هل هناك ضرورة لوجود حزب شيوعي في لبنان؟

0
0
0
s2smodern

يعتبر لبنان من الدول العربية القليلة التي ينشط فيها عشرات الأحزاب السياسية. ولو طرحنا السؤال عن ضرورة وجود كل هذه الأحزاب في لبنان، لكان الجواب أنه لا حاجة لها جميعاً، لا بل بدونها، لكنا توصلنا الى طرق لمعالجة العديد من مشاكلنا اليوم، مثل النهب المنظم وتطييف الحياة السياسية وتخلف العمل السياسي؛

وبالتالي تخلف الاقتصاد اللبناني وما ينتج عن ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية يتحملها الشعب اللبناني.
هل ينطبق هذا على الحزب الشيوعي اللبناني؟ ولم نطرح هذا السؤال بعد 93 سنة على تأسيس هذا الحزب؟
بمجرد إلقاء نظرة سريعة على تاريخ الحزب النضالي، نجد أن هذا السؤال من البديهيات ولا حاجة لطرحه. فالحزب الذي شملت نضالاته كل الميادين، من معركة الاستقلال وصولا الى سلسلة الرتب والرواتب، مرورا بنضالات الخمسينيات والستينيات حول الجامعة اللبنانية والضمان الاجتماعي وقانون العمل، وبمقاومة الاعتداءات والاحتلال الاسرائيلي (خاصة في ال 1982)، وإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وكذلك دوره الأساسي في الحفاظ على وحدة لبنان وعروبته في وجه مشاريع التقسيم الفاشية، أصبح هذا الحزب في السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من كل التحركات الشعبية والمطلبية، من حملة إسقاط النظام إلى هيئة التنسيق والحراك الشعبي.
الا ان سؤال الضرورة حول الحزب الشيوعي نابع من مكان آخر.
فلبنان والشعب الذي يعيش فيه يعاني العديد من المشاكل التي لم يتمكن النظام الحاكم بكل أحزابه من حلها، لا بل كان في كثير من الأحيان هو سبب وجودها نتيجة لاتباعه سياسات إقتصادية واجتماعية متخلفة. فضرورة الحزب الشيوع0ي تكون مرتبطة بمدى حاجة الشعب اللبناني إلى هذا الحزب من أجل التخلص من هذه المشاكل، وبالتالي فإن ضرورة وجود الحزب ترتبط ببرنامجه لتغيير الواقع، وللنهوض بهذا البلد وبالتالي للإجابة عن أسئلة الشعب اللبناني، وبالأخص سؤال "شو بدنا نعمل"؟
فإذا حمل الحزب برنامجاً واضحاً (أي عملي وعلمي) للتغيير أصبح وجوده ضرورياً، وبالتالي أصبح حزبا جاذبا متجددا مناضلا. وأي شيء عكس ذلك، فهذا يجعل من الحزب حزبا موجودا، ولكن ليس حزباً ضرورياً، أي أن هذا الوجود او عدمه لن يؤثر بشكل حاسم في مسيرة التغيير، ولن يشكل خطرا على نظام التخلف الحاكم في لبنان، وبالتالي لن يكون وجوده لازماً بالنسبة للشعب اللبناني.
في السنتين الأخيرتين، تمكنت من الإطلاع على التجربة الصينية من الداخل، وذلك بسبب وجودي لفترات متقطعة في هذا البلد. ومن المعروف أن التجربة الصينية على مستوى الإنتقال من التخلف إلى التقدم، من التبعية إلى الحرية، من الفقر إلى الرفاه، تعتبر واحدة من أغظم التجارب التي شهدها ويشهدها العالم، وطبعا لن يكون هناك مجال لنقاش هذه التجربة في هذا المقال، إلا أننا سنعطي الصين كمثل حول ضرورة وجود حزب شيوعي.
قبل الثورة كانت الصين بلدا مقسماً تحكمه العصبية العائلية والقبلية التي كان يغذّيها الاستعمار، كما أنها كانت محتلة من قبل العديد من الدول الاستعمارية، وبخاصة من اليابان وبريطانيا. كان الصينيون يعاملون كمواطنين درجة ثانية أو أقل في بلدهم. على سبيل المثال، كان البريطانيون الذين احتلوا شانغهاي يكتبون على مداخل الحدائق العامة "لا يدخلها الكلاب والصينيون". اما اليابانيون فقد مارسوا كل انواع الجرائم بحق الشعب الصيني إلى أن تمكن هذا الشعب وبقيادة الحزب الشيوعي الصيني من انتزاع حريته عبر المقاومة المسلحة التي أنهت الوجود الياباني في الصين ووحدت البلاد لأول مرة في دولة واحدة وهي التي نعرفها اليوم باسم جمهورية الصين الشعبية. وقد كان ثمن معركة التوحيد حرب طويلة مع القوميين الذين كانوا يتلقون دعما من الولايات المتحدة والاستعمار القديم منعا لسيطرة الحزب الشيوعي.
ما يهمنا من التجربة الصينية، هو كيف تمكّن شعب عانى كل تلك المعاناة من الاستعمار والاحتلال والانقسام، من فك تبعيته عن الاستعمار، وبنى بلدا، أصبح في وقت قياسي أحد أهم اقتصاديات العالم، وانشأ بنى تحتية تخدم حوالي مليار ونصف مليار إنسان. والأهم من ذلك أنه لم يكن بحاجة في عملية البناء هذه إلى احتلال أي بلد، أو استعمار أي منطقة من العالم، مما دفع العديد من الباحثين إلى إطلاق اسم "اقتصاد السلام" على النموذج الصيني، في وجه "اقتصاد الحرب" على اقتصاديات الدول الاستعمارية وبخاصة الولايات المتحدة، التي بنت كل ثروتها على حساب دماء الشعوب، بداية من السكان الأصليين، وصولاً إلى الحرب الدائرة في سوريا.
إن الصين بنت كل ذلك من خلال حزب حكم الصين بعقل تحرري ووضع خطط النهوض والبناء، ومن خلال شعب آمن بهذا الحزب، ووضع كل طاقاته في سبيل إنجاح هذه الخطط، فكان العمل ليلا نهارا، دون ما توقف، وكانت الصين الشعبية، التي لم تخض أي حرب توسعية أو استعمارية في كل تاريخها الحديث. لذا فإن وجود الحزب الشيوعي الصيني، الذي يملك برنامجا لتغيير القائم، كان ضرورة لتحرر الشعب الصيني من الاستعمار وفك كل ارتباط به، وبالتالي كان ضرورة لنهوض الصين وتطورها وتقدمها.
أمّا في لبنان، و بالرغم من وجود الحزب الشيوعي على مدى 93 سنة، فلم نتكمن إلى اليوم من فك الارتباط مع الاستعمار، وكسر علاقة التبعية التي تحافظ على تخلف لبنان، وبالتالي فنحن لم نتمكن من النهوض بالبلد. هل يستدعي ذلك سؤال ضرورة الوجود؟ برأينا نعم، بعد مرور كل هذا الوقت وتقديم كل تلك التضحيات والنضالات، لا بد من طرح هذا السؤال.

