الصين تقود الثورة التكنولوجية الخضراء

 

تكثر تصريحات المسؤولين الغربيين وعدد كبير من الناشطين البيئيين حول كمية الانبعاثات التي تبثّها جمهورية الصين الشعبية، والتي تعتبر الأكبر في العالم اليوم إذا ما قيست بحجم انبعاثات كل دولة. لكن هذا المقياس هو غير موضوعي إذ لا يمكن مساواة حصة الدول من الانبعاثات دون النظر إلى عدد سكانها، بحيث تكون للصين البالغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة حصة مساوية للبنان ذي الخمسة ملايين نسمة. وإذا اعتمد معيار الانبعاثات بالنسبة لعدد السكان، تصبح الصين من الدول المتوسطة في حجم الانبعاثات بحيث تبلغ كمية الغازات الدفيئة المنبعثة بالنسبة للفرد فقط نصف ما تنتجه الولايات المتحدة الأميركية بالنسبة للفرد وأكثر قليلاً من الانبعاثات الفردية في الدول الأوروبية، وبذلك تكون الصين على مسافة كبيرة من الدول الملوّثة الكبرى. لكن، علينا النظر أيضاً إلى معيار آخر، وهو المعيار التاريخي. فالصين بدأت ثورتها الصناعية عملياً منذ حوالي 3عقود، فيما قامت دول مثل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة بضخّ الانبعاثات منذ الثورة الصناعية الرأسمالية أي منذ أكثر من 150 عاماً، وبالتالي فقد راكمت انبعاثات هائلة أكثر مما تبثّه دول صاعدة حديثة مثل الصين أو الهند بأشواط كبيرة.

عليه، وبالاعتماد على معيار الانبعاثات للفرد، وعلى التراكم التاريخي للانبعاثات، تبقى الدول الرأسمالية الغربية هي المصدر الأكبر للتلوّث البيئي الذي يؤدي إلى زيادة درجة حرارة كوكب الأرض بشكل واضح ومتسارع اليوم.

وعلى الرغم من ذلك، تقود الصين في السنوات الأخيرة ثورة خضراء غير مسبوقة في مجال استعمال الطاقة المتجدّدة الشمسية والهوائية والمائية وكذلك النووية، إلى جانب استثمارات هائلة في بنى تحتية صديقة للبيئة مثل القطارات وسكك الحديد. لقد تعهّدت الصين في خطاب ألقاه رئيسها عبر الفيديو في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2022 بأن تصل إلى قمة انتاجها من الانبعاثات في العام 2030، ليبدأ من بعدها الانخفاض السريع حتى تصل إلى صفر انبعاثات كربونية بحلول العام 2060. ويشكّل التعهّد الصيني هذا خرقاً كبيراً لوقف التدهور الحاصل في موضوع الاحتباس الحراري لتحذو حذو الدول الأوروبية في هذا الموضوع، فيما تسير الولايات المتحدة بالاتجاه المعاكس إذ انسحب الرئيس السابق ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، ولم يلتزم الرئيس الحالي بايدن بأي خطوات جديّة لخفض انبعاثات بلاده التي تضع أولوية الربحية والإنتاج الاقتصادي قبل أي شيء آخر.

يعتبر هذا التعهّد من أهم البيانات الصادرة حديثاً حول السياسات البيئية المرتبطة بالاحتباس الحراري. وتبقى العبرة في التنفيذ العملي له، علماً أنّ الصين دأبت في العقود الأخيرة على تحقيق الأهداف المعلنة في خططها، وأحياناً على تحقيقها قبل الموعد المخطط له في الكثير من المشاريع، وهذا ما يحمل معه تفاؤلاً كبيراً في موضوع خفض انبعاثات الغازات الدفيئة.

 

الطاقة المتجدّدة

تقوم الصين بتنفيذ مشاريع هائلة غير مسبوقة في أي دولة أخرى في مجال الطاقة النظيفة. ففي الفترة الممتدة بين العامين 2020 و2022، وضعت الصين على الشبكة الكهربائية قدرة إنتاجية جديدة من مصادر متجدّدة تبلغ 140 جيغاواط (وهي كافية لإنارة أكثر من 100 مليون منزل). تتخطى هذه الكمية من الطاقة المتجددة كل الطاقة المتجدّدة التي وضعتها الولايات المتحدة وكل دول الاتحاد الأوروبي ال27 والهند مجتمعين في السنوات نفسها! وأتى الجزء الأكبر منها من طاقة الشمس ثم طاقة الرياح، فطاقة السدود المائية في المركز الثالث ثم المصادر الأخرى.

