كاترين ضاهر

كاترين ضاهر

الصفحة 1 من 2

ودّع اللبنانيون عام 2019، واستقبلوا العام الجديد في ساحات الاعتصام، مؤكّدين مواصلة "انتفاضة 17 أكتوبر" لليوم السابع والسبعين على التوالي وسط إصرار ومثابرة لتصعيد الاحتجاجات الشعبية على المصارف والمؤسسات العامة والسلطة السياسية من جهة، ومماطلة ممنهجة من قبل الأخيرة وتجاهلها المعتمد لمطالب الشارع من جهة أخرى.
وها هي أزمة التأليف الحكومي تنتقل إلى العام 2020، بعدما كلّف رئيس الجمهورية ميشال عون، في اليوم الرابع والستين للانتفاضة (19 كانون الأول الماضي)، الوزير السابق د. حسان دياب برئاسة الحكومة في البلاد خلفاً للرئيس المستقيل سعد الحريري، إثر انتهاء الاستشارات النيابية في القصر الجمهوري بـ 69 صوتاً لصالح دياب، و13 صوتاً لنواف سلام، وصوت واحد للدكتورة حليمة قعقور، فيما فضّل 42 نائباً عدم تسمية أحد.

واستقبلت ساحات الحراك في المناطق الرئيس المكلف بالرفض كأسلافه محمد الصفدي وبهيج طبارة وسمير الخطيب. أما سبب هذا الاعتراض فيعود إلى شكل وآلية التكليف، إذ أقدمت قوى السلطة على تكليف دياب من دون أن يجري حتى نقاش برنامجه أو مشروعه، لتؤكد مجدداً أنها لا تزال غير آبهة بمطالب المواطنين، بل الأولوية لمحاصصاتها وحساباتها الخاصة.

بدوره، سارع دياب إلى الالتفاف على مطالب الحراك، إذ بحجة عدم معرفته بمطالب المنتفضين بعد مرور أكثر من ستين يوماً على الاحتجاجات الشعبية، أقدم على الاتصال بعدد من الناشطين وتوجيه دعوة للاجتماع بهم، مقرراً أنهم الممثلون عن الانتفاضة، علّهم يطلعونه عن المعلن للجميع ما عدا السلطة. إلاّ أن هذه المحاولة كان مصيرها مشابهاً لدعوة رئيس الجمهورية بالحوار مع المنتفضين وباءت بالفشل، إذ أعلنت الساحات والناشطون الذين تلقوا طلب دياب عن رفضهم للقاء الاستعراضي والتفاوض احتراماً وانسجاماً مع رغبة الشارع، مشدّدين أن هذا التكليف لا يغيّر موقفهم في الاستمرار بالانتفاضة الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي، وإنقاذ الشعب اللبناني والبلد من تبعات الانهيار. ووجّه بعض المنتفضين الدعوة إلى "من يريد التفاوض بالنزول إلى الساحات ليسمع صوتنا، وليعلم إننا باقون وثورتنا مستمرة، حاضرة تراقب وسوف تحاسب"، معلنين أن من سارع للقاء دياب لا يمثل "انتفاضة 17 أكتوبر".

كما أكدوا على إصرارهم بتحقيق مطالب هذه الانتفاضة بالدرجة الأولى؛ عبر تشكيل حكومة وطنية انتقالية من خارج المنظومة السلطوية وذات صلاحيات استثنائية، ولمدة محددة تقوم على برنامج ومهام معينة (إلغاء ما يُسمّى "بالورقة الإصلاحية" - إقرار قانون انتخابات نيابية على أساس النسبية خارج القيد الطائفي، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساسه - استقلالية القضاء - استرجاع الأموال والأملاك العامة المنهوبة ومحاكمة المسؤولين الفاسدين ووضع رؤية اقتصادية...).

"مش دافعين"
هاشتاغ "مش دافعين"، هو وسم أطلقه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي يدعو اللبنانيين لعدم دفع الفواتير والضرائب لحمل السلطات على الاستماع لمطالب الاحتجاجات التي انطلقت في 17 تشرين الأول الماضي ولم تتوقف حتى الآن.
كما لوّح عدد من الشركات الخاصة باتخاذ إجراءات مماثلة كإقدامها على "العصيان الضريبي" بوجه تعنّت السلطة وسياسات المصارف وتفاقم الوضع الاقتصادي.
أمّا المنتفضون فترجموا وسم "مش دافعين" فعلياً على الأرض باليوم الـ 66 للانتفاضة، عبر تنفيذ وقفات احتجاجية أمام مبنى مؤسسة كهرباء لبنان في بيروت وصيدا، إضافة إلى رش العبارة على أبواب المصارف في عدة مناطق يوم السبت 21 كانون الأول الماضي، للدعوة إلى "الامتناع عن دفع الضرائب والرسوم، والتوقف عن تسديد القروض المصرفية المستحقة، إلى حين استرجاع المال المنهوب والحقوق".

"حرّض على المصرف"
تصاعدت وتيرة الاحتجاجات على المصارف في الأسبوع الماضي، بعد الكشف عن أرقام بعض الأموال الطائلة المهرّبة إلى الخارج، تزامناً مع تردّي الأوضاع الاقتصادية، وتزايد نسبة البطالة بسبب إقفال بعض المؤسسات أو تقليص عدد الموظفين فيها. حيث يواجه البلد أزمة حادة في السيولة بالعملة الأجنبية، تزامناً مع سياسات تقييدية للمصارف اللبنانية على أموال المودعين ورواتب الموظفين منذ أسابيع. ولاسيما إصرارها تطبيق الـ Capital Control بدون قانون وبشكل انتقائي على أصحاب الودائع الصغيرة فقط، عبر تحكّمها بأموال الزبائن وحتى أصحاب الحسابات الصغيرة منهم، بوضع الحد الأسبوعي لسحب النقد الوطني، وامتناعها تسليم المودعين مبالغ تفوق الـ 200 دولار أسبوعياً، وصرف شيكات بخسارة 30 % أو 40 % من قيمتها. يضاف إلى ذلك فقدان الدولارات كلياً في ماكينات الـ ATM، وسط تلاعب في سعر صرف العملة في السوق السوداء مما أفقد الليرة اللبنانية أكثر من ثلث قيمتها.
وبعد ارتفاع صرخات صغار المودعين والموظفين جرّاء إذلالهم في المصارف للحصول على أموالهم أو حتى جزء منها، وانتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نشرات الأخبار. لم نرَ أي مسؤول سياسي تحرّك لصرخة أم على باب المصرف تستجدي الموظفين إعطاءها مالها "ولادي جوعانين، بدي طعميهم"، أو أب يريد ماله لدفع مستلزمات إعالة بيته، أو شاب أحضر معه بطاقة حجز السفر دون ما جدوى... وفي عكار ظهر مواطنٌ في مقطع فيديو داخل البنك حاملاً فأساً، لاضطراره بعد نفاذ صبره اللجوء إلى هذه الطريقة وتهديد الموظفين فيه، وراح يصرخ "بدّي مصرياتي.. بدّي مصرياتي"، ولحسن الحظ تواجد عدد من المواطنين حوله ومنعوه من استخدامها. إضافة إلى الكثير من الحوادث التي وثّقت وجع الناس وإذلالهم، ولن تكون آخرها حادثة بلوم بنك فرع طرابلس يوم الثلاثاء 24 كانون الأول الماضي بعد رفض الموظف إعطاء أحد المواطنين أمواله، فاستعان بأشخاص في الداخل تضامنوا معه وبعد حصول تلاسن بينهم وبين الموظفين، تم الاعتداء على الزبائن، وعندما نشر الخبر سارعت مجموعة من المنتفضين في الحراك إلى المصرف ومساندة الزبائن سلمياً، فوعد الزبون بتقاضي أمواله يوم الخميس، وهذا لم يحصل بالفعل، إذ أبلغ أن عليه التوجه للفرع الرئيسي في بيروت للحصول على حقه.

