رداً على "رسائل من جمهورية الموز"

0
0
0
s2smodern

 لماذا الرد؟

لطالما كان للكاتب "عامر محسن" أفكار ومقالات نختلف معها، وكان له أيضاَ الكثير منها نتفق معه بها، ولكن كان الكاتب دائماً يظهر لنا أنه مستعد لاستخدام كل الوسائل للدفاع عن قضية مقتنع بها، وهي "قدسية" حزب الله. فكان نقده العلمي للنظام اللبناني يقف دائماً أمام معضلة الخطوة التالية، أي كيف نغير النظام؟ فتراه أمام عتبة الخطوة التالية يتوجه سريعاً إلى التشويه بالمعترض على النظام، أو الدعوة إلى اعتماد أساليب فوضوية للتصدي لمهام الخطوة اللاحقة، فيكون بذلك قد حقق هدف التشويه نفسه، أي قتل الخطوة اللاحقة وإنهاء أي تهديد لسلطة النظام اللبناني ومن ضمنه حزب الله، ظناً منه أنه بذلك يحمي المقاومة.
بناءً عليه، ولأن مقال الكاتب كُتب لخدمة هذا الهدف غير النبيل، كان لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات، وإظهار بعض ما يتضمنه هذا المقال من تناقضات، هي بالضبط التناقض الذي يقع به الكاتب بين عجزه عن نقد حزب الله وبين عدم قدرته على الدفاع عن القائم.

يعبّر الكاتب بشكل واضح في مقاله أنه لو "و كان صوتي يصنع فارقاً في هذه الدّورة، أو كان هناك أدنى أمل من المنظومة... كنت أدبّج المقالات حتّى أشوّه الخصم وأفتري عليه "، بهذا المعنى، وبما أن كاتبنا العزيز مقتنع بعكس ذلك، فهذا يعني أنه يستخدم أسلوب التشويه والافتراء مع قوى الاعتراض، وبالتالي فإن الافتراء على أصحاب الحق لا يمكن لأحد ان يجعله حق بحد ذاته، فسيبقى تشويهاً وإفتراء، لذا فالمقال كان واضحاً أنه يبتدع الافتراءات والتشويه، فكان ينتقل بشكل غريب ودائم إلى خلاصة واحدة، أن المعترضين اليوم على السطة (وهو يسميها "المقاومة" لضرورات تبرير التشويه والافتراء، ففي كل مكان يستخدم مصطلح "المقاومة" بدلاً من إستخدام مصطلح السلطة، وهذا طبعاً بهدف التشكيك بالمعترض وتجهيز أرضية "تكفيره"، وهذا أسلوب يعتمده النظام نفسه، أو للدقة جانب حلفاء حزب الله منه) هم إما عملاء للسفارات أو أناس فاشلون لا يمكن الوثوق بقدراتهم على التغيير، وبالتالي يدعو الناس لعدم الوثوق بهم والالتفاف حولهم.

قبل الدخول بتفاصيل المقال لا بد من الاتفاق على بعض القضايا، أولاً يحاول الكاتب دائماً كما بيّنا سابقاً، الربط بين المقاومة والسلطة، وهذا ما نرفضه تماماً، لا بل نرفض الجمع بين حزب الله الذي هو جزءٌ من النظام السياسي اللبناني، والذي يشترك في كل دوائر السلطة والمحاصصة، وبين المقاومة، ففي معظم البرامج الانتخابية لقوى الاعتراض، هناك تفريق بين هاتين المقولتين، وهناك تأكيد على حقنا بالمقاومة المسلحة اولاً، ومن ثم باقي الأساليب، كما أن الحزب الشيوعي حسم هذا النقاش على المستوى الفكري منذ سنوات طوال، حتى قبل وجود حزب الله، حيث إعتبر أن الصراع ضد العدو هو هو الصراع الطبقي. من هنا كان تلازم مهام التغيير والتحرير، أما مقولات حزب الله مثل "لكم الاقتصاد ولنا المقاومة" فأثبت الزمن أنها مقتل للمقاومة أولاً، وهي أحد أهم أسباب حصارها ومحاربتها.