وفي العام 2023، يدخل مشروع هائل لإنتاج الطاقة الشمسية في صحراء في مقاطعة منغوليا الداخلية حيّز الإنتاج، ليشكل مزرعة الشمس الأكبر في العالم مع قدرة إنتاجية تبلغ 80 جيغاواط، تكفي لإنارة 60 مليون منزل. وعلى صعيد مجمل الطاقة الشمسية المقدر تشغيلها في العام 2023، فهي تبلغ 3 أضعاف ما جرى تركيبه في العام السابق، بحيث سيدخل إلى الشبكة الكهربائية في عام واحد مصادر طاقة شمسية جديدة تفوق كل ما وضعته الولايات المتحدة في الطاقة نفسها في كلّ تاريخها. ومن المقدر أن يستمر النمط التصاعدي في انتاج الطاقة الشمسية بحيث تتضاعف الإضافات الجديدة في العام 2024 عن العام 2023، ليصبح الإنتاج الجديد الذي سيضاف إلى الشبكة حوالي 250 جيغاواط أي ضعفي كل ما وضعته أميركا من طاقة شمسية على الشبكة طوال تاريخها.

أما على صعيد تصنيع ألوح الطاقة الشمسية، فالصين أنتجت في العام 2021 أكثر من 80% من ألواح الطاقة على الصعيد العالمي، حيث تمّ تركيب حوالي 36% منها في الصين والباقي تمّ تصديره ليتم تركيبه في مختلف دول العالم. وهذا يعني أنها ليست فقط الدولة الأولى التي تقوم بإنشاءات الطاقة الشمسية، بل هي الدول الأكثر إنتاجاً لها لاستعمالها في دول العالم الأخرى. على سبيل المثال، تولت الشركات الصينية بناء مزرعة طاقة شمسية ضخمة في الأرجنتين بقدرة 300 جيغاواط، ودخلت إلى حيز الخدمة في تموز من العام 2022 بعد أن تراجعت الشركات الأميركية والأوروبية عن الاستثمار بها.

وفي مجالات الطاقة النظيفة الأخرى، صارت الصين الدولة الرائدة في إنشاء مزارع الرياح، وتحديداً تلك التي يتم إنشاؤها في البحر حيث يكون الهواء أسرع مما هو عليه في البرّ. ففي العام 2021، وضعت الصين على الشبكة الكهربائية قدرة إنتاجية من طاقة الرياح البحرية تفوق تلك التي وضعتها كل دول العالم مجتمعةً على مدى خمس متتالية، ليصل إنتاجها إلى نصف مجمل الطاقة العالمية من الرياح البحرية.

وبحسب مقالة نشرت في مجلة الغارديان البريطانية مؤخراً، ستتزايد قدرة الصين من طاقة الشمس والرياح إلى الضعفين بحلول العام 2025 بعدما كان مخططاً أن يحصل ذلك في العام 2030، ما يعني تخطي القدرة الفعلية التنفيذية الخطط النظرية الموضوعة لها.

 

الطاقة النوويّة

على الرغم من هذه الزيادات الهائلة في إنتاج الطاقة النظيفة، لا تزال الصين تنتج الجزء الآخر من طاقتها غير المتجدّدة بشكل أساسي من محطات الفحم الحجري المعروف بأنها الأكثر تلويثاً. لكن الصين تحاول معالجة ذلك بتنمية الإنتاج من محطات الغاز الطبيعي والمحطات النووية، الأقل ضرراً على البيئة عموماً. فمن ضمن الخطط الطموحة التي يجري تنفيذها، تشكل مشاريع الطاقة النووية التي يجري تطويرها في الصين الآن نصف مجمل مشاريع الطاقة النووية قيد التنفيذ في العالم. تشير المعطيات إلى أن 19 مفاعل نووي جديد كان يجري تنفيذه في العام 2021، فيما كانت هناك 43 محطة تنتظر المباشرة في التنفيذ فيما توجد مشاريع ودراسات مستقبلية ل 166 محطة نووية أخرى، من بينها محطات تكنولوجية جديدة من الجيل الرابع التي لا تحتاج إلى تبريد مستمرّ من خلال المياه الجارية.

