الأنوية القاتلة

0
0
0
s2smodern

 (رسالة مفتوحة إلى كل من يتصرف على قاعدة: "أنا أو لا أحد")

 

"فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ"، هي من سورة "النازعات" في القرآن، وكانت في وصف فرعون، الذي طغى وتجبّر، بذاته ولذاته. ولو أن فرعوناً واحداً قد مرّ على هذه الدنيا، لتوقف الأمر عند ذلك، كتوصيف لسلوك فردي، قام به شخص نتيجة طباعه. لكن، وباستعراض تاريخ البشرية منذ البدء وحتى اليوم، نجد أن التجبّر طَبْعٌ واكب مراحل متعددة وأشخاصاً كثراً، مروا وتركوا بصمة على مسيرة التطور الإنساني وما زالوا؛ التجبر هو طبيعة إنسانية متأصلة في العديد من الأشخاص، مردها يعود إلى عوامل متنوعة، يدخل المنشأ الشخصي في بلورتها، حتى قيل " ما من رجل تكبّر أو تجبّر، إلا لذلّة وجدها في نفسه". وبهذا المعنى يكون مظهراً من مظاهر حب التغلب والتسلط على الآخرين، والشعور بعدم الاستقرار، وبعدم الكفاءة وفقدان الاعتماد على النفس...

من هذا التعريف نود المقاربة؛ أن يكون المرء أنوياً أو أنانياً، فهي صفة مرتبطة بما ذكرنا سابقاً، مع إضافات، يمكن أن يكون مردها لأسباب تتعلق بالمعطى الذي أدى لبروز هذه الصفات. من المؤكد بأن السلطة المفرطة وكيفية استخدامها والمردود الناتج منها، يشكل بكليته، المدماك الأول لبنائها. السلطة بهذا المضمون ليست واحدة بل متعددة، باختلاف مستوياتها وشكل ممارستها. من هنا تصبح الأنوية هي المحدد الوحيد لكل السلوكيات الناتجة من الشخص بذاته، كحالة فردية، وبصفته كحالة تمثل حيثية معنوية أو اعتبارية. من هذا المنطلق تتحول الأنوية إلى أنانية مشبعة بالتجبّر والإفراط في ممارسته. وعند هذا الحدّ تصبح ممارسة السلطة استبداداً أعمى لا يرى إلّا نفسه، ومن خلالها تتم مقاربة الأمور وقياسها، على الوقائع والنتائج المحققة.

إن الابتعاد عن ممارسة السلطة يجعل صاحبها أسير حالة من الرفض الضمني والإنكار الواضح للواقع الجديد أو المستجد نتيجة ظروف ما استجدت، يمكن أن يكون أحدها سوء استخدامه، هو بشخصه، لتلك السلطة، وهنا تصبح حالة الرفض تلك هي الأكثر بروزاً وفعلاً ومجاهرة. واقع ينعكس إحجاماً عن قبول أي ناتج جديد، مهما كان نوعه وتحت أي عنوان كان، ما يوقع صاحبه في الخطأ القاتل، الذي يتراكم ليصبح أسير ما يقوله وما يفكر فيه وما يمارسه، من دون أدنى اعتبار لأي آخر سواء كان شخصاً أو رأياً أو سلوكاً. وبهذه الحالة تتحول الأنوية إلى أنانية سلبية لا تجد الصفات الجيدة إلّا في نفسها، مع ما يشكله ذلك من تعامٍ مَرَضي يؤثر بشكل سلبي في كل من وما يدور من حوله.

كثيرون هم الأشخاص الذين يقعون في هذا المأزق "الكينوني"، ومن منظوره يقاربون القضايا؛ لا رأي صالحاً إلّا لهم، ولا موقفاً أو سلوكاً... يمكن أن يتقدم عليهم. يُفْرطون في هذه الممارسة حدّ المكابرة الفارغة. يقولون ويفعلون ويمارسون كما لو أنهم نقطة الارتكاز الوحيدة في هذا العالم، وحولهم تدور الدائرة وتُنسج الأفكار. هي حالة مؤذية، عندما تتعدى الإطار الضيق المرتبط بالشخص نفسه، لتُعمّم على المجموع. هذه الأذية تصبح مقصودة في حال تكرارها. من هنا يُصبح السؤال التالي أمراً واجباً، لا بل ملزماً: ماذا لو تعدى الأمر من المعطى الخاص إلى المعطى العام؟ الجواب الأكيد، أن القضية ستصبح تخريباً مقصوداً.

هذه الحالة تنطبق على كل من يمارس أنويته على مجموعة، هو جزء منها وليس متقدماً على أي من أفرادها. ممارسته تلك تصبح استبداداً، مطلوب مواجهته، بكل ما يتطلب الأمر من إجراءات حدّ الحجر على تلك العادة السيئة، التي لا تجلب إلّا الخراب والمهالك لأصحابها بالدرجة الأولى وللمجموعة استكمالاً. كما أنها في الوقت نفسه تُلغي الآخر، وهذا يعني أي رأي آخر، لمصلحة رأي واحد أحد لا شريك له، له السلطة والحكم، هو القاضي والمدعي العام والناطق بالقول الفصل. هذا الإنكار أو الإلغاء سيؤدي حتماً إلى سيادة نوع من الديكتاتورية الغاشمة التي تستبد وتقهر وتقمع باسم مصالحها من دون أي شريك آخر. وبهذا السلوك تخرج الأمور عن السيطرة لمصلحة فوضى، بطبيعتها وذاتها ستكون عامل تخريب، وعن سابق تصور وتصميم وتنفيذ، وبشكل أوضح، مقصودة.

هي حالة ستحدّ من الفكر والإبداع والمبادرة، وتعمل لسيادة القول الواحد الناتج من العقل الواحد، والمعمّم على الجميع. وبهذه الحيثية، يصبح القول فعل أمر يومياً، يُتلى ويُنشر على الملأ، وعلى الجميع الامتثال لأحكامه والسير بها. وبناءً عليه، يقتل الطموح ويعدم أي إمكانية تغيير أو تصحيح في مسار خاضع لتمرحل معين. فالتقييم سيكون ضحية إرضاء الذات المرتبطة "بالأنا" المتحكمة والحاكمة، وعلى ذلك يسود الجموح وتتحجر الأفكار ويصبح اليوم التالي تكراراً للذي سبقه، وتغدو إبداعات البشرية موادَّ مركونة على رفوف الغبار حدّ النسيان، والأفكار صدئة لن ينفع معها أي ترميم.

فإذا كان السلوك الفردي الأنوي مصدر خطر على الآخر، بغض النظر عمَّن هو، أو على القضية أو الأفكار أو السلوك أو معرقلاً له، فمن الأجدى إيقاف صاحبه عند حدّه دون تردد. ففي المسألة الخاصة المرتبطة بالأنانية المرضية يمكن أن يتساهل المرء، لأن تأثيراتها محدودة ويمكن، بالتالي، تعطيلها. لكن في حالة الارتباط بالشأن الجمَاعي المشكل لحالة ما في الحياة والمجتمع، والجامع لأشخاص أو أفكار، فيجب ساعتئذ التصدي له كعمل يتعدى الفرد إلى الجماعة، والمصلحة الشخصية إلى المصلحة العامة. فالسكوت أو التغاضي عنه سيُوصل إلى فِعل، سنصبح، في حال أغفلناه، على ما فعلنا نادمين.