ثانياً، لا شك أن تطوير خطاب قوى التغيير هو أمر هام وضروري، وكذلك تطوير أدواتهم وأساليبهم، وهذا ما نتفق مع الكاتب حوله، بالاضافة الى بعض عناوين "برنامج الحكم" التي طرحها الكاتب، والتي تحصل بعد إستلامنا الحكم وليس قبله، ولنا عودة إلى هذه العناوين.
ثالثاً، لا شك أن عنوان المجتمع المدني هو عنوان فضفاض، وأن عملية "الفرز" ستكون ملازمة بشكل دائم لعملية الاعتراض، وطبعاً هناك أفراد ومجموعات لديهم أجندات مشبوهة، وهؤلاء يكون دورهم محدود جداً في أي حراك، إلا أن بعض الإعلام ولأهداف بمعظمها تصبّ في مصلحة النظام يقوم بالترويج لهكذا جهات. إلا أن الملاحظ هنا أن كاتبنا العزيز، وضمن منطق الافتراء والتشويه نفسه، يعمل على شيطنة أي حراك إعتراضي، إن ضمّ هذا الحراك أشخاصاً أو مجموعات من الذين وصفناهم، ويتهم حينها "المنظومة" كلها بأن هدفها النيل من "المقاومة"، ولكن ينسى كاتبنا أو يتناسى، بأن أقرب حلفاء "المقاومة" يأكلون ويشربون في السفارات الاوروبية والاميركية، ورئيس التيار الوطني الحر لديه علاقات وتصريحات لم يصرّح بها أكثر الناشطين عداءً للمقاومة. لذا فمن غير المقبول أن يتم تصنيف الناس والتحركات المعترضة بهذه الصفات فقط لأن شخصاً ما أو مجموعة بينهم لديها أجندات مشبوهة، بخاصة وأن هذه المجموعات يكون العمل جاري دائماً من أجل عزلها، بينما "المقاومة-السلطة" التي يدافع عنها الكاتب تتحالف وتحمي وتحفظ تمثيل أعدائها الحقيقيين بالكلام والممارسة. (هل هناك داعي للحديث عن إنتخابات الفروع في نقابة المهندسين والتحالف "المقدس" بين حزب الله والقوات والمستقبل... اليسوا "أعداء" للمقاومة هؤلاء، كيف يتم التحالف معهم؟!)

"النزعات الانركية"
كان لافتاً كيف أن الكاتب بدأ مقاله بالتبرأ من الفكر "الانركي-الفوضوي"، ولو أن الكاتب إعترف بأن ما يحكم فكر مقاله هو هذا الفكر بالتحديد لما توقفنا كثيراً عند هذا الموضوع، لأن من حق أي إنسان إعتناق الفكر الذي يقتنع به، وبالتالي من حقنا تحديد الموقف منه، إلا أن حال الكاتب كان كحال "المجرم" الذي يرتكب جريمة، ويبقى يحوم حول مسرحها، فيكشف نفسه بسهولة.
في المقال العديد من الافكار والنظريات والدعوات التي تعتبر من أشد النزعات فوضوية (فوضوية أو انركية أو لا سلطوية، برأينا النتيجة واحدة، لذا سنستخدم هذه المصطلحات كمضمون واحد)، وهي طروحات تساهم بتدمير أي تحرك هادف للتغيير. يبدأ الكاتب بالفقرة الاولى برفض مبدأ "السلطة" معتبراً أنه لا يريد "سلطة جديدة، يسلّطها "الناشط"، تُضاف الى تلك التي تقف في الطابور لتتحكّم بجسدي وإرادتي وتخبرني ماذا يجب أن أفعل"، فعدا عن أن الكاتب يناقض نفسه بهكذا تصريح "لا سلطوي"، السؤال يكمن في أنه هل هناك ثورة تقدمية في التاريخ الحديث نتج عنها "لا سلطة"؟ أم ان الحرية الشخصية التي يقدّسها كاتبنا والتي تشمل "التحكم بالجسد والإرادة والعمل"(من تشبه هذه الافكار) أهم من أن ننقذ شعباُ بكامله وبالأخص الطبقة المحرومة المستَغَلة فيه من إستغلال وتخلف الطبقة الحاكمة، إلا ان كاتبنا يطالبنا بالتوقف عن محاولات التغيير وطرح البديل لأن ذلك من الممكن أن يزعج "بريستيجه" ويغير له نمط حياته الذي تعب على تكوينه بين الأحياء الفارهة في بيروت والولايات المتحدة.