هذه الحوادث، حمّلت الثوار في الساحات مسؤولية تجاه الزبائن لمساعدتهم بالحصول على أموالهم المُصادرة، فكثّفوا الاحتجاجات شبه اليومية على المصارف، وأبرزها تنفيذ وقفات احتجاجية يوم الخميس 26 كانون الأول الماضي، أمام فروع مصرف لبنان في العديد من المناطق (بيروت، عاليه، زحلة، النبطية، صور، صيدا، طرابلس والهرمل)، اعتراضاً على السياسات المصرفية. وتزامنت أيضاً بتنفيذ اعتصامٍ أمام جمعية المصارف في وسط بيروت، احتجاجاً لما وصلت إليه الأمور بعد أسابيع من السياسات غير المدروسة للمصارف والتي تحجز على أموال المودعين بشكل يخالف حرية المودع بسحب أمواله والتصرّف بها.
ودعا المحتجون إلى البدء بالعصيان المدني وعدم دفع أموال القروض تحديداً القروض الصغيرة، قروض السيارات والشخصية، مؤكدين على مواصلة حراكهم من أجل تحقيق المطالب.
كما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية على المصارف، بعد اجتماع استثنائي في مجلس النواب برئاسة رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وحضور حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، ووزير المالية في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. أما ردّ رياض سلامة على سؤال حول السعر الذي يمكن أن يصل إليه الدولار الأميركي بـ "ما حدا بيعرف" فقد أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وغضب اللبنانيين، ليسارع سلامة للالتفاف على الموضوع أنه قصد السعر لدى محلات الصيرفة.


"الشيوعي" يواجه المصارف
"عم بنكتب بكل كتاب، تسلم إيدك علي شعيب"، بهذا الهتاف واعتصامهم داخل مصرفBlcفي منطقة الحمرا ببيروت يوم السبت 28 كانون الأول الماضي، أعاد قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، ذاكرة اللبنانيين إلى 46 عاماً، عندما نفذّ علي شعيب ومجموعته في 18 تشرين الأول 1973 اقتحاماً على مصرف "بنك أوف أميركا" في وسط بيروت لتحرير أموال الناس ومواجهة حكم المصارف، ليستشهد علي شعيب (سعيد) في اليوم الثاني عن عمر ناهز الـ 27 عاماً. وكتب على ضريحه "نحن الحياة وتاريخ الحياة وهم في كل ثانية من عمرهم عدمُ/ شاؤوا لنا أن نرى فيهم مصائرنا / لكنهم خسئوا.... إنّا مصيرهم"، وهو بيتٌ من الأبيات الشعرية التي وجدت في ورقة مكتوبة في جيبه يوم استشهاده. 

 

ففي اليوم الثالث والسبعين لانتفاضة 17 تشرين الأول، وعند تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف لبنان المركزي، توجّهت مجموعة من الشابات والشباب "الشيوعي" ومجموعة أخرى، إلى مصرف BLC، إثر إبلاغهم امتناع المصرف عن تسليم رواتب موظفين وودائع لصغار المودعين، مطالبين المصارف بفكّ حجز أموال المودعين الصغار، كونه يجري خلافاً للقانون. واعتصموا داخله، مردّدين هتافات ضدّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والسياسات النقدية، ومنها "يا سلامة بدنا نحاسب، شعب بلادي كلو غاضب"، "يسقط يسقط حكم المصرف"، و"الوطن للعمال تسقط سلطة رأس المال"، مما اضطّر إدارة المصرف إلى التراجع عن قرارها وتمّ تسليم جميع الزبائن الموجودين أموالهم وودائعهم.


وفيما أكّد المعتصمون "عزمهم متابعة النضال ضدّ سلطة المصارف التي تشكل اليوم رأس الحربة في المعركة الطبقية التي يخوضها الشعب اللبناني منذ 17 تشرين الأول"، حمّلوا المسؤولية إلى جمعية المصارف التي تضمّ ممثلين عن رؤساء مجالس إدارات المصارف، لا سيما في ما يتعلّق بحجز أموال المواطنين.
ورأى قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني في بيانه أن "ما حدث يؤكّد الممارسات الكاذبة للمصارف، إذ ادّعت الإدارة عدم توافر الدولار داخل الفرع، الأمر الذي تبيّن عدم صحته إثر الضغط الشعبي الذي مورس، وانتهى بتسليم جميع الزبائن الحاضرين أموالهم وبالدولار".
وختم: "الشيوعيون لن يسمحوا للمصارف بعد اليوم بالسطو على أموال الناس ورواتبهم. وندعو كل المتضررين إلى الانتظام في مواجهة المصارف والسلطة السياسية المتواطئة على مصالح الناس".

وعن دور قطاع الشباب والطلاب في "الشيوعي" بتنفيذ تحركات في مواجهة المصارف، صرّح عضو قيادة القطاع محمد بزيع لـ"النداء" أن احتجاجاتهم بدأت فعلياً قبل "انتفاضة 17 أكتوبر، وأبرزها تنظيم تظاهرة في 13 تشرين الأول الماضي من أمام جمعية المصارف، مروراً بالسراي الحكومي وصولاً إلى مصرف لبنان. وذلك "بغية تحميل ثلاثية المصارف، مصرف لبنان، والسلطة السياسية مسؤوليتها عن الانهيار الذي وصل إليه لبنان بعد ثلاثين سنة من السياسات الاقتصادية المدمرة" (راجع المقالة السابقة: انتفاضة 17 أكتوبر أشعلت الساحات - في العدد 367).
كما أكد "أن التحرك والتصعيد المستمر بوجه المصارف ينطلق من مسؤوليتها عن نهب الطبقات الشعبية في لبنان والخزينة العامة طوال ثلاثين عاماً عن طريق الفوائد الخيالية التي تقاضتها على الدين العام، وكذلك عبر قروض المصارف للأسر التي اضطرت للجوء إليها لتأمين أبسط حقوقها من مسكن ونقل وتعليم واستهلاك. هذا بالإضافة إلى الأرباح التي حققتها المصارف عبر الهندسات المالية منذ 2016 والتي تفوق إثنا عشر مليار دولار".
وأضاف بزيع "مؤخراً أصبح التصعيد بوجه المصارف مدفوعاً كذلك بإجراءاتها العدوانية تجاه الموظفين وصغار المودعين. حيث تعمد إلى احتجاز رواتبهم وودائعهم التي تشكل سبل عيشهم. وهذا مرفوض حتماً، وهو عدوان يجب أن يتوقف فوراً. لذا اعتمدنا تصعيد احتجاجاتنا في هذا السياق، بالدخول إلى فروع المصارف وتلاوة البيانات. ثم انتقلنا بعدها إلى الفروع الرئيسية للمصارف. أما حالياً اعتمدنا الدخول إلى المصارف بهدف تحرير رواتب المنتظرين فيها ومساعدتهم لتحصيل رواتبهم أو سحب جزء من ودائعهم الصغيرة".
وختاماً، أعلن "أن هذه التحركات ستأخذ حتماً منحى تصعيدياً أكثر فأكثر حتى ترتعد الأوليغارشيا وتخضع لإرادة الطبقات الشعبية ومصالحها".

58 يوماً على انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول /أكتوبر، زادُها إصرارٌ كبير من شعبٍ ضاق ذرعاً بهذه السلطة السياسية الفاسدة ونظامها الطائفي المتعفّن، لأنّه يستحق الحصول على أبسط حقوقه ألا وهي بناء دولة مدنية وطنية.
إرادة اللبنانيين ووحدتهم قابلها "تخبّط أهل السلطة" التي غرقت بتجاذبات الاشتباك السياسي المعتاد وأغرقت البلد بانهيار مالي واقتصادي من جهة، كما أغرقت المواطن من جهة ثانية بكوارث وفضائح متكرّرة لمجازر وصفقات تأهيل البنى التحتية المهترئة والمعدومة أصلاً، والتي تفاجئ، كل عام، المعنيين في وزارتي الأشغال والداخلية والبلدية، أو البلديات، أو مجلس الإنماء والإعمار، وصولاً إلى المتعهّدين، عند أول سقوط للأمطار الطبيعية المعتادة، فيتسارعون إلى قذف الاتهامات في ما بينهم ليرفع كل منهم المسؤولية عن نفسه.

تلك الانتفاضة التي عبدت بدماء ثلاثة شهداء سقطوا في شهرها الأول لأنّهم أرادوا بناء وطن. فتبعهم شهداء لقمة العيش ومنظومة الفساد في الشهر الثاني الذين لم يجدوا أمامهم سوى الانتحار عند ازدياد وجعهم لعجزهم عن تأمين لقمة خبز لأولادهم أو إيجاد فرص عمل وسداد ديونهم. إضافة إلى العديد من المحاولات لعمليات الانتحار بالحرق في ساحات الاعتصام التي تداركها وجود المنتفضين ومنعوا إتمامها. حتى أن تلك الشهادات وحالات الجوع لم تحرك السلطة، ولا حتى الجمعيات الخيرية التابعة لنساء أو أقارب وزراء ونواب، بل سارع المواطن الفقير لخلق مبادرات فردية وجمع المساعدات وتقديمها لمن هم أفقر منه تفادياً لخسارة أرواح أخرى.

