كي لا تتكرر الحرب الاهلية

0
0
0
s2smodern

 13 نيسان 1975، ذكرى أليمة للبنانيين. وكالمعتاد تتكرّر معها على ألسنة المسؤولين كل عام، الجملة نفسها "تنذكر وما تنعاد"، وتصبح نوعاً من الطقوس.

كأن الحرب الاهلية التي امتدت اكثر من 15 عاماً، وألحقت بلبنان واللبنانيين أبشع المآسي وأكبر الخسائر، هي مجرد صدفة أو غيمة عابرة، لا علاقة لها بالأوضاع اللبنانية وعوامل التناقض والانقسام المقيمة في بنية النظام السياسي الطائفي وسلطته. وكثيراً ما جرى ترداد انها حرب الآخرين على ارضنا. وتنمّ هذه الأفكار والأراء، إما عن قصور وجهل لأسباب الحرب وإما بقصد طمس الأسباب الداخلية التي يستوجب كشفها، العمل لاستئصالها بإزالة المرتكزات الطائفية للنظام، الذي تنتج طبيعته الطائفية، الانقسامات والتناقضات والحذر بين اللبنانيين، وتبقي على الحواجز بينهم، فيستمر الوضع الداخلي حاملاً بذور التوتر والصراع والحروب الأهلية، بالاضافة الى إبقاء لبنان مفتوحاً على تدخلات ومفاعيل العوامل الخارجية.
ومع بقاء هذا المشهد الداخلي المذكور، هل بالإمكان القول بانتفاء آثار الحرب الاهلية واستخلاص العبر والدروس لمنع تكرارها؟
بالطبع لا تكفي هنا النوايا والرغبات الحسنة لتستقيم الأمور. ومع ان من المهم جداّ رفض اكثرية شعبنا الساحقة عودة الحرب، لكن ما دامت اسباب الانقسامات والصراعات الطائفية قائمة في صلب بنية النظام وسلطته، لا يمكن انتفاء العوامل والاسباب الداخلية للحرب، وتقليص دور العوامل الخارجية في بلدنا. وها هو النظام السياسي نفسه، قد ازداد اليوم اهتراءً وعجزاً، وانتشر الفساد وعدم المحاسبة، واستمر هدر المال العام، وازدادت المديونية، واحتدمت الأزمات الاقتصادية الاجتماعية، واتسع الاستياء الشعبي، وتستمر التناقضات بين اطراف الطبقة السلطوية، ومنها تناقض المواقف حيال سلاح المقاومة ودورها بدوافع ومنطلقات طائفية، في وقت تتواصل فيه تهديدات اسرائيل بالحرب على لبنان، والاعلان عن مطامعها في ثروتنا البترولية المكتشفة. وكل ذلك بدون توفير السلاح الحديث القادر على ردع عربدة اسرائيل اليومية في اجواء لبنان، بما في ذلك استخدام هذه الأجواء لتنفيذ اعتداءات حربية على سوريا. وقد وصل بلدنا نتيجة كل هذه المشكلات والتناقضات إلى حافة الإفلاس. ومع ان مؤتمر سيدر المنعقد الأسبوع الماضي في باريس، قد جمع قروضاً للبنان بـ"11 مليار دولار، تضاف إلى المديونية الضخمة على بلدنا وشعبنا الصغير وابنائه وحتى احفاده، فإن انعقاده قبل اسابيع قليلة من موعد الانتخابات النيابية في 6 ايار المقبل، يحمل في طياته دعماً اوروبياً وخارجياً للطبقة السلطوية لتجديد مواقعها ونظامها القائم. هذا علماً ان العبرة في التنفيذ وكيفيته، وفي محاربة الفساد والهدر الذي هدر واستنزف عافية شعبنا وبلدنا.
ولا بدّ هنا من الاشارة، إلى ان ما كان يُعرف عن لبنان قبل الحرب الأهلية، من انه سويسرا الشرق، ليس في جمال طبيعته فقط، وانما في مستوى معيشة معظم اللبنانيين ونمط حياتهم، الذي كان متقدّماً عن غيرهم في المحيط العربي، كان اقرب الى قشرة سطحية تغلّف نظاماً سياسياً متخلّفاً، يقوم على اساس كيانات طوائف، تعود إلى ما قبل الدولة الحديثة، وتبقي اللبنانيين مجموعات حذرة ومتباعدة عن بعضها، لذلك لم تمنع هذه القشرة حصول الأزمات وتفجّر الحرب الأهلية. والمشكلة الآن هي في ان الطبقة السلطوية، متمسكة في نظام التحاصص الطائفي نفسه، برغم ما جاء في اتفاق الطائف الذي اصبح في صلب الدستور اللبناني، من ضرورة الانتقال إلى اقامة الدولة على اسس ديمقراطية لا طائفية.
"الفرادة اللبنانية" تستولد فرادات.
وفي حين ان الأزمة التي يتخبط فيها شعبنا وبلدنا، تستدعي ايجاد قانون انتخاب نسبي ولا طائفي وفي الدائرة الوطنية، لتصحيح التمثيل وإفساح المجال لدمٍ جديد في مؤسسات الدولة، وتستدعي وضوح البرامج والرؤى السياسية لسبل حلّ الأزمة، ليكون الناخب امام خيارات واضحة، نجد انهم اتوا بقانون انتخابٍ على مقاساتهم، ليستمر تشويه التمثيل الشعبي، وإعادة هيمنتهم على السلطة. وهذا ما يكشف، ان مقولة "الفرادة اللبنانية" لم تعد مقتصرة على طبيعة لبنان ومكوّنات بنية نظامه السياسي وسلطته، بل تسحب نفسها على اوجه متعدّدة للسلطة وسياساتها "المبدعة".. من حجم الفساد الذي جعل لبنان ينحدر في سلم الدول الى الدرجة 143، إلى نمط التوريث السياسي العائلي, من الجد إلى الإبن والأخت والأخ والحفيد. وكأن الدولة ملك لهم. وكأن مصيبة الطائفية الموروثة لا تكفي اللبنانيين، فتضاف اليها "فرادة" سلطة العائلات "ليكمل النقل بالزعرور".
اما الفرادة في قانون الانتخاب فهي في ندرة وجود مثيل له في العالم. وتتجلّى في طابعه الهجين بين اكثري ونسبي، وبتجزأة بلدنا الصغير الى 15 دائرة، في كل منها أكثرية لطائفة معينة، ليبقى البلد مجموعة جذر واجزاء، خارج المناخ التوحيدي للوطن، والتمثيلي لوحدة الأمة... وهو مناقض للديمقراطية، يحرم الفرد من حق الترشح إلا على خانة طائفة... ويقوم على التمييز بين اللبنانيين ربطاً بحصص الطوائف وتبعاً لأحجامها المتفاوتة .. والنسبية هنا ولدت مشوّهة. ويأتي الصوت التفضيلي ليجعل التنافس والتناقض بين من جرى جمعهم في لائحة واحدة، حتى إذا كانوا على انسجام سياسي، وتبرز مظاهر الفرادة ايضاً، في تغييب المعيار السياسي وانتفاء البرامج وطغيان طابع الوصول كيفما كان، وكأن اعضاء اللوائح الانتخابية اشبه بركاب قاطرة يجمعهم الوصول إلى المحطة... فلا مبادئ، ولا صالح عام وطني واجتماعي. وهذا مناقض تماماً لوظيفة الانتخابات التي يهدف اجراؤها بالأساس، إلى إبراز ارادة الشعب وخياراته حيال القضايا والشؤون التي يواجهها، ومحاسبة من هم في مواقع السلطة، كي لا تكون الانتخابات طقساً فولكلورياً أو عملاً رقمياً وروتينياً لا أكثر.
ان تغييب السياسي الطاغي في الانتخابات اليوم، هو بحد ذاته هدف سياسي مقصود من جانب الطبقة السلطوية، التي اوصلت البلاد الى مستنقع الأزمات المتفاقمة، وشمولها مجالات وقطاعات شعبية كبيرة. وان اعتمادها هذا القانون الانتخابي المعقد، يرتبط ايضاً بخشيتها من اتساع الاستياء الشعبي من ممارساتها وفسادها، وعجزها عن تلبية حتى اكثر الضرورات الحياتية الملّحة للناس، مثل الكهرباء والمياه والصحة والسكن ومشكلة النفايات. وتأتي ظاهرة تكاثر المرشحين لتيار الاعتراض لتدلّ على الرفض الشعبي الواسع للحالة القائمة، وللطبقة السلطوية. لكن صعوبة تجميع وتوحيد قوى الاعتراض هذه، من اسبابها حداثة تجربة هيئات المجتمع المدني، واختلاف مستوى الاعتراض، بين من يكتفون بتحسينات جزئية، او بانتقاد أداء السلطة، وبين هدف التغيير الذي يشمل النظام الطائفي وسياسات السلطة التي فاقمت الأزمات، إضافة الى دور من يعملون لعرقلة جمع قوى التغيير في مواجهة الطبقة السلطوية.
ان خلطة اللوائح واحتوائها متباينين ومتناقضين سياسياً، لا ينتج تمثيلاً حقيقياً للشعب. فالمواطن الذي ينتقي مرشحاً او اثنين في لائحة معينة، سيُحتسب صوته لمصلحة كل اللائحة، التي من بين اعضائها من لا يريد التصويت لهم. والخطأ هنا ليس في مبدأ التصويت للائحة وإنما في غياب الانسجام السياسي والبرامج للوائح، كي يأتي انتخاب اللائحة انتخاباً لبرنامج وخيار سياسي وليس لاشخاص متناقضين. إن الانتخابات هي محطة في مسار الصراع السياسي، تتيح للمواطن القيام بدوره في المحاسبة والاختيار، ولقوى التغيير امكانية توسيع وتعزيز الصلات مع الناس، والعمل المشترك معهم، لاستنهاض الدور الشعبي والعمل النضالي من اجل التغيير الديمقراطي، وبناء دولة المواطنية والعدالة الاجتماعية، والإنماء المتوازن... الدولة القادرة على مجابهة وردع اعتداءات وتهديدات اسرائيل. ومثل هذا النهج التغييري الذي يزيل نظام وسياسات الإنقسامات العامودية الداخلية، ويعتمد قانون انتخاب على اساس النسبية والدائرة الوطنية خارج القيد الطائفي، هو السبيل لتغيير يحقق وحدة داخلية صلبة، واستقرار وسلم اهلي راسخ، ومنع تكرار الحروب الأهلية.