الخطير في هذه النزعات والدعوات الناتجة عنها، ان الكاتب يربط بين التغيير والفوضى، فهو من جهة يرفض الانتخابات كأداة للتغيير، ومن جهة أخرى يدعو الفقراء لتغيير واقعهم بالقوة، ولكن يدعو إلى رفض سلطة بديلة، فهذا يعني بما يعنيه (سيكون لنا عودة إلى تفاصل هذه المواضيع) ان الكاتب يدفع الناس الى فوضى، لن ينتج عنها إلا دمار مشروعهم التغييري، وإعطاء النظام أسباب لقمعهم وإبادتهم، وبرأيي هذه دعوات غير بريئة إن سلمنا بأن كاتبنا لديه من القدرة على التحليل تجعله لا يقوم بهكذا دعوات عن طريق الهفوة، وهي غير بريئة لأنها تخدم أول ما تخدم النظام المتخلف، ثانياً وبالاستناد الى الفكر الذي يحكم مقال كاتبنا، يصبح من المؤكد أن هذه دعوات غير بريئة، وبخاصة أن كاتبنا لا يستطيع التمييز بين السلطة و"المقاومة"، فبالنسبة له نقد الأولى هو نقد للثانية.


"العنف هو الحل"؟!
في بداية المقال أشرنا إلى مجموعة من عناوين "برنامج الحكم" التي طرحها الكاتب في مقاله، وقلنا إننا نوافق الكاتب عليها (الغاء الديون، النزف الاقتصادي، النظام المالي والضريبي...)، السؤال الآن يكمن في كيفية تحقيق هذه الاهداف، فرفيقنا العزيز يرفض الانتخابات كأداة للتغيير، فهل هي دعوة للسلطة لتنفيذ هذه العناوين؟ لا أعتقد، وهل هي للمعارضة؟ إن كان الجواب نعم، فكيف يحصل ذلك؟ بالعنف مثلا؟
إستكمالاً لتحليل نزعات الكاتب، لا شك في أن من يعارض في لبنان وبخاصة - الشيوعيون - ستغريهم شعارات مثل "أصل الى السلطة بساعدي"، أنا أذكر مثلاً في مرحلة من المراحل، كنت أعمل على تعداد كلمة "عنف" في كتابات ماركس وانجلز ولينين، كي أستخدمها في النقاشات كتدليل على أن العنف هو الحل، وأذكر أن في "البيان الشيوعي" وحده أحصيت تكراراً لهذه الكلمة ومرادفاتها عشرات المرات، ومع الوقت لم أتخلَ عن هذه الأفكار، ولكن تمكنت من إنتزاع المضمون الفوضوي منها، ووضعها في إطارها الثوري، بمعنى أن تغيير الواقع القائم لا يكون باسقاطات ووصفات جاهزة ممكن ان تنجح في مكان وتفشل في آخر، بل الفكر الثوري يحكّم علينا دراسة واقعنا بشكل علمي ومن ثم إنتاج أدوات وأساليب التغيير، وكذلك الخطاب المناسب لهذه العملية، ولا شك ان كل ذلك سيخضع لتغييرات مستمرة خلال تطور هذه العملية.

