الصين والقوى الصاعدة: التمايز في اللحظة الفاصلة

0
0
0
s2smodern

في سياق النقاش الفكري السياسي في خط اليسار وقوى التغيير الجذري خاصة حول طبيعة المرحلة التاريخية التي يمرّ بها العالم اليوم، وطبيعة القوى المختلفة وآفاقها، تكون الصين وروسيا في أساس هذا النقاش كقوتين صاعدتين.

ونقطة الخلاف والتمايز بين الرأيين تكون : إما أنّ القوى الصاعدة (روسيا والصين) هي "إمبرياليات" جديدة أو أقله لديها طموحات إمبريالية، وإما أن روسيا والصين تتقدمان من صلب أزمة الإمبريالية وفي سياقها، أي أن تقدمهما هو عبارة عن الصراع التاريخي بين الإمبريالية والمجتمعات التي أتبعتها الإمبريالية لها منذ القرن ما قبل الماضي. وبهذا تكون روسيا والصين تشكل نماذج نقيضة الامبريالية المأزومة ومنطقها النهب المالي والاستعمار، وذلك لسبب أساسيّ أيضا يغيب عن أذهان الفكر التماثلي غير العلمي، وهو أنّ الاختراقاتِ التاريخيةَ لروسيا السوفييتية والصين الشيوعية هي ما مكنت الصين وروسيا اليوم من تملك أرضية الصعود، ولم يكن صعودها بمنطق النهب والاستعمار الإمبريالي ذاته، فالتراكم الاشتراكي مكنها من ذلك، لا سياسات إمبريالية كما أميركا وشركائها.
تحليل واقع ملموس على أساس الماركسية أم كلام في اليومي؟
هناك محددات اقتصادية سياسية أوضح من أن يتم تجاهلها، وتجاهلها يوقع حاملَها بالعدمية السياسية، وإلى حد ما يضعه في موقع المعادي لهاتين الدولتين دون إرادته، فيصير في موقع خطاب الأمريكيين ضمنيا. ولكن على أيّ حال يبدو التاريخ أسرع من التحليلات الدائرة ويثبت بالوقائع طبيعة المرحلة الراهنة حول أنّها تراجع الإمبريالية وتقدم لتعديل النظام العالمي الأحادي السيطرة في التوزيع والإنتاج والتبادل للثروة، نحو عدالة هذه المستويات، وكله في سياق تجاوز الرأسمالية بالضرورة نحو الاشتراكية، وذلك لأن إرث الرأسمالية لا يمكن سده بمجرد تعديلات في العناصر، بل في البنية الاقتصادية السياسية نفسها.
من محددات التمايز في الخلاف الفكري أعلاه، يمكن استقاؤه مما تطرحه الماركسية من توصيفات للبنية الرأسمالية، فلا بأس في الاستناد الى الماركسية في التحليل.
التمايز من وحي الماركسية
تعتبر الماركسية أنّ في كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية عندما تصبح علاقات الانتاج (الإقطاعية، الرأسمالية) معيقة وقامعة وكابحة لتطور القوى المنتجة (التكنولوجيا، الإنسان ...) فإن تغيير علاقات الإنتاج ضرورةٌ من أجل تطور القوى المنتجة وتحررها. فكانت الاقطاعية مثلا معيقةً لتطور الآلات والتطور العلمي عامة، فكان نظام السوق والإنتاج الرأسمالي عامة دافعا لهذا التطور في مراحله المبكرة حيث أصبح ليس فقط معيقا لهذا التطور بل مدمرا للقوى المنتجة نفسها، وتدمير المجتمعات ككل في حالة أزمته والتعبير عنها بالحروب والتفتيت والتدمير.
العلوم والتكنولوجيا من محددات التمايز