الإجابة على السؤال:

كما كان الحزب الشيوعي الصيني ضرورة لنهوض الصين وتحرر الشعب الصيني بما يحمله هذا الحزب من فكر تقدمي وتحرري، كذلك الحال بالنسبة إلى الحزب الشيوعي اللبناني. هذا الحزب هو الوحيد القادر على قيادة الشعب اللبناني نحو التحرر من كل تبعية للاستعمار. فهو يحمل فكر التحرر هذا، وتصب ممارسته على مدى كل السنين الفائته في هذا الإطار، وهو الوحيد القادر على توحيد اللبنانيين وربما السوريين والفلسطينيين من أجل التقدم وبناء نظام اجتماعي اقتصادي نقيض لنظام التخلف الذي نعيش فيه اليوم، نظام مقاوم للاستعمار ولافرازاته السرطانية مثل اسرائيل وداعش وغيرها. إلّا أن مشكلة برنامج الحزب هي ببقائه في العموميات، دون الخوض في التفاصيل العملية. وعلى الرغم من وجود الكثير من المساهمات في العديد من القضايا، إلا أن ذلك ليس كافياً، وبدليل أننا لم نتقدم بشكل ملحوظ في معركة تغيير النظام. وبما اننا نطرح سؤال الضرورة، فهذا يدفعنا للبحث في الهدف الأساسي للحزب ولعمله في هذا الميدان، أي تغيير النظام، واستلام السلطة. أما العمل في القضايا الأخرى، وعلى أهميتها، فهو يأتي جوابا على سؤال الوجود وليس الضرورة.