بناءً على ما سبق، يأتي السؤال الضروري، كيف يمكن تحويل شعار الكاتب حول "أنا أصل الى السلطة بساعدي"؟ وكي لا يتم تأويل وتفسير كلمة "ساعدي"، فالكاتب أرفقها بشرح عن حادثة حصلت مع "هادي العلوي"، ويقدمها كنموذج على دعوته لأخذ السلطة بالقوة، فهذه العبارة هنا تعني وبشكل واضح أنه يدعو للحصول على السلطة بالعنف (وهو بالمناسبة يرفض السلطة البديلة)، لذا فالسؤال الذي يطرح، هل هذا ممكن في بلد مثل لبنان؟ بالأخص وان الكاتب يوصف لبنان بأنه "بلد مزحة"(يصف الرفيق الفوضوي "أسعد ابو خليل" لبنان بأنه "مسخ الوطن" وهذا توصيف يعجبني، ولكن هل توصيف "بلد مزحة" يمت الى العلمية بصلة؟ وكيف ممكن البناء على هكذا توصيف؟)، ففي تعقيدات لبنان يصبح تغيير النظام بالقوة متاهة، لا بل يصبح ورقة بيد النظام والكتاب المدافعين عنه كحال كاتبنا في هذا المقال للقول كل من موقعه بأن من يقومون بالعنف هم عملاء ويعملون لدى السفارات وبأجندات خارجية، وكان كاتبنا ليخرج يومها بنظريات مشابهة عن مؤامرة على المقاومة وأعداء المقاومة. كيف سيتمكن من قول ذلك؟ تابعوني، ببساطة واستناداً إلى الفكر الذي يحكم مقال الكاتب، سيقوم بالتشويه والافتراء على من يقومون بالعنف، لماذا؟ لأن من يقومون بالعنف سيقومون به ضد السلطة، وحزب الله وحلفاؤه جزءٌ من هذه السلطة، وهذا يعني بأن كاتبنا سيعتبر ان هذا التحرك موجّه ضد حزب الله، وبالتالي وبما انه لا يميّز بين حزب الله السلطة والمقاومة، سيعتبر بأننا نمارس العنف ضد المقاومة، وبالتالي سنعود للنغمة نفسها، وهي أننا أعداء المقاومة وتحركّنا السفارات... وتصبح إقتراحات كاتبنا العزيز في مأزق، وتصبح عبارة عن شعارات صحيحة ولكن من يطرحها، يطرحها ضمن المنطق الفوضوي، أي يطرحها ليقتلها مما ينتج عنه عدم تحقيقها، وبالتالي يكون بذلك خدمةً للسلطة (من حيث يدري او لا يدري) التي يدّعي أنه يريد حلها بطريقة راديكالية "ثورية متثورة".

