إذاً، ما علاقة واقعنا بتشخيص السرطان؟ ليس هذا موضوعنا الأساس، ولا يمكن اعتباره ربما التشبيه الأدق في عملية تشخيص ونقد مسار تحررنا. لكن يمكننا الاستنباط من هذا المثال بعض المصطلحات والتقنيات التي لا يمكن ذكرها بشكل مباشر في حالتنا العاطفية والانفعالية اليوم، وربما تصلح بأن نُعيد الكرّة ونطلب ممن يقرأ بأن يكون "بارد العقل متقد القلب" . فاليوم، في ظل هذا المسار المستمر منذ أشهر وأيام، علينا أن نبدأ المعاينة والتشخيص لمعرفة الحقيقة. فالوقائع تشير إلى أننا في صراع غير متكافئ، وهذا ليس بجديد، فلطالما كان صراعنا غير متكافئ. غير أننا في بعض المراحل حققنا إنجازات، وفي بعضها الآخر مُنينا بانتكاسات، كما هي حالنا اليوم. نحن في واقع منتكس، كي لا نسميه على حقيقته ونستثير العاطفة (الأطباء في مرات عديدة يلجأون لهذا الأسلوب في إعلام المرضى وذويهم في بعض الحالات، لأن الواقع النفسي والمعنوي للمريض مهم في مسار العلاج من المرض).
لنعد إلى معاينة واقعنا. إذا ما نعيشه اليوم هو نكسة أو انتكاسة، نحن بحاجة لنراها والاعتراف بها لتحمل نقدها. فالنقد أيضاً ليس جريمة أو طامة أخلاقية، بل هو انتقاد يسعى للإشارة إلى مكامن الخلل والعمل على المعالجة. ومن هذا الباب (أي النقد) يمكننا القول بأن أحد أبرز أسباب واقعنا اليوم هو تفريغ المفاهيم من مضمونها، كمفهوم المقاومة مثلاً. فالمقاومة في مضمونها ليست فعلاً عسكرياً بحتاً، واعتبارها وظيفة أو فعلاً عسكرياً دون أي سُبل أخرى وأشكال مختلفة هو إساءة للفعل بعينه، واختصار لمشروع التحرر، وكأن صراعنا اليوم هو فقط بين الكورنيت والمسيّرة، دون اعتبارات للمجالات الأخرى كالثقافة والمعرفة والإعلام والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد والبنية الاجتماعية وغيرها العديد من المجالات في مشروع مقاومتنا للهيمنة والاستغلال. ومن المجالات المهمة أيضاً هو التاريخ وسرديتنا له، كما لا ننسى دور اللغة والمصطلحات وأهميتها في المواجهة. كما يمكنني إضافة فعل من الأفعال التي تأزّم حالنا اليوم، ويصح اعتبارها أحد مكامن الخلل، ألا وهو تقديس الفعل دون نقده ومراجعته. وهذا أيضاً فعل خاطئ يمنعنا من التشخيص والمعاينة ومعرفة الحقيقة في سبيل المعالجة.
إذاً، بعد كل هذا، نستطيع أن نكمل نقدنا وتشخيصنا. فما نحن عليه اليوم هو نتيجة عدوان طبعاً، واستغلال، وتبعية، وسوء إدارة، وقصور في التحضير للمواجهة، يتحملها مجتمعنا كاملاً بكل مكوناته، وتتحمله بشكل أساس مكونات واقعنا السياسي التابعة في جُلّها. وهنا يمكننا القول بأن التابع لا يمكنه تجاوز مصالح الراعي، لذا رهاننا ليس عليه، بل على أبناء شعبنا الساعين لمصلحة بلادنا ومسار تحررنا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن من ضمن بنيان شعبنا من لا يدرك التحرر ولا يسعى إليه، بل إنه يتبنى مشروع تأبيدنا واستغلالنا، إما عن وعي ومصلحة، أو انحراف وضعف في الرؤية. لذا فإن هذا المقال وما يحمله من نقد وتشخيص يعني من يعتقد بأهمية التحرر من الاستغلال بكل مسمياته ووسائله.
هنا علينا أن نعود لتفصيل مسارات المواجهة وتشخيصها. ففي الاقتصاد مثلاً، لا نملك اقتصاداً قائماً بذاته يُنتج ويصنع ويتكامل مع اقتصادات أخرى وفق مصالح شعبنا وبلادنا. أما بنيتنا الاجتماعية فلا تتمتع بالمناعة والقدرة الكافية على الصمود والتصدي والمواجهة، فهي منهارة مشتتة، ولا تمتلك هوية جامعة، وأحد أسباب ذلك هو فقر السردية التاريخية لبنيان مجتمعنا ووطننا. وفي الثقافة والمعرفة، تكاد تكون فعل مسخرة أو استهزاء بمن يمتلكها أو يدعيها، حتى إنها في مضامينها أصبحت مشوهة وخانعة، وجُل من يدعيها يسترزق بها على أبواب التبعية. وفي مسارات أخرى كالتكنولوجيا والتعليم، لا مكان لنا في مسار التطور العلمي والمعرفي، بل حتى لا يمكن تصنيفنا إلا كأدوات تابعة تستهلك وتتبع من أنتج وما يُنتج. وإعلامنا ولغتنا ومصطلحاتنا فيها ما يخدم التبعية والتشتت أكثر مما يعزز وحدتنا وإرادتنا ورؤانا التحررية.
إذاً، ما الذي نملكه اليوم لمعالجة الخلل؟ وكيف نقوّي مناعتنا؟ الواقع الآن يقول بأننا لا نملك سوى الإرادة، والإرادة أساس في مسار التحرر، لكنها لا تكفي فقط. فشعوب أخرى أيضاً لم يكن ميزان القوى لصالحها، تسلحت بالإرادة ولم تكتفِ بها، بل عززت ثقافتها ومعرفتها وعلومها، وعززت البنيان الاجتماعي والاقتصادي لأوطانها. وهناك أمثال عديدة، منها فيتنام مثلاً: لم يتمتع الفيتناميون بميزان قوى لصالحهم، بل تمتعوا بالإرادة وابتكروا تكتيكات حربهم (شبكات الخنادق والأفخاخ...)، وعملوا على تأهيل بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية، فتصدوا وأنجزوا. وفي ما بعد، عمدوا إلى تعزيز مناعتهم بوجه المُستعمر، فبنوا بلاداً واقتصاداً وبنية اجتماعية تغذي البلاد بالمعرفة والثقافة والتكنولوجيا، وتحفظ إنجازاتهم وتضحياتهم.
أما ما نحن فيه اليوم فهو نكسة. ومن يتحمل مسؤولية النكسة ليس طرفاً دون غيره، بل يمكننا القول بأن هناك من يتحمل أكثر من غيره لأسباب مرتبطة بكونه من تحمل (أو على الأقل أعلن تحمله) مسار التحرر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن في بلادنا أيضاً من مضى ويمضي ويسعى لتأبيد مسار التبعية للمُستعمر. هؤلاء لن يعنيهم النقد أساساً، ولا يهمهم المعالجة طبعاً، فهم يعتبرون بأن الخلاص هو أن نُصاب بالمرض أكثر وأكثر. وانطلاقاً من هذه الوقائع، علينا أن ننظر بعين الحقيقة لا العاطفة. فنحن اليوم في نكسة، وعلينا الخروج منها بأقل ما يمكن من ضرر، لكي لا يفتك بنا المرض أكثر، ونفقد إمكانية المعالجة والتعافي. ولكي نبدأ بهذا المسار، علينا تثبيت رؤيتنا ومناعتنا في التحرر، وألا ننجر تحت وطئة المرض وأضراره الى الانهزام والإستسلام. فهذا يعني أولاً أن نعي جيداً سُبل ترميم الإرادة والبنيان، وتعزيز المناعة من خلال بناء الدولة العادلة المتحررة التي لا تنصاع ولا تتبع، ولا تهدر طاقة وتضحيات شعبها.
ولكي نمضي بهذا المسار، علينا أن نعي أولاً بأن الدولة التي تحفظ كرامتنا وتحررنا ليست ما هي عليه حالنا اليوم، ولا تشبهها حتى. فما علينا اليوم فعله لنخرج من نكستنا دون أن يتملكنا المرض ويفتك بنا، هو أن نبدأ في وضع بنيان متين لهذه الدولة بالعلم والمعرفة والثقافة والاقتصاد المُنتج المُتكامل، في سبيل تحقيق مصالحنا، وغير التابع لمن يستغلنا ويهدر مقدراتنا. كما لا بد لنا من ترميم بنيتنا الاجتماعية وتأهيلها لبناء مجتمع يتمتع بالمناعة اللازمة للمواجهة والصمود والسعي نحو التحرر، وأن نروي تاريخنا بصدق وأخلاقية عالية دون تحريف الحقيقة بحلوها ومرّها، وألا نهمل أي مجال أو وسيلة أو مسار من مسارات التعافي وتعزيز المناعة. كل هذا في سبيل استمرار مسار تحررنا وتجاوز هذه الكبوة في هذا المسار والسعي للتخلص من هذا المرض (الكيان) المزروع في جغرافيتنا لتدميرنا واستغلالنا.
حينها أعتقد، ربما يصح علينا قول الرفيق مهدي عامل: "لست مهزوماً ما دمت تقاوم". فالمقاومة هي فعل تحرر يحرر الأرض، الإنسان، الفكر،الثقافة، العلوم واللغة... لا يمكن اختزاله بفعلٍ فقط دون سواه، بل يحتاج لرافعة وبنية حقيقية تحمله في سبيل التحرر والعدالة.