيّما على سندات اليوروبوندز)، مما قد يحتّم اللجوء إلى عملية تصفية جزء من قيمة الأموال المودعة في هذه المصارف، و/أو إلى تصفية جزء من قيمة رؤوس الأموال الخاصة بالمصارف. ولا يمكن التكهّن منذ الآن بالأشكال التي قد ترتديها تصفية الودائع. إنّ كل هذه المخاطر يجب أن تحفّز القوى الديمقراطية والهيئات النقابية المستقلة على تحمل المسؤولية التاريخية بحيث تتولّى الإعداد لمواجهة مرحلة "الآتي الأعظم"، لتتمكّن الانتفاضة من كسر موازين القوى السائدة واستكمال تحقيق عملية التغيير المنشودة.    

Image

أية خطة مواجهة، ولأية أهداف؟

يعيش لبنان أزمة خطيرة على المستوى المالي والنقدي لم يسبق أن وصل إليها من قبل، نتيجة بنية نظامنا السياسي وتبعيته، واقتصاده الريعي وارتهان أطرافه السلطوية لقوى الرأسمال المعولم وسياساته. يكفي القول أن ديون الدولة وصلت إلى مئة مليار دولار، والبنك المركزي لم يعُد قادراً كما في السابق على التحكّم بسعر صرف الليرة اللبنانية، والمصارف عاجزة عن الاستمرار في إقراض الدولة بما تحتاجه لشراء مستورداتها بالدولار الأميركي كما درجت العادة منذ تسعينيات القرن الماضي بعد أن تراجع نمو ودائعها بالدولار الأميركي من نسبة (13– 14) % إلى حدود (3 - 4) %. عند هذه المحطة، دخلت البلاد بدايات الانهيار المالي والنقدي وهو ما كنّا نحذّر منه على مدى سنوات وسنوات والذي تتحمّل مسؤوليتة السلطة السياسية عبر حكوماتها ومجالسها النيابية المتعاقبة.اليوم تعترف هذه السلطة السياسية بالأزمة لكنها لا تزال تتمسك بنمط اقتصادها الريعي الذي أثبت فشله، فتستمر في سياساتها بتحميل أعبائها على الطبقة العاملة وعلى الشرائح الاجتماعية المتضرّرة، من خلال الاستمرار في سياسة الاستدانة وزيادة الفوائد وخدمة الدين العام وفرض الضرائب غير المباشرة على العمال وأصحاب الدخل المحدود وبخاصة الضريبة على القيمة المضافة ورفع فاتورة الكهرباء والمحروقات وبيع مؤسسات الدولة وخصخصتها، فضلاً عن تجميد الرواتب والأجور التي تتآكل قوتها الشرائية ويدفع تكاليفها كلّ من يتقاضى بالليرة اللبنانية من خلال فلتان الأسعار ورفع سعر الصرف للدولار الأميركي وإلغاء تغطية الدولة لنظام التقاعد عبر تحويله إلى نظام الرسملة القائم على الادخار في المصارف وضرب حقوق المتقاعدين والذي يترافق مع ضرب حقوق المستأجرين وتخفيض اعتمادات الخدمات الصحية والاستشفائية والتعليمية والتنموية وسوى ذلك. هكذا تمعن السلطة السياسية في تضليل اللبنانيين مدّعية أن هذه الإجراءات هي بنود إصلاحية بينما هي في حقيقة الأمر بنود مؤتمر سيدر المشتقة من بنود مؤتمرات باريس 1 و2 و3 والتي ساهمت في زيادة الدين العام من ملياري دولار في مستهلّ التسعينيات إلى 100 مليار دولار راهناً، وفي زيادة معدلات البطالة والهجرة والفقر وعدم المساواة.