عن الانتخابات ومعايير المشاركة فيها
يعتبر الكاتب ان تحديد الموقف من الانتخابات لا علاقة له بالنظريات والتجريد، فهو يحدّد الموقف منها بناءً على مجموعة من المعايير، أولها أن يكون "لصوتك الامكانية في صنع الفارق"، ومع العلم أنه يعتبر أن الديمقراطية اليوم هي "ديمقراطية عددية"، إلا أنه ينتظر الى أن يصبح لصوته الامكانية في صنع الفارق، ولكن منطق الأعداد لا يعمل بطريقة الانتظار، فإن كان العدد خارج العملية الحسابية لن يكون له أي قيمة لا اليوم ولا بعد الف عام، لذا وبلغة الارقام، من المعروف أن الصفر لا يصنع أي فارق خلال إضافته الى غيره من الأرقام، ويمكنه فعل الكثير خلال ضربه بغيره، حتى لو كان الرقم الذي يواجهه أكبر منه بكثير(وهذا حال كتّاب السلطة- مدّعي "الراديكالية"، انهم كالصفر تحاول السلطة ضربه بمجموع المعارضة)، أما كل ما هو غير الصفر، فهو قابل للزيادة من خلال عملية تراكمية، فمن هنا، قيمة صوتك تكمن في إستغلاله في المكان الصحيح، ولو أن الجميع فكّر كصديقنا الكاتب، أي صفرياً، لما كان لهذا التراكم ان يحدث، لذا فإن قيمة الصوت الواحد تكمن في تكامله مع غيره من الأصوات، فيشكلون سوياً قوة هي قوة التغيير نفسها، ومن هنا كان شعار مثل "صوت واحد للتغيير" بمعنى فلتتحد كل الأصوات في جبهة واحدة لتتمكن سوية من صنع الفارق والتغيير، وهذا طبعاً مناقض للفكر الفردي الذي إستخدمه الكاتب عند الحديث عن رفضه لمبدأ السلطة. أما الفكر الجماعي الذي يصبح فيه الفرد هو الكل والعكس صحيح، هو ما نتحدث عنه. إلا أن ما يثير الاستغراب الموقف الملتبس للكاتب حول فكرة الانتخابات، فهو من جهة ضد الانتخابات كفكرة، ومن جهة أخرى يستخدم هكذا معيار ساقط نظرياً وعملياً لتبرير عدم المشاركة، ولكن باعتقادي أنه يستخدم هكذا معيار لحثّ الناس على عدم المشاركة، من خلال القول بأن صوتكم كأفراد لا قيمة له، وبالتالي لن يكون له أي تأثير، لذا فلا ضرورة للمشاركة، وبالتالي يكون كاتبنا قد قدّم قسطه للعلى، ودافع بما يملك من قدرات عن هذه السلطة-المقاومة، من خلال إحباط الناس ودفعهم للانكفاء عن عملية التغيير.
أما المعيار الثاني الذي يحدّده الكاتب، فهو "عدم تساوي أصوات المواطنين"، ويعتبر بناءً عليه ان الانتخابات في هذه الحالة تعتبر بأكملها زائفة وباطلة، وبالتالي فإن المشكلة في قانون إنتخاب غير عادل. ان كل ما ورد هنا صحيح، فقوانين الانتخابات اللبنانية لطالما كانت مزّيفة وغير عادلة، فهي تُصنع دائماً على قياس تجديد النظام القائم وتأبيده، وواحدة من أهم معارك قوى الاعتراض منذ عشرات السنوات كانت فرض قانون إنتخاب عادل وعصري، قائم على النسبية والدائرة الواحدة وخارج القيد الطائفي، وهكذا قانون لا شك أنه سيكون تهديداً حقيقياً للقوى المهيمنة على السلطة في لبنان، ولكن تكمن المشكلة ان إقرار هكذا قانون هو في يد من هم ضده، لذا فإن النضال من أجل خلق موازين قوى جديدة تفرض هكذا قانون هو الحل، هذا إن سلمنا بأننا نريد أن نسلك هكذا خيار للتغيير، أي عبر الانتخابات وليس عبر ساعد الرفيق الراديكالي الفوضوي (الانتخابات ليست الخيار الوحيد للتغيير طبعاً، ولكن بظروف لبنان الحالية هي كذلك، وقبل أن تتغير هذه الظروف أي طرح غير ذلك سيكون تهوراً ومغامرة لن تستفيد منها إلا السلطة نفسها. هل هذه المهمة سهلة؟ قطعاً لا، ويمكن القول بأنها الأصعب على الاطلاق، فبتحقيق هكذا مطلب تكون قد أنجزت أكثر من نصف عملية التغيير، ولا ننسى طبعاً أن الحركة الوطنية اللبنانية كانت تعمل على إقرار هكذا قانون إنتخابي ضمن نضالها للتغيير الديمقراطي، وبنت لذلك موازين قوى تنظيمية وشعبية ضخمة جدا، وكانت على أبواب تحقيق أهدافها بالتغيير الديمقراطي، ولكن الخيار الأخير للنظام كان إفتعال الحرب من أجل تأبيد سيطرته، وأثبتت الأحداث، انه بالرغم من حرب الخمسة عشرة سنة، وبالرغم من أن الجهة التي غنتصرت نسبياً بالحرب هي التي كانت أقرب الى مشروع الحركة الوطنية، وبالرغم من أن الدستور يتكلم عن هكذا قانون انتخاب، إلا أننا الى اليوم لم نحصل عليه بعد، لذا فما كان من قوى التغيير إلا أن ترفع هذا الشعار مجدّداً (لدي رأي خاص حول كيفية بناء موازين قوى جديدة، وكنت قد عبّرت عن وجهة النظر هذه في احدى مقالاتي في جريدة الاخبار)، وتسعى لتحقيقه، وهنا يتناسى كاتبنا أن معظم التحركات الشعبية التي حصلت في لبنان مؤخراً كانت تتحول سريعاً الى تحركات سياسية وترفع هكذا شعار، وللمفارقة أن أول حديث جدي بقانون الانتخاب النسبي حصل بعد حراك إسقاط النظام الطائفي سنة 2011، وطبعاً السلطة لم تطرح هذا النسبية للنقاش لأنها تناسبها، بل لأن التحركات ومراكماتها حتى وصلنا للحراك الشعبي الأخير وفرض عليها هذا النقاش، والدليل أن قوى السلطة اليوم في مأزق إنتخابي في الكثير من الدوائر، وذلك بالرغم من أنها هي من أنتجت هذا القانون المشوّه الذي يحمي الحد الأقصى من ديمومتها.
بالعودة الى المعايير، فبالرغم من مبدئيتها بالنسبة الى الكاتب، إلا انه يؤكد انه كان مستعداً للمشاركة في إنتخابات 2009، وذلك عندما "كانت هناك مواجهة سياسيّة حقيقية، وضرورة فعليّة لمحاصرة العملاء وأعداء المقاومة"، مع العلم ان في 2009 إعتمد قانون الستين، أي القانون الاكثري الذي يعتمد القيد الطائفي، فكيف يمكن أن يكون "لصوتك قيمة" وتأثير في مثل هكذا قانون؟ وبالمناسبة، الكاتب تحدث عن انه كان ينوي التصويت للرفيق أسامة سعد للقيام بعملية المحاصرة هذه، إلا أن امكانية نجاح أسامة سعد في 2009 كانت شبه مستحيلة، وذلك بفضل قانون الانتخابات الذي أُقرّ في إتفاق الدوحة و"المقاومة" كانت شريك – اذا لا نريد أن نقول صاحبة القرار - بإقراره، والذي ضمن الدوامة نفسها أعاد محاصرة المقاومة وأوصل فؤاد السنيورة الذي كان رئيس حكومة "قرارات 5 أيار" الفتنوية الى البرلمان، وخسر أسامة سعد بوجهه بفارق 9500 صوت، وهذا طبعاً لأن حزب الله هو جزءٌ من توازنات السلطة، ولا يمكنه تخطي هذه التوازنات لأسباب عديدة، وهكذا توازنات سلطوية هي من تهدّد المقاومة وتحاصرها بشكل فعلي وحقيقي، أما من يناضل من أجل كسر هذه التوازنات وبالتالي بناء نظام بديل، فهو من يسعى لتحصين المقاومة، لا بل لبناء نظام مقاوم لا نظام محاصصة طائفية ينتج أول ما ينتج عملاء لاسرائيل، ومشاريع مستسلمين ومتآمرين، وللاسف بمعايير كاتبنا هم حلفاء وشركاء في سلطة التخلف مع "المقاومة" ضمن مبدأ "لكم الاقتصاد ولنا المقاومة"(الكاتب يعاير احدى اللوائح بأنها تتعاون مع أحد المرشحين الاقطاعيين في الجنوب ومع احدى المجموعات المشبوهة، وهذا برأيه طبعاً سيؤدي الى حصار المقاومة و...، لكن ينسى كاتبنا العزيز، ان "المقاومة-السلطة" لم تخلُ لوائحها يوماً من الاقطاع القديم من آل عسيران والخليل وغيرهم ومن "الاقطاع الجديد"(مما يشكو النائب فتوش مثلا؟) أيضاً الذي نهب أموال وحقوق أهل الجنوب والبقاع، وينسى أيضاً أن "المقاومة-السلطة" لطالما تحالفت مع المشبوهين والعملاء في ال 2005 وال 2009، وهي أيضاً تشاركهم السلطة وتمرر لهم كل ما يساعد في محاصرتها...
بالعودة الى الانتخابات والى أسامة سعد كمثال، فكما قلنا، في ال 2009 كان من المستحيل أن ينجح، وكان الكاتب متحمسّاً للتصويت له، اما اليوم فإن إمكانية فوز أسامة سعد كبيرة جداً، وكل صوت هو ضرورة وممكن أن يحدث فرقاً، والأهم من كل ذلك، يبرّر الكاتب حماسته لأسامة لأنه الوحيد الذي وقف وصمد بوجه التحريض الطائفي والمالي، وهو من جهة أخرى ينتقد احدى لوائح المعارضة "البديلة" انها تحمل "خطابٌ يتكرّر للمرّة الألف عن "الطبقة السياسية" وضرورة تحدّيها وتغييرها وإلغاء الطائفية ومكافحة الفساد، وفي الكادر التلفزيوني مجموعة من الأشخاص الوقورين، وكلّهم في مراحل مختلفة من الاحتضار"، وبالمناسبة هذا نفسه خطاب أسامة سعد في وجه السلطة في صيدا في 2009 وهو نفسه خطابه اليوم، فهل يتم محاصرة أعداء المقاومة من خلال التصويت لأسامة فقط؟ أم التصويت لأسامة وما يمثله من خط سياسي وبالتالي التصويت لهذا الخط، أم يحدث ذلك بعيداً عن الخط السياسي؟ ولماذا الخطاب الطائفي لأعداء المقاومة يضر بها، بينما عندما يستخدمه حلفاؤها يصبح رفضه عمالة أو "خطاب مكرر" ومرفوض وأصحابه في "مرحلة الاحتضار"؟

أخيراً في موضوع قانون الانتخاب، يتحدث الكاتب بلغة تهكمية عن "الحرب" التي يمكن أن تحصل في لوائح المعارضة، وذلك بسبب الصوت التفضيلي الذي أقرّ ضمن قانون الانتخاب، فهو يعتبر أن الصوت التفضيلي لا يشكل مأزقاً للوائح السلطة أو اللوائح القوية، بينما يشكل مشكلة حقيقية للوائح المعارضة، والتي سيكون خرقها للوائح السلطة بمقعد أو مقعدين في أحسن الأحوال. يبدو أن الكاتب لم يفهم آلية عمل الصوت التفضيلي بشكلٍ جيد (وهذه مشكلة كبيرة لأنه بنى على ذلك نظريات وإستنتاجات "مصيرية")، فهذا التفضيل هو عملياً مشكلةً حقيقيةً للوائح السلطة، وهذا ما دفع جبران باسيل مثلاً للمطالبة بصوتين تفضيلين وليس واحداً بعد مدة من إقرار القانون، أما لوائح المعارضة ولأنها تعتمد على الخرق، فالصوت التفضيلي لن يكون له أهمية أبداً، بل من الممكن أن يفوز بالمقعد الذي تحصل عليه هذه اللوائح صاحبة أقل صوت تفضيلي (لا مجال لشرح كيفية حصول ذلك في هذا المقال بسبب ضيق المساحة، ولكن يمكن لأيٍّ كان الاطلاع على شرح القانون الذي قدّمه الحزب الشيوعي للاطلاع أكثر على هذه العملية).

المعارض والثوري والاختبار القياسي
يكاد لا يمرّ سطر واحد في المقال دون ان يقيّم الكاتب تصنيفات وتوصيفات من نوع العميل والمرتهن والثوري والناشط، حتى يصل الى إستخدام الاختبار القياسي لانتاج تصنيفه العام للناس، ويصل بنتيجة ذلك إلى أن كل من يفشل في تحقيق ما يسعى اليه، ولا يستسلم فهو بذلك شخص يرتزق مما يقوم به، وليس من مصلحته تحقيق الهدف الذي يطرحه، ويعطي على ذلك أمثلة منها حركة فتح. حسناً، فلنعد للتاريخ ونبحث عن ثوريين حقيقيين إستسلموا لخيبات الأمل، فهل نجدهم؟ قطعاً لا، ويمكنني القول ان كل الثوريين والثورات تعرضت لخيبات ونكسات في البدايات، ونجاحها كان مرتبطاً بعدم الاستسلام والنهوض مجدداً وتكرار المحاولة والمراكمة على التجربة والتعلم من الأخطاء، فهل كانوا بذلك مرتزقين (بالمعنى الانتهازي للكلمة) مما يقومون به؟ أما صديقنا هنا، فهو يطرح لنا نوعاً آخر من "الثوريين"، اؤلائك الذين ينكسرون من النكسة الأولى، اما "المرتهنون" فبرأيه هم الذين لا يستسلمون، عجبي.