"المكلف المفقود؟"
يعتمد رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري على سياسة المماطلة ولعبة الكرّ والفرّ، مدعياً الحياد واللامبالاة من جهة، ومستخدماً أساليب ضغط الشارع وشدّ العصب الطائفي والمذهبي من جهة ثانية. إذ نراه يرشّح أو يوافق على تسمية من يخلفه بصفقة مع الخليلين، ثم يوجّه له ضربة البطاقة الحمراء التي يرفعها المنتفضون في الساحات بمجرد تسريب اسم المرشح الموعود، بسبب سجله العامر بقضايا الفساد والمخالفات أو التعديات على الملك العام... فأسقط الشارع الوزير السابق محمد الصفدي منتصف الشهر الماضي، طالباً القضاء متابعة ملفه بالاعتداء على الأملاك العامة البحرية في خليج السان جورج وإقامة "الزيتونة باي". ثم تلاه سقوط الوزير السابق بهيج طبارة. ومن خارج السياق العلني، سقط السفير السابق نواف سلام وفؤاد المخزومي حتى الآن.
أما السقوط الأبرز فكان من نصيب المهندس سمير الخطيب صاحب شركة "خطيب وعلمي"، بعد ثلاثة وخمسين يوماً على الانتفاضة، وأربعين يوماً على استقالة الحريري. وهكذا انتهى فصلٌ آخر من مسرحيات الحريري، بعد تدخل السلطة الدينية عبر إبلاغ مفتي الجمهورية سمير الخطيب أن أبناء الطائفة توافقوا على تسمية الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة المقبلة.
هذا السقوط، اتخذه رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون ذريعةً لإرجاء جلسة الاستشارات التي كانت مقررة في العاشر من الشهر الحالي، والتي يطالب بها الشعب اللبناني منذ ما يزيد عن الأربعين يوماً. أما أواخر الشهر الثاني للانتفاضة الشعبية، ومع تعثر تكليف سمير الخطيب، اتجهت الأنظار إلى "بيت الوسط" من خلال المؤشرات الآتية: الرسائل التي وجّهها الرئيس الحريري إلى ملوك ورؤساء للطلب إليهم تغطية فتح اعتمادات في دولهم للاستيراد إلى لبنان، إضافة إلى الإعلان عن مؤتمر الدعم الدولي للبنان الذي انعقد في باريس الأربعاء الماضي.

"أزمة الصرف الجماعي"
في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية، ازدادت نسبة البطالة في لبنان، وبحسب بعض الاستطلاعات، هناك أكثر من 160.000 أجيراً وأجيرة خسروا أو هم بصدد خسارة وظائفهم بصورة مؤقتة أو دائمة خلال الشهرين الماضيين بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. إذ أن أكثر من 70 شركة تقدمت بطلبات صرف جماعي لدى وزارة العمل خلال أوائل شهر كانون الأول/ ديسمبر الحالي: من مطاعم، ومحلات تجارية، ومصارف ومؤسسات اعلامية ومستشفيات وغيرها، منها من أقفلت بالكامل ومنها من أقفلت فروعاً عدة لها وبعضها يتجه نحو الإقفال. كما عمدت معظم المؤسسات والشركات إلى حسم رواتب موظفيها بين الـ 40% إلى الـ 50 %.
يذكر، أن الخط الساخن التابع للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين تلقى 56 شكوى متعلقة بالصرف من الخدمة في لبنان خلال آخر ثمانية أيام من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وقد وصل عدد المتصلين إلى 198 أجيراً مصروفاً في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ليصل إلى 493 أجيراً مصروفاً في أول خمسة أيام فقط من شهر كانون الأول/ ديسمبر الحالي. كما تلقت اللجنة خلال الأسبوعين الماضيين 205 حالات تخفيض لمعاشات العمال.

"يسقط حكم المصرف"
تضاعفت وتيرة وطريقة التحركات الاحتجاجية أكثر على المصارف في الشهر الثاني للانتفاضة، وذلك تزامناً مع بروز الأزمة المالية لدى المصارف وعدم توفر السيولة المالية وارتفاع سعر صرف الدولار...ولجوء هذه المصارف إلى احتجاز أموال الناس ورواتبهم، مخالفة قانون النقد والتسليف.
فكان التحرك الأول في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي باقتحام عدد من المصارف في بيروت وتلاوة بيان داخلها، يطالب بـ "تدفيع المصارف وكبار المودعين ثمن إنقاذ البلد من الإنهيار عبر إعادة هيكلة الدين العام أي إلغاء جزء منه - مصادرة الأرباح التي حققتها المصارف عبر الهندسات المالية - فرض ضرائب على الودائع، الفوائد، العقارات الكبيرة سيما عند بيعها أو توريثها - المحاسبة الفوريّة لمدراء المصارف وحاكميّة مصرف لبنان المستقيلة من دورها منذ 30 عاماً تجاه حماية الاقتصاد وحماية الطبقة العاملة والناس.."، بهدف "تأمين موارد مالية للدولة لاستثمارها في تقديم الخدمات للمواطنين (تغطية صحية شاملة، تأمين مسكن. إلخ)، وأيضاً من أجل الإستثمار في القطاعات الإنتاجية (صناعة، زراعة، خدمات) التي تبني اقتصاداً فعليّاً وتؤمن فرص عمل للشباب والخرّيجين".
أما "الجولة الثانية" فاتسع نطاق دائرتها على أكثر من مصرف في الخامس من الشهر الحالي وشملت عدة مناطق شهدت احتجاجات داخل المصارف وخارجها ومنها:

- صيدا: بنك لبنان والمهجر، بنك الاعتماد، بنك عودة، البنك اللبناني الفرنسي، مصرف لبنان في صيدا (حيث اعتقلت القوى الأمنية أحد المتظاهرين)، الـ FNB، الـ SGBL، الـ IBL، وبنك عودة.
- عكّار: بنك عودة.
- بعلبك: بنك بيروت والبلاد العربية والـ. BSL
- بيروت: بنك عودة (الجمّيزة)، بنك بيبلوس (الأشرفية والجمّيزة)، فرنسا بنك (الأشرفية والتباريس والصيفي)، بنك ميد (التباريس)، سارادار (الجمّيزة)، وبلوم بنك (الصيفي).
كما استهدف المنتفضون مصرف لبنان في معظم فروعه بكافة المناطق، ولا سيّما في بيروت والنبطية وصيدا، حيث تشهد الأخيرة تنفيذ اعتصامات يومية أمام المصرف المركزي وعقد لقاءات حوارية ومنها "نحنا والمصارف شو إلنا وشو علينا" مع الناشط محمد بزيع.

"يسقط معمل الموت"
أما التصعيد الأبرز الذي شهدته منطقة الإقليم، فكان بتنفيذ اعتصاماً أمام مدخل معمل سبلين للترابة بدعوة من حراك برجا احتجاجاً على تلوث المنطقة من دواخينه السامة ومن غبار الكسارات، حيث سارعت إدارة المعمل إلى استحداث بوابة حديدية ووضعت أسلاكاً شائكة، لمنع المحتجين من الاقتراب إلى حرمه.
وشهد الاعتصام هتافات تندد بجهاد العرب ووليد جنبلاط. كما رفع المعتصمونشعارات ولافتات أشارت إلى أن "التلوث تسبب بإصابة أهالي المنطقة بأمراض السرطان والربو والحساسية الخطيرة والمميتة"، "استوردوا ترابة من مصر أرخص وأجود وفكوا عن بيئتنا"، "مع كل مكب بيطلعلك محرقة مجاناً" و"اغتصبتم الطبيعة، حان وقت المحاسبة. بيكفي"...
وألقت جميلة الجنون كلمة باسم ضحايا مرضى سرطان التلوث في المنطقة، قالت فيها: "نحن محاصرون بمعامل تغتال صحتنا وصحة أولادنا، في الجية هناك معمل الكهرباء، وهنا معمل الترابة وكساراته ومقالعه ومحرقته، ونتنفس الدخان المسموم بدل الهواء النظيف، وللأسف يحوم فوق سماء الإقليم شبح الموت. والأخطر من هذا، ما تم دفنه في أرض سبلين من مطمر نفايات النورماندي". وختمت: "هذا الواقع مؤلم كثيراً، وسوف نبقى نقول حتى آخر نفس: لا لمعمل سبلين ولا للكسارات والمقالع والمحارق والمطامر، نعم للحياة".
ثم ألقى كلمة المحتجين نزيه سرور، فقال: "صباح التلوث والجرائم البيئية، صباح المرض والموت، صباح السرطان الذي أصبح ضيفاً ثقيلاً في كل بيت من بيوتنا، صباح الصفقات والحصانات السياسية، صباح البيئة التي تموت مثلنا، صباح الثورة". وتحدث عن "السموم التي يحملها الهواء"، وعن وجود "نسبة عالية ومخيفة من الموت بسبب المرض"، لافتاً إلى أن "إحصائيات وقف المدافن ببرجا تشير إلى أن نسبة كبيرة من الوفيات في المنطقة سببها مرض السرطان"، وقال: "لا للكسارات، لا للمطامر، لا لمعامل الموت، ونحذر من أية محرقة أو أي نوع من النفايات، وعندما يتخذ هذا القرار تكون عندها قد فتحت معركة واضحة وصريحة مع شعب بكامله".