إذا تطوّرُ القوى المنتجة كالعلوم والتكنولوجيا أو كبحُها يشكلان محدداتٍ ملموسةً للتمييز بين طبيعة البنى الاقتصادية في مرحلة تاريخية ما. ولما كانت الامبريالية هي نموذج من رأس المال المالي، الذي فك ارتباطه بالميدان الإنتاجي الفعلي، وما عناه ذلك من تراجع في دور التطوير والتحديث في القوى المنتجة والعلوم أساس في ذلك، كانت الصين مثلا على المقلب الآخر محررة لطاقة العلوم والتكنولوجيا، من الزراعة الى الصناعة والطب والفضاء والتكنولوجيا الذكية... هذا التحرير للقوى المنتجة والذي يبدو أنه لا قيود عليه هو أساس لنظام الفائض في الإنتاج وليس القلة، حيث تشكل الآلة والعلوم فيه دورا أساسيًّا في الرفاه الاجتماعي حيث أن تقليل العمل الضروري هو شرط من شروط الاشتراكية والتقدم البشري، ألم تقل بهذا الماركسية؟!
التكنولوجيا الذكية كمحك التمايز
تشكل التكنولوجيا حالة هستيريا لدى قوى رأس المال عامة، لأن دخول الآلة بشكل كبير إلى أماكن العمل بشكل واسع، سيدفع بالعمال بشكل كبير خارجها ليس في قطاعات الإنتاج البسيطة في أغلب تلك المعقدة كذلك، بالتالي سيعني أن معادلة الرأسمالية ككل ستكون محط انهيار، كعلاقة نهب فائض القيمة. فحسب كلمات ماركس، اذا لم يعد هناك طبقة عاملة فكيف سيتشكل رأس المال؟! وهذا ما يدفع بالبنى الأكثر رجعية كقوى رأس المال إلى إعلان الهستيريا ضد الذكاء الاصطناعي وشيطنة هذا المجال ككل، بدل أن تكون الشيطنة هي للنظام غير الإنساني، فالآلة لن "تحل محل" العمال وبالتالي سيبقون بلا دخل إلا في نظام رأسمالي استغلالي لا مكان للبشر إلا في دورة الاستغلال، أما في نظام إنساني عادل اشتراكي في مضمونه ستكون الآلة محط تقدير أكثر كونها ستخفف من كمية العمل الضروري لإنتاج الحياة، وستزيد من إمكانية تفرغ البشرية لقضايا التطوير والنهوض بالمجتمع أكثر.
أعربت الصين بوضوح سياسة وتمويلا وتنظيما من خلال الأطر العلمية أنها ستكون القوة الرائدة في مجال إنتاج الآلة الذكية وإدخالها في الإنتاج الواسع خلال العشر سنوات القادمة. وبذلك تكون الصين خارج دائرة “الخوف” من الآلة الذكية لأنّ احتمالاتِ تطور المجتمع الصيني نحو اشتراكية محققة، مفتوحةُ الأفق، وهذا ما يشكّل أحدَ أهم التمايزات في عالم اليوم ما بين رجعيةٍ عالمية تتمثل بالقوى الإمبريالية، وقوى صاعدةٍ تعتمد على العلوم في النهوض بنفسها. فالصين أعلنت ما سمته الاقتصاد القائم على الابتكار الذي لا يتم توظيفه في صالح النهب والاستعمار والتدمير، بل الزراعة والتصنيع الدوائي والآلات الحديثة والاتصالات المتقدمة.
ليس في العالم اليوم تماثل، بل صراع وخلاف جوهري حول مصير البشرية، حيث تكون الصين وروسيا والشعوب عامة في موقع الدفاع عن مصير المجتمع البشري في وجه قوى الحرب العالمية التي كانت تستمع بدور النهب والقتل بينما بقية العالم ومعه كل البشرية تتجه نحو الكارثة...فمقولة إما الاشتراكية أو الفناء صارت التمييز بين المواقع التي تشغلها الدول والقوى والأحزاب اليوم.

  • العدد رقم: 334
`


محمد المعوش