إنها بنود مطلوبة لقاء حفنة من الدولارات الموعودة من سيدر (12 مليار دولار على مدى عشر سنوات) من أجل شراء الوقت، التي لا حاجة لنا لها في ما لو تم اللجوء فقط إلى مكافحة التهرّب الضريبي الذي يؤمّن 12 مليار دولار للسنوات عينها. إن الاستمرار بتنفيذ إجراءات سيدر هو فعليّاً عملية تنفيذ لشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تشكّل الأذرع المالية والاقتصادية للامبريالية الأميركية، التي من خلالها تمارس الأخيرة ضغوطات السيطرة على السياسات الاقتصادية – الاجتماعية للدول، وما الموافقة عليها من قبل الحكومة اللبنانية إلّا خضوع لهذه الضغوط وارتهان لها وتعميق لتبعية نظامنا السياسي، فهذه الإجراءات ستزيد الدين العام وخدمته عبر القروض التي سيدفعها شعبنامن جهة، كما سيترتب عليه من جهة ثانية، تحمّل أعباء مالية إضافية جراء رفع الضريبة على القيمة المضافة وزيادة أسعار المحروقات ورفع فاتورة الكهرباء وترسيخ التعاقد الوظيفي وبيع المرافق العامة للدولة وخصخصتها بأبخس الأثمان، بما يخدم مصالح الاحتكارات ويمهّد الطريق أمام زيادة تعريفات هذه الخدمات. من هنا نعتبر أن مواجهة مقررات سيدر هي في آن معاً، مواجهة مباشرة للضغوط الأميركية، وهو ما يستوجب العمل على إسقاط بنودها الواردة في موازنة العام 2020، دفاعاً عن حقوق الطبقة العاملة وحقوق سائر الشرائح الاجتماعية التي يجري الانقضاض عليها وتصفيتها، وتحريراً لكلّ هذه الفئات المتضررة من نظام التبعية للرأسمال المعولم ومن السلطة السياسية المرتهنة له التي التزمت تنفيذ هذه البنود. لقد بدأت مواجهتنا للأزمة الاقتصادية – الاجتماعية، مع مبادرة الحزب بدعوته للتظاهر قبل تشكيل الحكومة في 16 كانون الأول من العام الماضي تحت شعار "إلى الشارع ".... للإنقاذ بمواجهة سياسات الانهيار، وتتالت خطوات التحرّك من اجل تغيير السياسات الاقتصادية – الاجتماعية والغاء إجراءات مؤتمر سيدر الواردة في موازنة العام 2019. وفي محصلة هذه المواجهة، تمكّنت التحركات الشعبية والنقابية من منع إقرار بعض هذه البنود ومن تخفيض قيمة ما تمّ إقراره منها، أما اليوم ومع استمرار السلطة السياسية في هجمتها والتنصّل في تحمّل مسؤولياتها بدون أي تغيير في سياساتها الاقتصادية والمالية، فهذا يعني أن كلّ البنود الإجرائية في مؤتمر سيدر التي لم تقرّ في موازنة العام 2019، ستعمد على إقرارها في موازنة العام 2020. أمام هذا الواقع وبعد أن دخلنا بدايات الانهيار، فإن استكمال المواجهة يستوجب تغيير شعارها باتجاه: "ان لا إنقاذ بدون تغيير، ولا تغيير بدون مواجهة هذه السلطة السياسية والعمل على إسقاطها".. فحلول الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية هي حلول سياسية، والتغيير السياسي لن يصنعه هذا التحالف السلطوي الذي أوصلنا إلى ما نعيشه من خراب عظيم، إنما تصنعه القوى الاجتماعية المتضررة: عمالاً وأجراء ومزارعين ومتعطلين عن العمل ومياومين، وشباباً وطلاباً، ومستأجرين وسائقين وحرفيين، وسائر الفئات المهمّشة والمعرّضة للإقصاء، ومعهم الفئات الدنيا والمتوسطة من الموظفين والأساتذة والمعلمين والمتعاقدين والمتقاعدين. إن فرصة لبنان الوحيدة باتت تتجسّد اليوم في هذا التحدّي أي في انخراط جميع المتضرّرين في حركة شعبية تملأ الشوارع، بل تحتلها، وتكون محصّنة بإرادة صلبة وبعزم كفاحي يسمو على العصبيات المذهبية والطائفية الضيّقة.