فضرورة وجود الحزب الشيوعي الصيني نابعة من تمكنه من إنتاج خطط النهوض والتحرر، ممّا جعله يستثمر في طاقات الشعب الصيني وكان له ما أراد. واليوم في عيد الحزب الشيوعي اللبناني ال 93، هل سنطور خططنا لنكون على مستوى تحدي انتزاع السلطة من البرجوازية اللبنانية؟ هل سنطرح للشعب اللبناني قضايا محددة ضمن خطط واضحة؟ هل سنطرح حلاً جذرياً لمشكلة الكهرباء؟ لمشكلة النقل، السكن، العمل، الصحة، الدين العام؟ هل سيسمح الحزب لناهبي المال العام من البرجوازية اللبنانية أن يسرقوا اموال الشعب اللبناني في ثروته النفطية؟ ماهي خطتنا العملية في هذا الإطار؟ وكيف سنواجه هؤلاء السارقين الذين فشلوا في كل ما يتعلق بالتنمية والتطوير، ونجحوا بدرجة ممتازة في السرقة وباعتراف أسيادهم في البنك الدولي؟ بإختصار، هل سنتبنى خطاً سياسياً جريئاً، مبني على قراءة التحولات الحاصلة في العالم، وبالأخص على مستوى أزمة الامبريالية الاميركية، وصعود أقطاب عالمية جديدة ومنها الصين على سبيل المثال، فهل سيكون لنا خطوات على "طريق الحرير"؟ ألا يكمن خلاص شعوبنا لناحية التحرر والتنمية من خلال فك الارتباط التخلفي مع الاستعمار والتوجه شرقا نحو مبادرات "السلام التنموية"؟

منذ حوالي السنة قدم الحزب بيانه الوزاري البديل، ويمكن لكل مطلع على هذا البيان أن يجد أجوبة عامة على هذه الأسئلة. إلا أن الشعب اللبناني يحتاج الى أكثر مما هو عام، فالعام لا يعطي حلاً عملياً للإشكاليات، وعندما نطرح انفسنا كبديل لا بد من النظر إلى الواقع، وبالتالي طرح حلول عملية لهذا الواقع. فعلى سبيل المثال، كيف سنحل مشكلة الكهرباء؟ هل سنعتمد على الفيول كما هو حاصل اليوم؟ هل سنستأجر بواخر كما هو حاصل أيضا؟ ام سنتحول الى إنتاج الكهرباء عبر مصانع تعمل على الغاز الطبيعي، وبالتالي من سيبني هذه المصانع وأين؟ نحتاج إلى تفاصيل في كل قضية وبالأخص الأساسية منها. والتفاصيل لا تعني كثرة الكلام، بل تعني التكثيف كي يقتنع بنا الشعب الذي نتوجه إليه. فالثورة البلشفية التي نحتفل بمئويتها اليوم، اعتمدت مثلاً على فكرة أساسها "خبز كهرباء سلام علم"، وكان الإنتاج والازدهار، فماذا سنقول نحن؟ يجب أن يصل كلام الحزب إلى الناس، ولن يصل إلا عندما يتحول إلى مهام مباشرة، وبرأينا الى أولويات نعتقد ان ما ذكرناه من قضايا هنا، تصلح لأن تكون هي اولوياتنا.

أخيراً، من المؤكد أن الحزب سينظم مهرجاناً شعبياً في ذكرى تأسيسه. وهذا الحزب الذي أثبت على مرّ كل هذه السنين أنه حزب الشعب قولا وعملا، عليه أن يقول كلمة الشعب اليوم، كلمة واضحة: "من يمس بثروتنا النفطية سنواجهه بكل ما نملك من إمكانات مواجهة، هذه الثروة ملك للشعب اللبناني، ونحن نملك خطة لإدارة هذه الثروة. وكل من فشل في قيادة البلد على مدى السنوات الماضية يجب أن يحاسب ويرحل إما إلى البيت أو السجن. والإصرار على النهب سيواجه بالقوة، ويد النهب والسرقة التي ستمتد إلى ثروتنا النفطية سنقطعها، صهيونية كانت أم لبنانية."