نهجان لا ثالث لهما

0
0
0
s2smodern

ربّما يكون أفضل ما تصنعه هذه الانتخابات النيابية هي تظهير استحالة الوسطية: السلطة أو نحن، لا ثالث لنا.


وفي رفضنا للسلطة والتحالف معها، ليس رفضاً لمن هم كأشخاص وأحزاب في البرلمان و\أو مجلس الوزراء، بل هو رفض لمن يحمل نهج النظام الرأسمالي، أي من هم في السلطة في هذا العالم.

نعود في حديثنا عن النهج إلى "نهج" رفيق الحريري، الذي بقي ينبض حياً، حتى بعد موت صاحبه، من حيث السياسات الاقتصادية للدولة اللبنانية حتى السياسات المدينية. فربّما أوقح ما بقي لنا من تركة الحريري، وأقساه على قلوبنا وجيوبنا، هو وسط المدينة، والذي أصبح تحت سيطرة شركة خاصة"سوليدير"(المؤسسة اللبنانيّة لتنمية وإعادة إعمار وسط بيروت) وصار يُعرف باسمها. لكن "سوليدير" بالتأكيد، ليست الإرث الوحيد.
فأول مظاهر تركة الحريري هي في اتباع ما أمكن من سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي دون أي نقد. في حين لا تُخفى النتائج الكارثية لسياساتهما على أحد (حتى على هاتين المنظمتين بالذات، اللتين أصدرتا عدّة تقارير تتحدث عن فشل سياساتها في أغلب بلدان الجنوب)، يستمر حملة نهج الحريري - من حزبه وحلفائه حتى الأحزاب الطائفية المعارضة له- بالنظر إلى هاتين المنظّمتين بعينين حالمتين بارقتين كطفل ينظر إلى حلوى في الدكان.
نبدأ بسياسة تهميش الدولة بل استصغار دورها وقيمتها وتأثيرها، عبر إزاحة الإدارة العامة في لبنان عامّة عن كل ما يتعلّق بالخدمات، وخاصة كل ما يتعلّق بالبنى التحتية وإعادة الإعمار والتخطيط. أوّلها، تسليم الأمر في كل ما يتعلّق بالتخطيط المديني لمجلس الإنماء والإعمار وهي إدارة تتبع مباشرة لمجلس الوزراء، بكل ما يعنيه ذلك من تمركز للسلطة. كما استكمل ذلك بعقود تلزيم لمؤسسات خاصة، لتصبح مسؤولة عن ورشة إعادة الإعمار كاملة، وتُدخل إلى وعي الناس تقبّل مفهوم خصخصة المساحات العامة. أدخل الحريري عبر نهجه هذا، مفهوم حصرية المساحات، أي أنه أعلن فشل مفهوم الدولة، واستبدلها بشركات كبرى، تكون هي المؤمن للخدمات للمواطن الذي يستطيع أن يدفع. من وسط المدينة، حتى المدارس الرسمية والجامعة، من حرش بيروت حتى نادي الغولف، من المدارس والمستشفيات والنقل العام والمشاعات حتى الممتلكات البحرية، وأسعار العقارات التي أصبحت تطرد السكان خارج بيروت.
لم يكتف الحريري بذلك، بل صنع عبر مشروعه في وسط المدينة، مقياساً جديداً لرؤيتنا للمدينة. فبعد أن أصبحت المساحات العامّة غير ضرورية في المناطق وتمّ تقديم خصخصتها كالحل الأفضل لمجتمع يريد "السيطرة" على أفراده وحمايتهم، نحت هذا النهج المنظور الرسمي والشعبي لماهية الذوق العمراني. حدّدت المقاربة الترميمية لشركة "سوليدير" ماهية التراث العمراني وكيف تتمّ المحافظة عليه من جهة، وماهية العمارة المراد لها أن تكون في بيروت بعد الحرب الأهلية.
نبدأ بالتراث بحيث شرّعت سوليدير اعتبار أشكال محدّدة (كالبيت ذات القناطر الثلاث، والعمارة الكولونيالية، الخ) لتكون هي تراثنا، مشدّدة بذلك أيضاً على القصور والمباني ذات الزخرفة، بعيداً عن مباني وحارات الطبقة العاملة والفئات المحرومة.
كما قدّمت شكلاً واحداً من الترميم، ومواد محدودة (من الحجر الأبيض أو الحجر الرملي مثلاً)، ضاربةً عرض الحائط بمفهوم الترميم الإنشائي أو أولوية ترميم البنية لحماية المبنى من التهاوي، بدلاً من التركيز على الشكل فقط، بل والمحافظة على الشكل كما هو دون تغييره وتحسينه.
من ناحية أخرى، قدّمت "سوليدير" المباني ما-بعد-الحداثية، من ناطحات سحاب أو أبراج، كالشكل المراد له أن يحتلّ بيروت ككل، وهو يعني أيضاً تحديدها للطبقة التي يجب أن تعيش في بيروت (والمدن): العمارة التي يستطيع الحصول عليها أبناء وبنات الطبقة البورجوازية فقط. بإمكاننا أن نرى حقيقة ذلك، بالنظر سريعاً إلى المباني الجديدة (منذ 15 سنة حتى اليوم) بيروت، وطرابلس، وصيدا، وصور (منذ 5 سنوات)، بحيث تتكوّن أغلبيتها من الأبراج التي تستهدف الأغنياء. بمعنى أن الدولة، باتباعها لنهج الحريرية، لم تنكفئ فقط عن ممارسة دورها في تأمين الخدمات والمساكن وغيرها، بل ولقّنت السكّان بأن هذه الأمور ليست من مهام الدولة، وبأن "سوليدير" كشركة تستطيع أن تحلّ مكان الدولة في إعادة الإعمار، فإذا تستطيع شركة خاصة أخرى أن تحلّ مكان الدولة في كل شيء آخر من جهة، وبأن حقوق الناس "العاديين" لا تأتي إلّا لمن لديه\ا القدرة الاقتصادية للحصول على الخدمة، حتى ولو كانت خدمة أساسية للعيش، من مسكن وعمل ومدارس ومستشفيات. أصبح من الطبيعي عند الناس أن يروا انسحاب الدولة من كل مهامها، وتسليم زمام الأمور للشركات.
إن نظرنا ملياً إلى ما يجري في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية ووصول الحريري ومعه هذا النهج - وهو الرأسمالية بشكلها النيوليبرالي، أي أنه لم يخترعه أو يطوره، بل حمله إلى بلد لم يكن يعرفه بهذا الشكل بعد بسبب وقوعه تحت حرب أهلية- لعرفنا بأن هذا هو ما يحصل حقيقة: التطبيع مع غياب الدولة وتخليها عن دورها، وتأقلم الناس مع ما يسلب منهم من حقوق. أعلن الحريري فشل مفهوم الدولة كراعية للمواطنات والمواطنين، ودفع بالمجتمع ليصبح، في أقسى حالات التشرذم، أفراداً تحكم الوصولية علاقاتهم، ولا يصل فيما بينهم إلاّ انتمائهم للطوائف.
بهذه البساطة، هذا ما نواجه اليوم. في النهج الآخر الذي نطرحه، في البديل الذي نراه، لا يتمظهر شكل مختلف للدولة فقط، بل وبالضرورة، شكل مختلف للمجتمع وللعلاقات التي تحكمه. شكل مختلف للمدينة والقرية والمساحات الزراعية والبيئة والجبال والسهول والأنهار والشواطئ، شكل مختلف لعلاقتنا بكل ما حولنا.