هذا الاستثمار الهائل في الانتقال إلى الطاقة المتجدّدة يتيح للصين أن تقود ثورة تكنولوجية خضراء خلال السنوات المقبلة. وهي تستثمر أموال ضخمة لتحقيق ذلك تفوق ما تستثمره معظم الدول الأخرى بالنسبة إلى ناتجها المحلي، وتفوق بأضعاف ما تستثمره الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الأكبر حجماً. تشير دراسات علمية إلى أنّ هذا التخفيض الذي تقوم به الصين من إنتاج الغازات الدفيئة سيساهم بالتقليل من ارتفاع معدلات الحرارة الناجمة من الاحتباس الحراري بحوالي 0.3 درجة مئوية خلال العقود المقبلة، وبالتالي تكون من الدولة القليلة، إلى جانب بعض الدول الأوروبية، التي تقوم بجهد وتخطيط واستثمار فعلي لمكافحة الاحتباس الحراري الذي يهدّد كوكب الأرض في المستقبل القريب.

 

تشجير واسع النطاق

عملت الصين على تنفيذ عمليات التشجير الواسعة منذ عقود، حث تضاعفت مساحة الغابات من العام 1980 حتى اليوم، حيث زرعت الصين في هذه الفترة أشجاراً أكثر من أي دولة أخرى في العالم. لقد أعلنت منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن مساحة الغابات في الصين زادت بمعدل صافي سنوي يبلغ حوالي 2 مليون هكتار (20 ألف كم مربع) أي ضعفي مساحة لبنان في كل سنة بين 2010 و2020. وتحل أستراليا خلف الصين بالمركز الثاني لكن بمساحة تصل فقط إلى ربع ما قامت به الصين. وعلى الرغم من ضخامة هذا التوسع، ومن تفرّد الصين في صدارة دول العالم في التشجير، رفعت الحكومة الصينية الهدف المطلوب في العام 2021 إلى 3.6 مليون هكتار أو 36 ألف كم مربع سنوياً أي أنّها ستزيد من مساحة الغابات ما يفوق مساحة دولة بريطانيا كلها خلال سبع سنوات. وبناءً على هذه التطورات صارت الصين من الدول الأساسية من حيث مجمل مساحة الغابات خلف كل من روسيا والبرازيل وكندا والولايات المتحدة.

 

وسائل نقل صديقة للبيئة

  سيتيح توسّع الإنتاج الكهربائي المتجدّد الهائل للصين أن تؤمن الطاقة النظيفة لكل سكانها، وبعدها لكلّ صناعتها. ولكن الأهم أن كل وسائل النقل في الصين ستتجه إلى كهرباء، من قطارات وسيارات وباصات وغيرها، ليصبح قطاع النقل قائماً على الكهرباء النظيفة فينخفض استهلاك الوقود الأحفوري بشكل هائل خلال عقود قليلة. ومن أهمّ ما تقوم به الصين اليوم هو تشجيع إنتاج السيارات والباصات الكهربائية، فمع اعتماد النقل على الكهرباء وإنتاج الكهرباء على الطاقة المتجدّدة، يكون قطاع النقل قد أصبح صديقاً للبيئة بشكل كبير. وفي هذا المجال، وضعت الصين هدفاً أمامها هو تحقيق نسبة مبيع من السيارات الكهربائية تصل إلى 20% من مجمل السيارات الجديدة في العام 2025، لكن ما حصل هو أنّها حققت هذه النسبة في العام 2022، وستحقق نسب أعلى في السنوات اللاحقة. وبالمقارنة، كانت حصة السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة تنحصر ب 5% من مجمل السيارات الجديدة التي بيعت في العام نفسه. يمكن للصين القول بكلّ ثقة أن السيارات الكهربائية لم تعد سيارات المستقبل بعد الآن، لأنّها صارت سيارات الحاضر حيث تنتج الصين سيارات كهربائية أكثر من مجمل باقي دول العالم.

ومن المؤشرات الهامة أيضاً هي مدى الاستثمار العام المحقق في مجال الباصات الكهربائية، حيث وصلت نسبة الباصات الكهربائية المستعملة في الصين إلى 98% من مجموع عدد الباصات الكهربائية المستعملة في العالم، لتكون الرائدة في هذا القطاع من النقل على المستوى الدولي من دون منازع.

وكما في السيارات والباصات، كذلك في مجال القطارات السريعة إذ حققت الصين قفزة نوعية هائلة من العام 2007 حيث كانت تفتقد عملياً لشبكات القطاع السريع وصولاً إلى العام 2022 عندما صار دول سكك الحديد السريع التي تربط المدن والبلدات الصينية يساوي حوالي 40 ألف كم أو ما يوازي محيط كوكب الأرض. وأصبح مجمل الرحلات في القطار داخل الصين يتخطى 3 مليار رحلة سنوياً، ليوّفر وقتاً طويلاً من السفر بالسيارات وليخفّض من التلوث الذي تسببه الرحلات الجوية عدا عن توفير المال والكلفة.

 

حول الانبعاثات

على الرغم من كون الصين تقع في صدارة الدول التي تقوم ببثّ الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي حالياً، لكنّها، كما أوردنا سابقاً، بالنسبة لعدد سكانها، فهي من الدول ذات الانبعاثات المتوسطة وتبث نصف ما تبثّه أميركا بالنسبة للفرد، عدا عن العامل التاريخي التراكمي الذي يضع دول الغرب في صدارة الانبعاثات الموجودة في غلافنا الجوي اليوم من دون منازع.

لكن من وجهة نظر أخرى، الانبعاثات التي تبثّها الصين ليست ناتجة عن استهلاك محلي يقوم به شعبها. فمع تحوّلها إلى مصنع العالم، قامت الشركات الغربية الكبرى بنقل جزء كبير من أعمالها، وخاصة الصناعية إلى الصين. كما تقوم الصناعات الصينية بتصنيع منتجات استهلاكية هائلة ليجري استهلاكها في أوروبا وأميركا. وبالتالي، تعتبر الانبعاثات الناجمة عن تصنيعها ومن ثم استهلاكها، ذات ارتباط موضوعي بالاستهلاك العالمي. فإذا نظرنا إلى الاستهلاك الصيني وحده، لكانت الصين من أقل دول العالم تلويثاً وفق هذه المعايير، أمّا التلوث الناتج عن التصنيع فيها فهو مرتبط أكثر بالاستهلاك الحاصل في الدول الرأسمالية الكبرى. ففي العالم المعولم اليوم، ما يجري طلب استهلاكه في دولة ما يتم تصنيعه في دول أخرى بنسبة كبيرة، وبالتالي تقع المسؤولية الأولى في هذا الإطار على الاستهلاك المفرط والمبالغ فيه الذي تقوم به الطبقات الغنيّة بشكل خاص في الغرب، قبل أن تقع على بلدان الإنتاج أو على الطبقات التي لا تكاد تستهلك ما يكفي ديمومة حياتها.

تقود الصين اليوم ثورة تكنولوجية خضراء تكسر كل مقاييس ومعايير انتاج الطاقة النظيفة حول العالم، ومع استمرار هذه السياسيات، ستردم الصين الهوّة بينها وبين الدول الأوروبية الرائدة في خفض نسب الانبعاثات. ففي حين حققت بعض الدول الأوروبية نسب تتخطى نصف حاجتها أو أكثر من الطاقة من مصادر متجدّدة، تكاد هذه الدول لا توازي سكان مدينة أو مقاطعة في الصين، التي تواجه تحدي أكبر على مستوى مضاعف بعشرات المرات من أي منها. ومع تسجيل الأرقام القياسية السنوية خلال السنوات القليلة الماضية، تصل الصين اليوم إلى إنتاج ثلث حاجتها الكلية من الطاقة من مصادر متجدّدة على الرغم من استمرار اعتمادها في الجزء الآخر على نسب عالية من استهلاك الفحجم الحجري شديد التلويث. وعلى المسار نفسه، ستصل الصين خلال عقد آخر إلى نسب توازي النسب الأوروبية، وتعادل في مجموع انتاجها الكلّي الهائل كل ما قامت به القارة الأوروبية مجتمعةً من تطوير مصادر طاقة خضراء على مدى عقود طويلة.

هي قفزة هائلة في أكبر دول العالم سكاناً وأكبرها إنتاجاً وتصنيعاً، وفي وقت سريع ومختصر، وستوازي في أهميتها وسعتها بعد سنوات كل ما فعلته دول العالم الأخرى في هذا المجال على مدى عقود.