من هنا أهمية التجمّعات والاعتصامات والتظاهرات التي حصلت تحت وطأة الأزمة الاجتماعية في العديد من المناطق اللبنانية يومي الأحد الماضيين، والتي جاءت بفعل مبادرات شبابية وشعبية شاركنا بها بشكل أو بآخر، التي وإن تعدّدت شعاراتها والجهات التي حاولت الدخول إليها واستخدامها، لكنها لا تلغي حقيقتها الساطعة، باعتبارها تعبيراً صادقا وعفوياً عن معاناتها من حال الفقر والعوز الذي تعيشه، وإعلاناً واضحاً عن موقفها في تحميل السلطة السياسية مسؤوليتها السياسية عن تردّي أوضاعها المعيشية، والمشهد المخزي، أنه بدل أن تقوم السلطة السياسية بمحاكمة الفاسدين، تقوم بقمع المتظاهرين المطالبين بمحاكمة الفاسدين، الأمر الذي يدعونا إلى رفض وإدانة كلّ محاولات وإجراءات قمع الحريات العامة التي تقوم بها السلطة السياسية لمنع المواطنين من حرية التعبير والتظاهر رفضاً لسياسة إفقارهم وتهجيرهم والمس بكرامتهم وحرمانهم من لقمة عيشهم، فإلى استكمال المواجهة ضمن خطة تصعيدية متدرّجة بمختلف أشكال التحرك، وإلى إطلاق كلّ المبادرات السياسية والقطاعية والمناطقية، والمشاركة في كلّ النشاطات والتحركات الشعبية، ووضع القضية الاقتصادية – الاجتماعية في إطارها المطلوب كقضية سياسية تحت شعار سياسي واضح: "لا إنقاذ بدون تغيير، ولا تغيير بدون إسقاط السلطة السياسية"، مع ما يستتبع ذلك من مندرجات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية: إقرار قانون انتخابات نيابية قائم على النسبية خارج القيد الطائفي والدائرة الانتخابية الواحدة وقانون وطني للأحزاب السياسية يلغي مقوّماتها الطائفية والمذهبية، وقانون موحّد للأحوال الشخصيّة ومحاربة الفساد السياسي، وسنّ التشريعات الضرورية لمكافحته بكلّ أوجهه، وملاحقة المرتكبين ومحاكمتهم وإصلاح القضاء وتدعيم استقلاليته، وإعادة بناء إدارات الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها لتأمين احتياجات المواطن وحقوقه الأساسية في الحصول على الخدمات العامة بعيداً عن الاعتبارات الطائفية والمصلحية والزبائنية الضيّقة. وكذلك تصعيد المواجهة المباشرة على مستوى الأزمة المالية والنقدية نقابياً وشعبياً تحت شعار: استرجاع المال العام المنهوب ورفع السرية المصرفية عن كلّ الذين تولّوا مسؤولية الشأن العام وإسقاط بنود سيدر ومندرجاته في موازنة العام 2020، وتعديل النظام الضريبي بشكل تصاعدي ليطال أصحاب الثروات والريوع المصرفية والعقارية للحدّ من تركّز الثروة والدخل مع إلغاء الاعفاءات الضريبية لشركات الهولدينغ وشركة سوليدير وكذلك "الإعفاءات التأجيرية" الممنوحة للكثير من مستخدمي أملاك الدولة. وإلغاء صناديق الهدر والفساد والمحاصصة وحماية القوة الشرائية لليرة اللبنانية باعتماد السلم المتحرّك للأجور وزيادة الحدّ الأدنى للأجور، ودعم التحركات والمطالب النقابية المحقّة لكافة الشرائح الاجتماعية. فإلى توسيع دائرة المواجهة بكل الوسائل المتاحة كي تصبح القضية الاقتصادية – الاجتماعية من أولويات الحياة السياسية في لبنان ولنعمل معاً لتعبئة وتكتيل أوسع القوى الاجتماعية والشعبية المتضرّرة من الأزمة، وتأطيرها ضمن برنامج موحّد سياسي – اقتصادي واجتماعي واضح الأهداف، للتمكّن عبرها من خلق موازين قوى قادرة على فرض التغيير السياسي المطلوب، منطلقين مما توصّلنا إليه من خطوات على صعيد الحراك الشعبي، والذي ينبغي العمل على تطويره وتوسيعه مركزيّاً ومناطقيّاً وقطاعيّاً، وبالانفتاح على قوى أخرى من خارجه، انطلاقاً من تقييم التجربة السابقة، ومن عناوين برنامجية لا بدّ من بلورتها كي تشكّل قاعدة مشتركة للعمل في المرحلة المقبلة.