ها هي انتفاضة "17 أكتوبر" تدخل شهرها الثالث دون ملل بإصرار وعزيمة من الثوار وصمودهم في مواجهة مماطلة السلطة وبلطجية أزلامها. وها هم اللبنانيون ولا سيّما المنتفضون في الساحات بانتظار الاستشارات النيابية الملزمة يوم الإثنين المقبل 16 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، أي عشية دخول انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر شهرها الثالث، ويسألون: من هو المرشح الجديد على طريق الحرق؟ أم ستكون المرة الرابعة من حصة المرشح الأبدي الرئيس سعد الحريري علّه يذوق طعم الحرق أيضاً كأسلافه؟!

دخلت "انتفاضة 17 أكتوبر" أسبوعها السادس على التوالي، وسط إصرار من المنتفضين بكافة الساحات وعلى امتداد مساحة الوطن على توحيد مطالبهم ومواصلة تحركاتهم حتى تشكيل حكومة وطنية انتقالية، وتطبيق المادة الـ 22 من الدستور وإقرار قانون انتخابات نسبي وخارج القيد الطائفي، ثم تحقيق استقلالية القضاء واسترجاع المال العام المنهوب والأملاك العامة. انتفاضتهم لم تعرف الخوف ولا التعب أو الملل، فهم يعلمون أن معركتهم طويلة لإسقاط هذا النظام السياسي الطائفي وبناء الدولة الوطنية العلمانية الديمقراطيّة وتغيير السياسات الاقتصاديّة - الاجتماعيّة، حينها تتحقق الثورة.

مماطلة، اعتقالات، بلطجة واعتداءات، بث الإشاعات والفتن،... مشهدٌ اعتدناه لليوم الـ 44 على التوالي، لسيناريو "تخبّط أهل السلطة" في وجه منتفضين سطّروا بكفاحهم وصلابة إرادتهم تاريخاً مجيداً للبنان. تلك السلطة الغارقة في تجاذبات الاشتباك السياسي دفاعاً عن محاصصاتها أرعبها إصرار الشعب على مواجهة سياسات التجاهل المعتمد من كافة أطرافها دون استثناء، وسط انهيار مالي واقتصادي.
تلك الانتفاضة جاء تمويلها "السري" من وجع مواطنين أُرهقوا بنهج المحاصصات والفساد والتبعية والولاءات مدة ثلاثين عاماً، وسياسات حكومات متعاقبة دمرّت البلد وأفقرت شعبه وأغرقته بديون مؤتمراتها الباريسية. وهجّرت أبناءه، تقاسمت أملاكه، وضربت مؤسساته العامة. وسلبته حقوقه بالطبابة والسكن والعلم والعمل والكهرباء والبيئة الصحية.

"مش فالّين"
أما خطابات السلطة "فتزيد من الطين بلة"، إذ تشكل مفعولاً عكسياً على المنتفضين الذين اعتادوا على تجاهل مطالبهم ونضالهم اليومي منذ 44 يوماً، ليأتي ردهم في تزايد زخم الساحات، وتصويب الاحتجاجات على المرافق العامة ومكامن الهدر والفساد كخطوة ضرورية للاستمرارية حتى تحقيق المطالب.
إذ أن مقابلة الرئيس عون الأخيرة (12 تشرين الجاري) والتي طالب فيها من المتظاهرين بالخروج من الشارع وتشكيل وفد لطرح مطالب الحراك، خاتماً بعبارته الشهيرة "اللي ما عجبوا يفل" والذي حاول جاهداً في ما بعد إلى تبريرها غير المبرّر، والتي أشعلت غضب الساحات وأعلنت الإضراب العام، فتزايدت أعداد المنتفضين، مطلقين هتافات "مش فالين"، و"بيّ الكل، فل".
الغضب من خطاب عون، تصاعد مع سقوط شهيد الثورة الثالث علاء أبو فرج وعاد زخم الثورة، وتكثّفت التحرّكات في كافة المناطق من دون انقطاع.

المماطلة
يراهن أقطاب السلطة على تعب الشعب، فيتقاذفون الاتهامات فيما بينهم من جهة، ويبرعون في استخدام أساليب شدّ العصب الطائفي والمذهبي وتأجيج الثورة المضادة من جهة ثانية.
في المقابل، يظهّر الحراك موقفاً موحّداً، أمام هكذا محاولات، في ظل وجود عمل يومي للتنسيق بين القوى والمجموعات، رغم عدم وجود قيادة موحدة جامعة. فما إنْ تسرّب اسم الوزير السابق محمد الصفدي لترؤس الحكومة العتيدة، بادرت الساحات في كافة المناطق إلى تنفيذ احتجاجات شعبية والمطالبة بالتحقيق معه ومحاكمته على خلفية ملف الاعتداء على الأملاك العامة البحرية وإقامة "الزيتونة باي" على خليج السان جورج.
ونجحت الانتفاضة مجدّداً بتسجيل انتصارٍ آخرعلى السلطة وإسقاط صفقة الخليلين بطرحهم للصفدي، الذي أعلن في 16 تشرين الثاني عن اعتذاره عن قبول الاتفاق السياسي على تسميته لتشكيل حكومة.

استقلال الاستقلال
يخوض اللبنانيون في انتفاضتهم اليوم معركة الاستقلال الحقيقي عن هذا النظام السياسي الطائفي المولّد لكافة الأزمات التي يعيشها البلد، للتحرر من سياسات الاستغلال والهيمنة والسيطرة التي تفرضها السلطة؛ أولاً، بالاستغلال الطبقي الذي أوصل البلد إلى الإنهيار وشعبه إلى مزيد من الإفقار. وثانياً، بالولاءات والتبعية للخارج وفرض الهيمنة الغربية والسيطرة الأميركية على مقدراتنا وبأدواتها الصهيونية والعربية الرجعية. وخير دليل على ذلك، ما نشهده اليوم من التدخلات الأجنبية ولا سيما المبادرة الثلاثية الأخيرة التي قامت بها كل من فرنسا وأميركا، وبريطانيا.
وبما يتعلقبالاستغلال الطبقي يواصل الحراك الشعبي مواجهته له، عبر رفض ما سمي بالورقة الإصلاحية، ووضع حلول بديلة من اقتصاديين واخصائيين تساعد البلد للنهوض من هذه الأزمة.
أما بما يخص التبعية والهيمنة، فمطالب الحراك واضحة، تترجم عبر التمسك بضرورة "التحرير والتغيير"، فجاءت الوقفات الاحتجاجية في ساحات الاعتصام رداً على تصريحات جيفري فيلتمان الأخيرة.

العرض المدني
أحيا لبنان العيد السادس والسبعين للاستقلال بعرضين متناقضين؛ الأول تخلله عرضٌ عسكريٌّ باهت ومصغر، سادته أجواء واضحة على وجوه الرؤساء الثلاثة عكست خلافاتهم السياسية حول تشكيل الحكومة المرتقبة وفقاً لمقاسات ومحاصصات كتلهم النيابية.

في المقلب الثاني، شهدت ساحة الشهداء، استعراضاً وطنياً شعبياً بعنوان "العرض المدني"، شارك فيه 41 فريقاً من مناطق مختلفة.، فكان أشبه بعرس وطني لأول مرة أعطى للبنانيين المعنى الحقيقي للاستقلال منذ 76 عاماً.
استهل العرض بتحية تخليداً لأرواح الشهداء والنشيد الوطني، ثم عرضٌ على الخيل، تلته الفرق التي تقدم كل منها لافتة باسمها مسبقة بكلمة "فوج" وهي: الدراجات النارية والهوائية، الإرادة، العسكريون المتقاعدون، المعلمون، البيئة، المحامون، الطلاب، الأمهات، الأشبال، الآباء، أطباء، إعلام، خبراء ومكافحة، زراعة، مهندسون، إيقاع، عمال، صناعيون، مواصلات، اندفاع، حقوق النساء، حرفيون، تجارة، فنانون، نساء ورجال أعمال، مبدعون، طاقة، رياضة، سياحة، طناجر، حقوق الإنسان، مشاة، مغتربون، موسيقيون، ناشطون، جنوب، شمال، بقاع، جبل لبنان، وبيروت.
وقدّم كل فوج أفكاره بطريقة خاصة، عبر ابتكار شعارات مطلبية مناسبة لفوجه، وذلك على وقع الأغاني الوطنية والثورية التي عزفتها إحدى الفرق الموسيقية.

"خبز وملح"
المنتفضون من الشمال إلى الجنوب شاركوا في "أحد التجمع على النقاط البحرية" بعنوان "خبز وملح" تأكيداً على حق اللبنانيين في الإفادة من الشاطئ ورفضاً للتعديات على الأملاك البحرية والمطالبة باسترجاعها للشعب.
وأيضاً، تجمّعوا في محمية مرج سد بسري للمطالبة بإيقاف الجريمة البيئية وإقامة مشروع السد.

هزائم الثورة المضادة
"غزوة" فجر الاثنين الماضي على جسر "الرينغ" ومحيطه جاءت أكثر حدية من "الغزوة" السابقة يوم 29 تشرين الأول الماضي في ساحتي الصلح والشهداء، وجّه خلالهما الثنائي الشيعي رسالة واضحة تجاه مظاهر الحراك. الأولى تبعها إعلان الحريري استقالة الحكومة، أما الثانية فتبعها محاولات أخرى سريعة في أقل من 24 ساعة لإثارة الفتن وزرع الرعب في بعض المناطق وهتافات تلوّح بعودة 7 أيار مجدداً، فكانت ذروتها في الهجوم على اعتصام ساحة العلم في صور وحرق الخيمة التي بادر حراك صور إلى نصب غيرها، معلناً مواصلة انتفاضاتهم، ثم تلاه الاعتداء على اعتصام ساحة المطران في بعلبك، وسط صمود واستمرار المعتصمين.
وفي سياق متصل، قام مشبوهون بافتعال إشكال بين القوى الأمنية ليل 19 تشرين الثاني في ساحة رياض الصلح، ما أدى إلى رد الأخيرة إلى جرح 3 معتصمين واعتقال 12 آخرين من المشاركين في الاعتصام الذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد، بالاستفزاز المدبّر مسبقاً بين بعض العناصر والقوى الأمنية. فأدان بيان باسم انتفاضة 17 أكتوبر هذا التعدي، مشيراً إلى أنها "ليست المرة الأولى التي يجري فيها افتعال مثل هذه الأعمال لتشويه صورة الانتفاضة".
كما أكّد المنتفضون على مواصلة اعتصامهم السلمي في ساحة رياض الصلح بوجه كل محاولات السلطة وأدواتها ممن ترسلهم إلى ساحات الاعتصام للتخريب ولبث الإشاعات والتحريض على المعتصمين.
يذكر، أن نقيب المحامين الأستاذ ملحم خلف سارع ليلتها إلى التواجد في ثكنة الحلو ولجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين الذين أفرج عنهم صباح اليوم التالي.

تنظيم الحراك
يتساءل البعض وأبرزهم السلطة وأتباعها عن قيادة الحراك، متجاهلين أن هيمنة أحزابها على النقابات والروابط والاتحاد العمالي العام وتحالفاتهم ضربت الجهة المفترض أن تقوم بتمثيل الشعب وتحمل لواء الدفاع عن حقوقه لا التآمر عليه.
فجاء الرد من قوى وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية وهيئات ومجموعات شبابية وطلابية ومدنية واتحادات نقابية ومهنية وتعليمية من مختلف ساحات الانتفاضة، تداعت كلجنة تحضيرية إلى عقد ورشة حوارية في الكومودور في 19 تشرين الثاني حول الانتفاضة تحت عنوان "المرحلة الانتقالية: الرؤية والبرنامج"، وخلصت إلى إعلان الآتي: التوجّه بتحية إكبار إلى شهداء الانتفاضة علاء بو فخر وحسين العطار وعمر زكريا، وإلى كل المنتفضين الذين ملأوا الشوارع والساحات وعلى امتداد مساحة الوطن طيلة شهر بكامله، وسطّروا بكفاحهم وصلابة إرادتهم تاريخاً مجيداً للبنان، بالرغم من الاعتداءات والاعتقالات التي تعرّضوا لها، في المخافر وعلى الطرقات العامة والساحات، ومن قبل القوى الأمنية وميليشيات الزعامات الطائفية، والدعوة إلى متابعة الانتفاضة وتصعيدها للخلاص من السلطة السياسية الفاسدة ونظامها الطائفي والمذهبي المولّد للأزمات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية".

وتم التوجّه بالشكر أيضاً لكل الذين قاموا بتلبية الدعوة، و"الذين أسهموا، عبر عشرات المداخلات، في إغناء النقاش حول مسألة إعادة تكوين مرتكزات السلطة وتشكيل حكومة انتقالية وطنية وذات صلاحيات استثنائية، تتولّى اتخاذ إجراءات فورية لمعالجة التبعات الاقتصادية والاجتماعية للانهيار النقدي والمالي، وتؤمّن استعادة المال والأملاك العامة المنهوبة والتأسيس لنظام ضريبي تصاعدي جديد ولإعادة هيكلة الإنفاق العام، بالتزامن مع إقرار قانون جديد للانتخابات قائم على النسبية خارج القيد الطائفي". وتداول المجتمعون "أهمية تصعيد الانتفاضة واستمرار الحوار المشترك، بمختلف السبل والأشكال المناسبة، بما يعزّز مساحة التفاعل البنّاء والتلاقي الوثيق بين مكوّنات الانتفاضة". وتقرّر في هذا السياق الأخذ بالاقتراحات والملاحظات والتعديلات التي أبداها المشاركون على مشروع الورقة المقدمة إلى الورشة الحوارية، كما تقرّر عقد جلسات حوارية.

هي انتفاضة بحجم الوطن، عابرة للطوائف والمذاهب. سواء أطلق عليها ثوّارها "انتفاضة"، أو "حراك" أو "ثورة". فالعزيمة والإصرار والحرص على استكمال المواجهة هي الإسفين الذي ضرب نعشَ هذا النظام السياسي الطائفي الفاسد الذي سيزول حتماً لتحقيق نقلة نوعية في طبيعة هذا النظام المتعفّن وخلق منظومة جديدة في الاقتصاد والسياسة والتعليم والنقابات.

"لبنان ينتفض" ليس مجرّد وسم حلّ في المرتبة الأولى على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، بل هي ثورة فعلية انطلقت نواتها جرّاء تراكمات نضالية متعدّدة لمواجهة الطغمة الحاكمة وسياساتها الاقتصادية وبخاصّة الضرائبية المجحفة بحقّ الفقراء، بهدف تغيير هذه السلطة السياسية الحاكمة التي لا تستطيع إلاّ أن تكون سلطة محاصصة ومحسوبيات،وصولاً إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية والعلمانية.


فكانت شرارتها الأولى في التظاهرة الشعبية التي أقامها الحزب الشيوعي اللبناني في 16 كانون الأول 2018 تحت شعار "إلى الشارعللإنقاذ في مواجهة سياسات الانهيار".واستتبعها "الشيوعي" بتأليف "الحراك الشعبي للإنقاذ" ضمّ عدداً من القوى الوطنية والمدنية، نفّذ عدة تظاهرات وتحركات شعبية بعنوان "لا ثقة" رفضاً لمشروع موازنة 2019. ناهيك عن تحركات سابقة وأبرزها: حراك "هيئة التنسيق النقابية 2013" الذي نجحت أحزاب السلطة في ضربه، وحراك إسقاط النظام الطائفي 2011وحراك أزمة النفايات 2015الذي ما زال مستمراً في مجابهة سياسات السلطة بإنشاء مطامر ومحارق غير صحية فيها. إضافة إلى معركة "الشيوعي" في الانتخابات النيابية الماضية وإطلاقه البيان الوزاري البديل.
أما المعركة الثانية، فأطلقها "الحزب الشيوعي" في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعنوان "لا إنقاذ من دون تغيير، ولا تغيير من دون مواجهة"، بهدف تغيير هذه السلطة السياسية المتمسكة بنمط اقتصادها الريعي الذي ثبت فشله يوماً بعد يوم، والذي تتحمّل السلطة مسؤوليته كاملة عبر حكوماتها ومجالسها النيابية المتعاقبة عمّا أوصلت إليه البلاد من الإنهيار المالي والنقدي، وألقت بنتائج سياساتها على عاتق الفئات الشعبية والعمالية وأصحاب الدخل المحدود،حيث باتت الهندسات المالية الخاصة لمصرف لبنان تساوي هندسة إفقار الناس وإغناء المصارف.
وترجمت المواجهة على الأرض عبر تحركات احتجاجية ومطلبية نفّذها قطاع الشباب الطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني؛ منها معركة الدفاع عن الجامعة اللبنانية ضدّ السياسات المتواصلة لضربها عبر خفض موازنتها، ثم اقتحام مقر الاتحاد العمالي العام (التابع للسلطة) تحت عنوان "تحرك النقابي الياس الهبر" في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وصولاً إلى التحرك الاحتجاجي على مصرف لبنان المركزي وجمعية المصارف والسرايا الحكومية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، للإضاءة على أن المسؤولين عن الوضع الاقتصادي المزري في لبنان يتمثّل بالثلاثي: المصارف والمصرف المركزي والسلطة السياسية، وهم المسؤولون عن تحويل الثروة من الناس، الفئة القليلة، طبقة الـ 1 %. وتمحورت مطالب هذه التحركات حول التحذير من الذهاب إلى الانهيار، والعمل على إنقاذ البلد عبر اتخاذ خطوات جذرية، وهي زيادة الضرائب على أرباح المصارف والفوائد والأرباح العقارية، وأن تتوقف الدولة عن دفع فوائد الدين العام للمصارف لمدة معينة، إذ أنها تدفع كلّ سنة ثلث إنفاقها للمصارف كخدمة للدين العام حيث يبلغ أكثر من 6 مليار دولار سنوياً.


الصراع طبقي
"الوطن للعمال، تسقط سلطة رأس المال"، "ثوّار، ثوّار، سنعبر"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"يسقط يسقط حكم المصرف"، "لا ثقة، استقيلوا" و"كلن يعني كلن"، بهذه الهتافات توحّد الشعب اللبناني بكافّة مكوّناته في طُرق وساحات الوطن وفي كلّ بلدان الاغتراب وعلى كلّ خطوط المواجهة، في الليل والنهار وللأسبوع الرابع على التوالي، احتجاجاً على سياسات الحكومة وتسريبات مقررات مشروع موازنة 2020، والتي ستفرض على فقراء الوطن لسدّ العجز المالي الذي أغرقت السلطة به البلد.
وها هي "انتفاضة 17 أكتوبر"، تدخل أسبوعها الرابع على التوالي وما زالت مستمرة، لتؤكد أن الشعب اللبناني عابر لمناطقه وطوائفه بكلّ مكوّناته على امتداد مساحة الوطن، توحّد في الشارع دفاعاً عن حقّه بالخبز والعلم والكرامة والحرية، فامتلأت الساحات بمليوني مواطن لمواجهة هذا النظام السياسي الطائفيوها هي الساحات غصّت بمواطنين يعقدون حلقات حوارية وندوات يومياً، ويطالبون بحقهم بالعمل، ضمان الشيخوخة، السكن، الضمان الصحي الاجتماعي، تعزيز التعليم الرسمي، البنى التحتية، وتأمين الكهرباء والماء والبيئة الصحيةوللنساء، في هذه التظاهرات، مطلب محق وهو منح الجنسية اللبنانية لأولادهن حتى أن الطلاب لقنوا في الساحات دروساً في التربية والوطنية والإصرار على استرجاع حقوقهم بتعليم نوعي، ومستقبل لائق.

سياسات القمع والبلطجة
أما محاولات السلطة للالتفاف على الانتفاضة الشعبية عبر إصدارها ما أسمته بـ "الورقة الإصلاحية" فباءت بالفشل، ورفضها الشعب ليثبت أنه أصبح أكثر وعياً، لا يمنح ثقته بعد اليوم لهذه السياسات ووعودها الزائفة.
أما التحوّل الأبرز في هذ الحراك برز في صموده بمناطق تسيطر عليها أحزاب السلطة، والتي عمدت إلى ترهيب المحتجين والاعتداء عليهم وتهديدهم (النبطية، بنت جبيل، صور، بيروت في ساحتي رياض الصلح والشهداء وجسر الرينغ)، ناهيك عن القمع الوحشي من قبل عناصر القوى الأمنية واعتقال عدد من المعتصمين سلمياً أقدموا على قطع الطرقات بأجسادهم.
أما ردّ المتظاهرين على هذه البلطجة فكان في تضاعف أعدادهم في الساحات وإصرارهم على مواصلة الانتفاضة الشعبية، إضافة إلى زيادة عزيمتهم بالتمسّك بمطالبهم وتصعيد التحرك بكلّ أشكال المواجهة وسُبلها، ضدّ هذه السلطة الغاشمة والمفلسة، والمعتدية على الحريات العامة للمواطنين، الساعية إلى إقامة دولة الفدراليات المذهبية.
أما محاولات تخوين المتظاهرين في بعض المناطق ولا سيّما الجنوب ووصف تحركهم أنّه في وجه المقاومة، ردّ عليها الشيوعيون حينها "أن واجب تحرير الوطن من هذا النظام ومواجهة سياسات الهدر والفساد والنهب والمحسوبيات هو فعل مقاوم أيضاً، لأن " التحرير والتغيير لا ينفصلان وهما مقاومة".

النصر الأول والانتصارات المرتقبة
أما خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي ترافق مع هجوم لأنصاره على اعتصام ساحة رياض الصلح، فهو أيضاً لم يُرهب المعتصمين حتى في تهديده المبطن بـ "اللاءات الثلاثة": "لا نقبل بتقصير الولاية الرئاسيةولا نوافق على استقالة الحكومةولا نقبل بانتخابات نيابية مبكرة".
وتكلّل اليوم الثالث عشر من الانتفاضة بتحقيق النصر الأول وهو إعلان سعد الحريري استقالة حكومته، والذي اعتبرها "الشيوعي" في بيانه الأخير أنها "الخطوة الأولى لإسقاط كلّ منظومة السلطة مجتمعة، المسؤولة عن الأوضاع التي وصلت إليها البلاد، بفضل سياساتها المتبعة. فالمشكلة الأساس تكمن في الطبيعة السياسية للنظام الطائفي الحاكم وفي رموزه الممسكين به؛ فهو نظام التبعية السياسية والارتهان إلى الخارج، والمنحاز لسلطة رأس المال والمستجيب لمتطلباتها"، معلناً رفضه "مصادرة الانتفاضة الوطنية وسرقتها لمصلحة سلطة مأزومة وعاجزة، من خلال إعادة شدّ العصبيات المذهبية والانقسامات الطائفيةالتي، ولأول مرة، تمكّنت الانتفاضة الشعبية من تجاوزها".
وأكد البيان على أن "الشعب اللبناني قال كلمته، لا شرعية لمنظومتكم السياسية، كفى تلاعباً على وتر الانقسام الطائفي وتوتير الشوارع من خلال المسيرات المذهبية والفئوية، هكذا فعلتم منذ الطائف وحتى اليوم، تحمّلوا نتائج أفعالكم واستقيلوا"، داعياً إلى أن تبقى "ساحات الاعتراض قائمة ويقظة من أي محاولة لإجهاض ما تحقق ولمنع أي محاولة لتوتير الأجواء المذهبية مجدّداً لتوظيفها في حفلة الجنون الطائفية التي تبرع قوى السلطة في اللعب عليها".
إلّا أن استقالة الحكومة، كانت المطلب الأول للحراك، الذي يصرّ على استكمال المواجهة تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، عبر تشكيل حكومة وطنية انتقالية من خارج المنظومة السلطوية الحالية، وذات صلاحيات استثنائية وتكون مهمتها: إجراء انتخابات نيابية مبكرة خارج القيد الطائفي، استناداً إلى الدستور اللبناني (المادة 22)، واتخاذ كلّ الإجراءات المطلوبة لاستعادة المال العام المنهوب، ورفع السرية المصرفية عن كلّ الذين تولّوا مسؤولية الشأن العام، ومساءلة الذين استفادوا عن غير حقّ من الهندسات المالية، إلى جانب الذين تراكمت ملفاتهم في خزائن النيابة العامة المالية، وإسقاط بنود "سيدر" ومندرجاته، من قرارات خصخصة كلّ مؤسسات الدولة من كهرباء واتصالات ومنشآت نفطية، فضلاً عن كازينو لبنان والريجي وشركة طيران الشرق الأوسط وعن بيع عقارات الدولة والخطط المبيّتة لتقاسم ثروات النفط والغاز، وصولاً إلى وضع نظام ضريبي تصاعدي جديد يطال الأرباح الرأسمالية والفوائد والريوع والثروة.

مستمرون
نعم، مستمرون، ثورتنا مستمرة في وجه سياسات الثورة المضادة الفاشلة. وسنبقى في الساحات حتى إسقاط هذه السلطة السياسية التي أوصلت البلاد إلى الإنهيار المالي والنقدي، عبر حكوماتها ومجالسها النيابية المتعاقبة، والتي ترفض أن تتحمّل المسؤولية وتستقيل؛ فهي تعترف بفشلها ولكنها لا تستقيل، متجاهلة نزول مليوني لبناني إلى الشوارع.
مستمرون لأن ورقتهم الإصلاحية خالية من الإصلاح ولم تقنعنا. وأيضاً استخدام القمع والترهيب والتهديد واستخدام القوة ضدّ المتظاهرين لم يرهبنا. أما رهانهم على كسب الوقت لتأليب الرأي العام ضدّ الانتفاضة بأساليب مختلفة، عبر تصوير الأمور وكأن الانتفاضة هي التي تسبّب الإنهيار والفوضى وتعطيل الحياة الطبيعية في البلاد، فهو فاشل أيضاً.
لنا الساحات وانتفاضتنا إلى التصعيد والتنظيم أكثر نحو تشكيل لجان عمل مشتركة تكون مشروعاً ثورياً لغدٍ أفضل، لبناء دولة وطنية ديمقراطية.
نعم، "الشعب أراد فاستطاع"وهو الخط الأحمر. وهذه المرة لن تنفع معه سياسة الالتفاف والوعود أو المماطلة.


يوماً بعد يوم، تتفاقم أزمة قضية دفع مستحقات الفصل الثاني عن العام الماضي مدة سبعة أشهر لكلٍّ من الأساتذة المستعان بهم لتعليم الطلاب النازحين السوريين وصناديق المدارس في الدوام المسائي. إذ بات الغموض يلفُّ مصير مشروع تعليم النازحين السوريين في لبنان والعام الدراسي المقبل، وأين تصرف أموال الدول المانحة أو تتبخر، لا سيّما أن الطرفين الأساسيين (وزارة التربية والتعليم العالي والمفوضية العليا لشؤون النازحين في لبنان) يتقاذفان التهم بينهما ويصرّان على أن التقصير لدى الطرف الآخر؟


بعد أكثر من شهر من الحملة التي بدأها الأساتذة "المستعان بهم" في الدوام المسائي على معالي وزير التربية أكرم شهيّب ومسؤولة وحدة التعليم الشامل في وزارة التربية (التي تعنى بملف اللاجئين) صونيا خوري، تمكّن وفد من الأساتذة اللقاء بهما بحضور المستشار الأستاذ أنور ضو يوم الأربعاء الماضي 3 تشرين الأول الجاري الذي أوكله شهيّب لعقد اللقاءات وتلقّي الشكاوى.
وخلال اللقاء أكد شهيّب وخوري حرصهما على دفع المستحقات المتأخرة لـ "المستعان بهم"، وشدّدا على أن الوزارة تبذل كافة جهدها في هذا الملف و"إنما الدول المانحة تتحمّل مسؤولية هذا التأخير". وفعلاً، نجح شهيّب مؤقتاً في تحويل وجهة الصراع عن وزارته وتخفيف حملة الأساتذة عليه، مؤكّداّ للوفد أن الدول المانحة لم تسدّد باقي المبلغ المتوجب عليها حيث أن بريطانيا لم تدفع أبداً وألمانيا لم تكمل باقي المبلغ المترتب عليها، ومطالباً الأساتذة بمساعدته والاعتصام أمام مقر بعثة الاتحاد الأوروبي لتحميل الدول المانحة مسؤولية سداد ما أسماه "الفجوة" وقدرها 9 ملايين دولاراً تقريباً (8.6 مليون دولار).


بدورها، لمّحت خوري للوفد إن هناك عدة دراسات قيد الدرس لحلّ هذه المسألة وإحداها تتضمّن "إعطاء المستحقات لكافة الأساتذة دون المدراء والنظّار"... وعند مطالبتها برفع أجر الحصة لا سيّما أن الوزارة تقتطع أكثر من نصف الأجر المفترض من الدول المانحة حيث لا تتعدّى الـ 11 دولاراً، أبلغتهم باستحالة ذلك، مشيرة أن "الاتحاد الأوروبي يلوّح بخفض المبلغ المقرّر عن كلّ تلميذ من 600 إلى 500 دولار، بينما في الأردن "الدولة تتقاضى 1100 دولاراً على التلميذ".

الوفد غاب عنه أن حلّ عقدة أو لغز "الفجوة"... يفترض من مسؤولية وزارة التربية مع الاتحاد الأوروبي وليس من مسؤولية أصحاب الحقوق، وبحال صحّت تلك المزاعم ألا يجدر بالوزير عقدَ مؤتمرٍ صحافيٍّ لشرح ملابسات القضية عوضاً عن سياسة المماطلة وإعطاء الأساتذة العديد من الوعود أو استبدال رقم هاتفه للتخلص من مساءلة المئات منهم عن مصير مستحقاتهم؟!..


وصنّف بعض الأساتذة خلاصة لقاء الوفد بشهيّب وخوري بسياسة المماطلة متهّماً "الوزارة بالتهرّب من المواجهة المباشرة المفترضة مع منظمة اليونيسف بحال أعلن الأساتذة الإضراب العام".
وفي حديث لـ "النداء" عبّر أحد الأساتذة م. س. الذي رفض الإفصاح عن اسمه تخوفاً من خسارة فرصته بالمشروع، عن "شكوكه بعدم وجود ثغرة بما يُسمى "الفجوة"، وصرف هذه المستحقات"، متسائلاً " لمَ أعلنت الوزارة منذ أيام تحويل أموال كافة أساتذة الإرشاد الصحي والتربوي وتبين عكس ذلك، إذ طال القبض جزءاً بسيطاً فقط، فلماذا هذه الاستنسابية، مع أن مبلغ الـ 39 مليون دولار يمكنه تغطية كافة رواتب أساتذة الإرشاد في لبنان؟!".
أما زميلته "ريتا" استغربت حديث الوزير عن ما أسماه "الفجوة"، مؤكدة "إذا كان العجز يبلغ تسعة ملايين دولار، فإن اقتطاع أكثر من نصف أجر الحصة يسدّ العجز المطلوب"، معربة عن تخوفها من ضياع العام الدراسي والملل من هذه السلطة الحاكمة، "نحن نعاني من البطالة، لأن المعنيين لا يأبهون لنا إلّا عند التصويت لهم بالانتخابات، حقّنا التوظيف وفقاً لشهاداتنا وخبراتنا..".

ملايين الدولارات... ضائعة
دحض الاعتصام الذي نفذه "المستعان بهم" بتمني من شهيّب يوم الاثنين الماضي أمام مقر بعثة الاتحاد الأوروبي مزاعم وزارة التربية بوجود فجوة قدرها 9 ملايين دولاراً تشكل عائقاً أمام السيدة صونيا خوري وتحول دون تسديد المستحقات المتأخرة.
إذ نفى أحد موظفي البعثة للمعتصمين أن يكون هناك عجزٌ ما في تمويل مشروع التعليم عن العام الماضي (2018 - 2019)، مؤكداً أنّ دول الاتحاد الأوروبي قد سدّدت المبالغ بالكامل، حيث استمع إلى مطالبهم وتسلّم نسخة خطيّة عنها، واعداً بمتابعة قضيتهم لحلّ لغز "الفجوة".
وفي سياق متصل، وبعد مماطلة دامت أكثر من أسبوع لمحاولات الأساتذة تحديد موعد مع المفوضية السامة لشؤون اللاجئين في لبنان المعنية بملف تعليم النازحين السوريين، سارع المسؤول عن الملف قبل ساعات من الاعتصام إلى الاتصال بإحدى المعلمات، معرباً عن استهجانه بعدم قبض مستحقاتهم حتى اليوم واقتطاع جزء من أجر الحصة، متعهداً بمتابعة القضية مع المعنيين في الاتحاد الأوروبي ووزارة التربية.

وتحت شعارات "لا تعليم دون قبض"، "لقمة عيشنا لا مساومة"، "ما في مصاري ما في عمل"، و"عقد العمل حق مشروع لنا. لا للتهميش"... نفّذ عدد من الأساتذة "المستعان بهم" اعتصاماً يوم الاثنين الماضي أمام مقر بعثة الاتحاد الأوروبي في منطقة زقاق البلاط، وسط إجراءات أمنية مشدّدة، احتجاجاً على تأخر دفع المستحقات. وشارك به الأستاذ رياض حولي المسؤول الإعلامي في رابطة التعليم الأساسي، ومدير منفرد أراد التضامن مع الأساتذة وحقوقهم، متعهداً بتنفيذ الإضراب المفتوح وعدم بدء العام الدراسي في دوام ما بعد الظهر دون قبض كافة المستحقات.


بدوره، أعرب حولي، عن تحفظه حول مكان الاعتصام مشيراً إلى "أن الوقفة أمام الاتحاد الأوربي في غير مكانها، إذ أن الأساتذة متعاقدون مع وزارة التربية، والأجدى كان الاعتصام هناك. فنحن لسنا ملزمين بمساءلة الاتحاد أو مطالبته على ما أسمته الوزارة بـ "فجوة" التسعة ملايين دولار، فهذا دورها"، معرباً عن تفاجؤ المعتصمين بتأكيد ممثل الاتحاد الأوروبي، "أنه لا يوجد كسر من قبل الدول المانحة على مستحقات العام الماضي 2018 - 2019، حيث أنهم يسدّدون الأموال بداية كل عام دراسي، مما يعني أن المستحقات ما زالت في عهدة وزارة التربية، وعلى ما يبدو أنها صُرفت؛ أين وكيف لا أحد يعلم؟".
كما أكد دعم الرابطة لكافة التحرّكات وتشكيل أي لجنة خاصة تطالب بحقوق الأساتذة.
واختتم الاعتصام بالتأكيد على الإضراب وتنفيذ خطوات لاحقة أمام وزارة التربية في الأونيسكو، وشرحت ريان غازي من لجنة المتابعة "معاناة الأساتذة"، ثم تلا أنور حسن بياناً باسم المعتصمين، مستعرضاً معاناة الأساتذة جرّاء تأخر دفع مستحقاتهم المالية، وقال "انتظرنا طويلاً وطالبنا بحقنا من دون أي جدوى، وشبعنا من المماطلة والوعود المتكرّرة من المعنيين. وبعد لقائنا الأربعاء الماضي وزير التربية أكرم شهيّب، نستكمل تحركنا باعتصامنا اليوم أمام مقر بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان لرفع صوتنا عالياً إذ إن مستحقاتنا تمولها الدول المانحة تحت إشراف وزارة التربية والتعليم العالي".
ودعا البيان إلى "الإفراج عن مستحقاتنا المالية قبل بدء السنة الدراسية وإلاّ فسنضطر إلى اللجوء لتنفيذ الإضراب المفتوح حتى الحصول على المستحقات كافة مع تأييد وزير التربية ومستشاره" وإلى "معرفة مصير أجرنا في السنة الدراسية المقبلة من جهة التمويل وضرورة التعهد بعدم التأخر في دفع المستحقات". إضافةً إلى "البحث في موضوع رفع أجر الساعة لكل فئات التعليم والتي لا تتعدى 12 دولاراً وخصوصاً بعدما علمنا أن ساعتنا يقتطع منها وتتجاوز ما نحصل عليه حالياً، ولا يخفى عليكم الصعوبات التعلمية والسلوكية التي نعانيها لإيصال رسالتنا إلى طلابنا الذين يعانون الكثير جرّاء أوضاعهم من الحرب والنزوح".
كما طالب البيان بـ "إعادة الراتب الشهري كما كان في السنة الأولى من تعليم النازحين لأن الوضع الاقتصادي يتفاقم يوماً بعد يوم، و أيضاً عدم التمييز بين دولة وأخرى من حيث تقديم المبلغ إلى كلّ نازح.
- عدم حصر ساعات الناظر بعدد التلاميذ الحاضرين".
وتوجّه إلى "المعنيين وأولهم معالي وزير التربية للاهتمام بقضيتنا وإعطائها الأولوية والإسراع في متابعتها مع منظمة اليونيسف"، وطالب "الأخيرة باستكمال باقي مبلغ التمويل منها لسدّ ما سمته الوزارة بـ "فجوة" التسعة ملايين دولار".
وختم البيان: "نحن أصحاب شهادات وخبرات، نتوجّه إلى الدولة لتعزيز دور المدرسة الرسمية وتطويرها ومراجعة وضعنا وفتح باب التوظيف عبر مجلس الخدمة المدنية، لئلا نضطر إلى الهجرة أو اللجوء الى المدارس الخاصة براتب قليل وأعباء ثقيلة".

لا للتعاقد الوظيفي...
من جهته، دعم التيار النقابي المستقل تحرك "المستعان بهم، عبر إصداره سلسلة بيانات ومنها بياناً باسم لجنة الأساتذة المتعاقدين لتعليم النازحين السوريين في التيار النقابي المستقل، طالب خلاله المعنيين بالإسراع والإفراج عن الرواتب المتأخرة، داعياً الأساتذة إلى التضامن معاً والتحرك دفاعاً عن حقوقهم.
كما اعتبر "التيار" في بيانه الأخير "أن التعاقد الوظيفي يعني إلغاء دولة الرعاية الاجتماعية"، مؤكداً على ضرورة "إلغاء بدعة التعاقد المدمّرة وتعزيز الملاك الإداري وذلك عبر مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية لملء الشواغر الكبيرة في الإدارة والتعليم تبعاً للحاجة. وحفظ حق المتعاقدين الذين خدموا المجتمع سنوات عديدة وتخطوا شرط السن لدخول الوظيفة العامة".
كما طالب التيار "إفادة المتعاقدين في الفترة الحالية التي تفصلهم عن التثبيت، من التقديمات الاجتماعية والصحية وبدل النقل ودفع رواتبهم شهرياً أسوة بزملائهم في الملاك لرفع الظلم والإذلال عنهم"، مشدّداً على "المعالجة السريعة لأوضاع المتعاقدين في برنامج تعليم الطلاب النازحين السوريين وذلك بمطالبة الدول المانحة بالالتزام بواجباتها وكذلك بتحمّل السلطة مسؤولياتها وعدم التذرع بتلكؤ الدول المانحة".

لا تعليم...
بعد تخبط الأساتذة وانقسامهم، ما بين مطالب ومؤيد لإعلان تنفيذ الإضراب المفتوح، وما بين معارض له تخوّفاً من استغناء الوزارة عنهم في هذا المشروع واستبدالهم، إذ لا رابطة تتبنّى ملفهم، حتى أن رابطة التعليم الأساسي أعلنت تضامنها معهم ولكن دون اتخاذ أية إجراءات فعلية على الأرض، سوى حثهم على ضرورة توجيه البوصلة نحو وزارة التربية بتنفيذ الاعتصامات.
وعشية التحضير لبدء العام الدراسي الذي كان مقرراً يوم الأربعاء الماضي، صدر عن المكتب الاعلامي لوزير التربية والتعليم العالي أكرم شهيّب يوم الثلاثاء الماضي بياناً أعلن عن قراره "تأجيل بدء العام الدراسي لدوام ما بعد الظهر للطلاب غير اللبنانيين إلى موعد يحدّد لاحقاً".
بدورها، أثنت رابطة معلمي التعليم الأساسي في بيانها على "القرار الجريء" الذي اتخذه شهيّب بـ"تأجيل بدء التدريس في دوام برنامج التعليم الشامل للتلامذة غير اللبنانيين بعد الظهر"، مؤكدة "وقوفها إلى جانبه من أجل حماية حقوق المدرسين المستعان بهم"، منوّهة بدور "الاتحاد الأوروبي الراعي لعملية التعليم والحريص على عدم إبقاء الأطفال النازحين خارج المدارس، هو مطالب اليوم بعدم وضع سقف للأعداد وبتسديد المبالغ المتوجبة عليه عن الأعداد الإضافية أي ما يقارب الخمسة عشر ألف تلميذاً والتي تبلغ كلفتها ما يقارب تسعة ملايين دولار ليتسنى للوزارة تسديد مستحقات الفصل الثاني عن العام المنصرم حينها ينتظم العمل ويبدأ العام الجديد".


ومن الملاحظ أن بيان الرابطة غاب عنه وتيرة غضب ممثلها في اعتصام الاثنين الأستاذ حولي أمام الاتحاد الأوروبي. وكأن الأساتذة المستعان بهم.. هم المسؤولون عن مصير التسعة ملايين دولار الضائعة!

ها هو العام الدراسي يطلّ على اللبنانيين بأزماته المتعدّدة والمتكرّرة لينذرنا بتفاقمها عاماً بعد عام. فحال القضايا التربوية في لبنان ليس بمنأى عن أزمات البلد، إذ بات وضع القطاع التربوي مشابهاً لأوضاع كافة الملفات والقضايا الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن سياسات الحكومات المتعاقبة وغياب الخطط الإصلاحية والجديّة في محاربة الهدر والفساد والمحسوبيات.

الصفحة 1 من 2

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل