الحلقة 12: حكاية رصاصات المقاومة (7) - من أوراق المقاومة

حكاية رصاصات الكرامة (7)
الحلقة (12)
من اوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

صعدت «سجى» إلى قريتها كالسهم لا يرتد، تحمل في قلبها وصايا الرفاق، وفي عينيها خرائط الجبهة. اختارت مرجعيون القريبة معقلًا لها، في دار أحد الأقارب، لتكون قاب قوسين من الأهداف المرسومة، بعيدة عن عيون القرية، وألا تفضح تحركاتها أنظار الجواسيس. كانت تتردد على مسقط رأسها كل بضعة أيام، كالطيف العائد ليتفقد جراح الأرض التي لا تندمل.

كان الصيف يلف الجبال بدفئه، والشباب والشابات يتنزهون على ضفاف الحاصباني، حيث تتحول اللقاءات إلى حلقات من الغناء والدبكة. وكانت سجى بين أصدقائها، تشاركهم الغناء والرقص، كأنها وردة بين الرماح.
وفي إحدى المرات، كان العميل «بدوي علم الدين» – مسؤول أمن المنطقة في جيش الخائن أنطوان لحد – جالسًا مع حرسه وأعوانه. لمح رقص سجى، فأعجبه، وطلب التعرف إليها. قضوا وقتًا جميلًا، لكن عيون العملاء لا تنام، ولا تلهو دون حساب.
وجه علم الدين دعوة إلى سجى: حفل فني، في السادس من حزيران 1988، تحييه إحدى كبريات المطربات اللبنانيات، بحضور العميل لحد وأعوانه، وضباط جيش العدو المحتل. بل طلب منها أن تقدم رقصة في ذلك الحفل. وافقت سجى بكل سرور، كمن يرقص على جثث الخيانة. كما دعاها إلى سهرة فنية في حاصبيا، مع الإصرار على حضورها، ثم أوصلها إلى مسكنها في مرجعيون.

بعد هذا التقارب، حاول أعوانه ومرافقوه الاقتراب منها شخصيًا، طامعين بعلاقة خاصة. لكن سجى كانت تمتنع بلطف ذكي، خوفًا من الغيرة بينهم والانتقام، فتفشل المهمة. بدلًا من ذلك، بنت معهم علاقة مودة واحترام، ما أكسبها حب الجميع، وسهّل حركتها وعبورها للحواجز دون تصريح؛ بل كانوا أحيانًا يطلبون منها أن تسمح لأخواتهم البنات بمرافقتها إلى بيروت لشراء حاجيات غير متوفرة في الشريط المحتل.
ومن الذين فتنت بهم سجى وأعجبوا بها، مسؤولو الأمن عند حاجزي زمريا وكفرتبنيت. كانت تمر عليهم، تتوقف لتلقي السلام، فيدعونها للقهوة، ويسهّلون مرورها أحيانًا قبل فتح المعابر أو بعد إغلاقها.

خلال تلك الفترة، تعرفت سجى على عميل المخابرات الإسرائيلية المدعو «منح صعب» – ثري كبير من تجارة المخدرات، على علاقة وثيقة بالموساد والصديق المقرب من العميل لحد. وكان يملك السنترال الدولي للاتصالات في مرجعيون، الذي كان غطاءً للتجسس على المكالمات. طلب منها العمل لديه، فأجابت: "سأفكر بالأمر".

وفي زياراتها المتكررة لبلدتها، التقت صديقتها ذات العلاقة بالضابط الإسرائيلي، وعرضت عليها استخدام بيتها. لكن الصديقة خافت من التمادي والانفراد به في بيت واحد. كما حاولت سجى التقرب من معلمات المدرسة التي يدرس بها ابن العميل لحد لمعرفة حال ابنهم الدراسي، لكن العام الدراسي كان على وشك الانتهاء، ومستواه جيد جدًا، فلم يعد بحاجة لدروس خصوصية – وهو ما عرفته عبر استدراج إحدى معلمات مدرستهم.
لكنها عرفت أيضًا أن في مرجعيون ناديًا اجتماعيًا ورياضيًا ترعاه جمعية دينية مسيحية، فقررت الانتساب إليه، لعلها تتعرف على أشخاص قريبين من لحد.

نزلت سجى إلى بيروت لمناقشة التطورات والمعلومات التي جمعتها، وتقييم الموقف، وتحديدًا لإبلاغ المقاومة بحفل السادس من حزيران بحضور لحد وعدد كبير من المسؤولين وضباط الاحتلال، لعلها تصبح عينًا على هدف ثمين.
تلقيت إشارتها. وفي المكان والزمان المحددين، كنت بانتظارها. أخبرتني بكل ما في جعبتها. لم تستطع البقاء في بيروت أكثر من يومين، فهي على موعد مع علم الدين لحفلة حاصبيا. طلبت منها أن نلتقي غدًا، وحددت المكان والزمان. تركتها وانطلقت مسرعًا لمناقشة الرفاق في القيادة.
في اليوم التالي، التقيت سجى مجددًا. أبلغتها ما توصلنا إليه:
• الموافقة على العمل لدى منح صعب في السنترال، فهو صديق مقرب من لحد، وسنعرف محتوى اتصالات السنترال، ونكشف عملاء في مناطقنا المحررة.
• الالتحاق بالنادي في مرجعيون للهدف نفسه: التقرب من معارف لحد.
• الاستفادة من علاقتها بعلم الدين وجماعته للحماية وحرية الحركة.
• أما الضابط الإسرائيلي «صالح» فقد نُقل من مرجعيون، فلا فائدة منه.

وبخصوص احتفال السادس من حزيران، قررنا دراسة موقع الاحتفال وإمكانيات مهاجمته، خاصة بوجود لحد وعدد كبير من العملاء وضباط العدو. وطلبت من سجى أن تجد مبررًا لعدم تواجدها فيه، حتى لا تعرض حياتها للخطر إن هاجمناه. واتفقت معها على إشارة سرية عبر الهاتف، لأي تغيير مفاجئ.
وهذا ما حصل بالفعل. بعد ثلاثة أيام من صعودها، تلقيت الإشارة: أُلغي الاحتفال. عرفت لاحقًا أن السبب كان الاستنفار القصوى في صفوف جيش العدو وعملائه بمناسبة الخامس من حزيران، ذكرى اجتياح العدو عام 1982. واستُعيض عنه بحفل لمطربة أخرى، لكن من دون حضور لحد وضباط العدو.

"أما حفل السادس من حزيران، فدرسنا استهدافه بصواريخ غراد. جهزنا ستة رفاق بقيادة الشهيد «ألكسي». كانوا مستعدين للموت في طريقهم إلى العميل لحد. لكن الإشارة أتت: أُلغي الاحتفال. تنفسنا الصعداء، وانتظرنا."
مضى شهر. وصلتنا تقارير من التنظيم السري في المناطق المحتلة... تدين سجى وتتهمها بالعمل مع العدو. وثارت أصوات تطالب بإعدامها "عبره للآخرين".
في أحد الأيام من تلك الفترة، أتى أحد الرفاق المكلفين بمتابعة شؤون إحدى الشقق السرية للمقاومة والتي كانت تستعمل بمثابة صندوق بريد، والتي كنت قد دليت سجى عليها لاستعمالها عند الضرورة القصوى، أتى ليخبرني بأن هناك فتاة أتت ترغب في مقابلتي.

في تلك الفترة، تراكمت المهام كالصخور فوق صدورنا. كانت قيادة المقاومة تعيد هيكلة نفسها وسط تعقيدات الوضع الداخلي. كبرت وتشعبت المهام، كان موعد الانتخابات الرئاسية يقترب. اشتعلت المعارك بين الأطراف المتصارعة، بين حرب التحرير إلى حرب الإلغاء التي أطلقها قائد الجيش آنذاك ميشال عون، والذي كان يرأس حكومة كلفه بها الرئيس السابق أمين الجميل. كان الفراغ في السلطة كبيرًا. والانقسام الداخلي أخذ أبعادًا خطيرة، والأطراف الخارجية تحاول كل منها العبث بالوضع الداخلي لتمرير مشاريعها.
فكان قرار حزبنا الحاسم: ستكون المقاومة ضد الاحتلال وعملائه... الناخب الأول.

هذا الجو الثقيل، بكل ثقله، تهاوى على أكتافنا. فقررت قيادة الحزب إطلاق "جبهة المقاومة للتحرير والوحدة". كلفت مع مجموعة من الرفاق العاملين في صفوف الجبهة، العمل على تنظيم وإطلاق هذه الجبهة. كانت مهامها الأساسية تنصب داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة القوى اليمينية الانعزالية – هكذا كنا نطلق التسمية على القوات اللبنانية وحزب الكتائب وسائر القوى اليمينية الفاشية التي عملت مع العدو الإسرائيلي. وكان العدو يتخذ من تلك المناطق محطات متقدمة له للعبث بالمناطق الوطنية المحررة، وبمتابعة عملائه، والتخطيط لعمليات الاغتيالات والتفجيرات. كما أقامت مخابراته داخل تلك المناطق مراكز تنصت تديرها مباشرة.
في خضم هذا الجو، أتى الرفيق بالإشارة.
"سجى هنا، لقد عادت."
تساءلت في صمتي: ألم يمض على صعودها سوى أسابيع قليلة؟
إذا هناك أمر طارئ. شيء ما جعلها تنزل مجددًا بهذه السرعة، طالبة لقاء.
التقينا في مطعم هادئ في بيروت، بينما كان قصف عون والقوات اللبنانية يتساقط على الأحياء، وسيارات الإسعاف لا تتوقف.

كانت سجى هادئة كعادتها. ابتسامتها الناعمة لم تفارق محياها، كما لو كانت تحمل خبرًا لا يشبه حروبنا. الانطباع الأول: أنها تحمل أخبارًا إيجابية.
كانت تحمل كيسًا بيدها، يحمل اسم "مكتبة أنطوان"، تلك المكتبة المعروفة في شارع الحمراء. وضعت الكيس جانبها.
بادرتني: "لدي خبر مهم. بعد انتسابي للنادي، عرفت بأن زوجة العميل لحد وتدعى فكتوريا صوايا هي المسؤولة عن فرع الرياضة في النادي، وتفتش عن مدربة لرقص الباليه."
نظرت إليّ وعلى وجهها ابتسامة عريضة. "لقد قدمت نفسي على أنني مدربة رقص. لقد كانوا مسرورين، وقد حددوا لي موعدًا مع فكتوريا الأسبوع القادم. بناءً عليه، قررت عدم قبولي للعمل في السنترال، وعلاقتي مع العميل علم الدين بدوي تطورت بشكل كبير."
مدت يدها داخل الكيس الذي وضعته جانبًا، وأخرجت منه أشرطة تسجيل فيديو على غلافها صورة "جين فوندا" الممثلة الأمريكية التي عرفت أيضًا بإصدارها أشرطة فيديو للتدريب على الرقص، وبالخط العريض كتب على الغلاف: "تعلم الأيروبيك".
في البداية لم أفهم شيئًا. نظرت إلى الأشرطة، ثم إليها.

لم تنتظر ولم تقدم مقدمات. كأنها كانت تخاف أن ينتهي الوقت قبل أن تنتهي هي من الكلام.
أخذت سجى الحديث مباشرة: "أنا أعرف القليل من هذا النوع من الرقص، كنت أتدرب في البيت على يد أختي. لدي الآن أربعة أيام قبل أن أعود وألتقي بزوجة لحد، سأتدرب خلالها في البيت هنا في بيروت. ويجب أن أشتري أيضًا ملابس خاصة وبعض الأدوات الضرورية للتدريب. يجب أن أظهر أمام زوجة لحد يوم اللقاء الأول معها بمظهر المدربة المحترفة."
سألتني وهي تنظر مبتسمة: "بسيط، أليس كذلك؟" وضحكت من كل قلبها.
كنت أنظر إليها أتساءل: من أين أتت بكل هذه المهارة؟ وهذا الهدوء؟ والشجاعة؟ في عينيها كان هناك شيء يشبه الفرح الخفي، شيء يشبه الغضب القديم الذي تعلم كيف يتخفى تحت ابتسامة.
ثم قالت لي وكأنها تلخص حلمها كله في جملة واحدة: "عليّ أن أعود بعد خمسة أيام. سيكون لي نزلة قريبة مجددًا إلى بيروت. عندي امتحانات جامعية، لا بد أن أؤديها."
ودعتها. غادرت بالسرعة التي أتت بها.
كأنها كانت حلمًا عابرًا.
كانت تلك الدقائق في المطعم الهادئ لم تكن سوى فاصل بين رصاصة ورصاصة.
لكن الجدران تتذكر، والرصاصات التي سقطت من أجل الكرامة… تكتب حكايتها ببطء.

* لا بد هنا من توجيه التحية لرفاق صنعوا المستحيل تحت النار، لتنطلق "جبهة المقاومة للتحرير والوحدة" رغم كل شيء، وتتوقف فقط بعد أن صعد الرئيس إلياس الهراوي إلى قصر بعبدا.
تحية إلى الشهيد القائد الرفيق ألكسي، الذي عمل على قيادة تلك المجموعات إلى جانب رفيقه غازي.
تحية إلى كل الرفاق المجهولين، الذين لم تذكر أسماؤهم، لكن دماءهم نطقت. الذين عملوا ليلًا ونهارًا، لم يطلبوا وسامًا ولا مجدًا، بل أرادوا للوطن أن يبقى حُرًا، فكانوا خلف كل هدفٍ رسمه الحزب، وأمام كل رصاصه.
وتحية خاصة... لا تشبه غيرها،
إلى الرفيق "وحيد"،
الذي تابع معنا كالظل كل تفاصيل هذا العمل.

فمن يقاتل في الخفاء ليضيء الوطن،
يستحق أن نكتب اسمه بحبر من ذهب...
ولو على جدار يتذكر
تلك الجدران لا تزال تتذكر. والرصاصات لا تزال تكتب. وحكاية سجى لم تنتهِ بعد.

يتبع...