Image

عاشت الذكرى السابعة والثلاثون لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية *

مسيرتنا اليوم من صيدلية بسترس إلى محطة ايوب في الذكرى السابعة والثلاثين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني هي واجب بكل المقاييس في مقدمها تثبيت هذا الواقع السياسي في التاريخ والجغرافيا. فالسادس عشر من أيلول هو محطة من محطات تاريخ حزبنا المقاوم في قوات الأنصار والحرس الشعبي وصولا إلى "جمّول"، هو يوم وفاء وتقدير لقائدها الرفيق الشهيد جورج حاوي، الذي أطلق باسم الحزب مع الرفيق محسن إبراهيم وحسين حمدان نداءها الأول.

Image

العدوان شامل: ماذا عن المواجهة؟

مشهدان تصدّرا واجهة الأحداث في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية: الأول، العملية التي نفّذتها المقاومة في مستعمرة "أفيفيم"، والثاني، العقوبات الأميركية على لبنان، وبالتحديد على القطاع المصرفي. قد لا يبدو، أقلّه بالشكل، أنّ ثمة ترابطاً بين الحدثين، لكن، في الجوهر، يكاد يكون الاستهداف واحداً والمعركة واحدة، ومن خلال مخطّط مدروس الخطوات ومعلوم الأهداف؛ هو قرار متخذ من قبل دوائر "البيت الأسود" لمحاصرة لبنان ولضرب بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وبالتحديد منها، البنية التي تحمي خيار المقاومة فيه وفي المنطقة والمجاهرة بذلك.

Image

مشهدية الصراع... والمقاومة

-++++++المشهد الأول، هو الاعتراض على بضع كلمات في أغاني فرقة فنية في لبنان، بذريعة مسّها بعض الأديان، وما تلا ذلك من تهديدات بالقتل واجتماعات دينية وسياسية وكلام في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي... ومن ثم إلغاء الحفل!. المشهد الثاني، طفل فلسطيني-مقدسي، ابن أربع سنوات، يُساق إلى التحقيق بناءً لاستنابة قضائية من شرطة الاحتلال بتهمة قذفه الجنود الصهاينة بالحجارة؛ يسير بكل جدارة حاملاً كيس طعامه، والأساسي فيه هي علبة الحليب!

Image

ضد العنصرية، ودفاعاً عن كل العاملين في لبنان

لا توجد مظلومية في تاريخ الشعوب الحديث تعادل في حجمها وعمقها واستهدافاتها السياسية مظلومية الشعب الفلسطيني. لقد شهدت العقود الماضية جريمةً تاريخية تمثّلت بسرقة الأرض وتهجير وقتل وحصار الشعب، وسط خطة محكمة للحركة الصهيونية، ومع دعم بريطاني ثم أميركي لا محدود طوال هذه الفترة كقاعدة متقدمة ذات دور ووظيفة لصالح القوى الامبريالية ومشروعها في المنطقة. وانعكست تلك الجريمة التاريخية على الدول المحيطة بفلسطين، حيث يعيش في كل منها الآن مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين يعانون أيضاً من التمييز والعنصرية والحرمان والتضييق والاستخدام الداخلي والاستغلال الطبقي، خاصة في لبنان والأردن.

Image
الصفحة 1 من 3

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل