الحلقة 12: حكاية رصاصات المقاومة (7) - من أوراق المقاومة

حكاية رصاصات الكرامة (7)
الحلقة (12)
من اوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

أسابيع قليلة مرّت. لا أكثر.
في غضونها، ابتلعنا العمل. تراكمت المهام كالصخور فوق صدورنا، وكانت قيادة المقاومة تعيد هيكلة نفسها وسط تعقيدات الوضع الداخلي. اتسعت المهام وتشعبت، بينما كان موعد الانتخابات الرئاسية يقترب، فتشتعل المعارك بين الأطراف المتصارعة. من حرب التحرير إلى حرب الإلغاء التي أطلقها قائد الجيش آنذاك، ميشال عون.
هذا الجو الثقيل، بكل ثقله، تهاوى على أكتافنا. فقررت قيادة الحزب العمل على إطلاق "جبهة المقاومة للتحرير والوحدة".
كُلفت – مع مجموعة من الرفاق العاملين في صفوف الجبهة – بتنظيم هذا الكيان المقاوم الجديد. كانت مهامه الأساسية تنصب داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة القوى الانعزالية، هكذا كنا نسمي "القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب" وسائر القوى اليمينية الفاشية. كان العدو الإسرائيلي يتخذ من تلك المناطق محطات خلفية له: لقيادة عملائه، والإشراف على الأعمال العدائية ضد المناطق المحررة. كما أقام فيها، بالتعاون مع عملائه من الميليشيات، مراكز تنصت تحت إشراف مباشر من جهاز مخابراته الخارجية.

في خضم هذا الجو، تلقيت إشارة تعني عودة "سجى". وتطلب لقاءً. تساءلت في صمتي: ألم يمضِ على صعودها سوى أسابيع قليلة؟
إذاً، هناك أمر طارئ. شيء ما جعلها تنزل مجدداً بهذه السرعة، طالبة لقاء.
كان مكان اللقاء وزمانه متفقاً عليهما مسبقاً، في أحد مطاعم بيروت الهادئة. في الخارج، كان القصف المتقطع لقوات عون والقوات اللبنانية يتساقط على أحياء بيروت، مخلفاً وراءه الدمار، وشهداء مدنيين، وصمتاً ثقيلاً في النفوس.
التقيتُها في الخارج. دخلنا معاً إلى المطعم.
كانت سجى هادئة. ابتسامتها الناعمة لم تفارق محياها، كما لو كانت تحمل خبراً لا يشبه حروبنا. الانطباع الأول: أنها تحمل أخباراً إيجابية. ربما نافذة تضيء هذا النفق.
كانت تحمل كيساً بيدها، يحمل اسم "مكتبة أنطوان"، تلك المكتبة المعروفة في شارع الحمراء. وضعت الكيس إلى جانبها، وأخرجت منه أشرطة فيديو مغلّفة. على غلاف كل شريط: صورة "جين فوندا"، الممثلة الأمريكية التي كانت تصدر فيديوهات للتدرب على الرياضة. وبالخط العريض كُتب على الشريط: "تعلّم الأيروبيك".
في البداية، لم أفهم شيئاً. نظرت إلى الأشرطة، ثم إليها.

أخذت سجى الحديث مباشرة. لم تنتظر، ولم تقدم مقدمات. كأنها كانت تخاف أن ينتهي الوقت قبل أن تنتهي هي من الكلام.
"لقد قابلت زوجة أنطوان لحد." صمتت للحظة، وكأنها تسمع صدى الجملة.
"علمت أنهم يفتشون عن مدربة رياضة، للعمل معهم في النادي الخاص. هناك، في قلب عرينهم، تجتمع نخبة زوجات مسؤولي 'الجيش الجنوبي'، جيش العملاء الذي أنشأته إسرائيل. قدمت نفسي على أني مدربة رياضة إيروبيك. لم يشكّوا بي. التقيت بنساء النادي، ومن بينهن زوجة لحد نفسها. اتفقت معهم. قلت لهم: أحتاج إلى النزول إلى بيروت لشراء بعض أدوات التدريب الضرورية. فأحضروا لي تصريح المرور."
أشارت إلى الأشرطة.
"اشتريت هذه الأشرطة لأتدرب عليها قبل أن أصعد مجدداً. بسيط، أليس كذلك؟"

كنت أنظر إليها، أتساءل: من أين أتت بكل هذه المهارة؟ وهذا الهدوء؟ والشجاعة؟ في عينيها كان هناك شيء يشبه الفرح الخفي، شيء يشبه الغضب القديم الذي تعلّم كيف يتخفّى.
ثم قالت لي، وكأنها تلخص حلمها كله في جملة واحدة:
"عليّ أن أعود بعد يومين. سيكون لي نزلة قريبة مجدداً إلى بيروت. عندي امتحانات جامعية، لا بد أن أؤديها."
ودّعتها. غادرت بالسرعة التي أتت بها. كأنها كانت حلماً.
كأن تلك الدقائق في المطعم الهادئ لم تكن سوى فاصل قصير بين رصاصة ورصاصة.
لكن الجدران تتذكر. والرصاصات التي سقطت من أجل الكرامة... تكتب حكايتها ببطء