في غياب السياسي
يدعو الكاتب في أكثر من مكان الى "التفكير سياسياً"، وكأنه يقول دعونا من الاكاديمية وللنظر نظرة ثورية الى الواقع، وسريعاً يبدأ منهجه هذا بالسقوط، ف"الراديكالي الثوري" اللاسلطوي يحدّثنا عن جمال منزل مخزومي وذوقه الرفيع والاطلالات التي يضمها هذا المنزل، ويشير في مكان آخر الى شبهاته حول الرجل، ومن جهة أخرى يتحدث الكاتب عن "الحزب العصري"، وينسج نظريات عن حروب أهلية وغيرها، ويصل الى إستنتاج "ثوري" أنه أين المشكلة إن كان هذا الحزب يلبي حاجات جمهورٍ تجذبه "شعارات "العصريّة" وغياب الايديولوجيا والصّورة الجميلة التي تعاكس نمط السياسة التقليدي في لبنان"، الجواب أنه طبعاً لا مشكلة في ذلك، ولكن المشكلة الحقيقية في ما تدعونا إليه من إستخدام للتفكير السياسي والثوري تحديداً، وأيضاً لعدم نسيان الاقتصاد السياسي أثناء عملية نظرتنا للواقع، فمع كل هذه الأدوات هل ينتظر الكاتب منا بأن نقول له "حسناً لا مشكلة، ولا حاجة للنضال لتغيير الوعي السائد، فليبقَ كل شيء على ما هو عليه، ولتبقَ أدوات السيطرة الطبقية مهيمنة على الوعي، ولا حاجة لكسرها؛ فطالما أننا ثوريون ونفكّر سياسياً، لا دخل لنا كيف يفكر الآخرون وما الذي يجذبهم، "لهم دينهم ولنا ديننا" والله يهدي من يشاء، ونكون بذلك قد مارسنا فعلا فكرنا السياسي الثوري الراديكالي...أيضاً عجبي.
في هذا الاطار أيضاً، يتحدث الكاتب عن غياب لأي تيار سياسي يتوجه فعلياً للفقراء في خطابه ونشاطه، ويعتبر أن كل التحركات الشعبية خلال السنوات الماضية كانت تتوجه للطبقة الوسطى حصراً، وذلك في إعادة لطروحاته في مقال أثناء الحراك الشعبي عام 2015. من الواضح أن الكاتب لا يفرّق بين برنامج الحكم والبرنامج الذي يوصلك الى الحكم، فالثاني سيتضمن عناوين الأول ولكن كهدف إستراتيجي، أما الأول فلن يتضمن أي عنوان من عناوين الثاني، لأنك تكون قد أصبحت في الحكم. لذا وبهذا المعنى، هناك برنامج نضالي ستعمل من خلاله على مراكمة الانجازات من جهة وبناء موازين قوى للوصول الى السلطة من جهة أخرى، ولخدمة هذه الأهداف تتحدد عناوين هذا البرنامج، والذي هو بالضرورة موجه بالدرجة الاولى الى الفقراء، ولكن كيف نحدد من هم الفقراء ومن هم الطبقى الوسطى، فهذا أمرٌ لا أعتقد أن بمقدورنا الحديث عنه هنا، ولكن سنعطي بعض العناوين التي رفعت في المرحلة السابقة، وهنا لا بد من الاشارة الى أنه بالمعنى السياسي لا يمكن فصل ما هو وطني عن ما هو خاص، أي ان قضية الكهرباء هي قضية عامة فعلاً، ولكنها بالمعنى السياسي تصبح قضية الفقراء ضد الطبقى الحاكمة، وكذلك النفايات والنقل العام وقانون الايجارات والنظام المالي والضريبي وسلسلة الرتب والرواتب، وأيضاً الحد الأدنى للأجور والجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي والحق في التغطية الصحية الشاملة والنقل...

خاتمة: ثورة أم غزوة؟
بعد وصفه للحي الراقي الذي كان يعيش فيه لأيام الجامعة، ووصفه للطبقة التي تعيش ذلك الحي، وبعد إقامة مقارنة مع احوال الناس الذين يعيشون في الضاحية، يدعو الكاتب مجدداً للتفكير سياسياً ويطرح السؤال التالي " كم تبقّى من الوقت قبل أن ينقضّ أولئك على هؤلاء؟ وما الذي منعهم حتّى اليوم؟». وحين يحصل ذلك، لن يهمّ ساعتها لمن صوّتوا في الانتخابات. ماذا ستفعل يومها؟" (الجملة الثورية الرنانة).
ونحن أيضاً نسأل، ماذا سيفعل هؤلاء عندما يأتون الى حيّك الراقي؟ أي "سلطة بديلة" سيفرضون في ثورتهم هذه؟ وإن لم يفرضوا أي سلطة بديلة فهل ستكون ثورة أو غزوة في حال إستخدموا نظرياتك لرفضك للسلطة البديلة؟ فبهذا المعنى هل سينهبون ما تصل إليه أيديهم ويعودون الى مواقعهم سالمين، دون فرض أي بديل سياسي بمعنى نظام حكم بديل ينهون من خلاله السيطرة الطبقية للطبقة التي تعيش في حيّك الفاخر؟ وبالمناسبة، بالعودة الى الطبقة الوسطى، هل أهل الضاحية هم بمجملهم محرومون بحسب تصنيف كاتبنا، أم إنهم بمعظمهم سيصنفون طبقة وسطى إن إستخدمنا معاييرك للطبقى الوسطى؟ ولكن السؤال الأهم، ماذا سيفعل كاتبنا الراديكالي يومها؟ هل سيعتبرهم أعداء للمقاومة ويتم تمويلهم من السفارات لأنهم إنتفضوا على نظام نهبهم وأفقرهم وهجّر أبناءَهم وانهم، بالأخص وأنه من المؤكد سنرى في مقدمة تحركهم بعض الانتهازيين الذين يتقدّمون الصفوف فقط لكي يأتي أمثال كاتبنا ويسقطوا كل شرعية عن التحرك. فماذا ستكتب يومها؟