الحلقة 14: حكاية رصاصات المقاومة (9) - من أوراق المقاومة

حكاية رصاصات الكرامة (9)

الحلقة (14)

من اوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر

 

بعد أن غادرت "سجى" نحو الشريط المحتل، راجعتُ كل حرفٍ نطقت به. كل خبرٍ دوّنته.

في ذاك اللقاء، لم تترك لنا فجوة.

جلست أمامي بهدوءٍ قاتل. أخرجت من محفظتها ورقةً بيضاء. وضعتها على الطاولة.

بدأت ترسم.

رسمت بيتَ العميل "لحد". رسمته كمن عاشت فيه سنين. مدخل الضيوف. المكتب الخاص. غرف الاستقبال. غرفة نومه هناك — حيث ينام خائفاً من ظلّه.

لم تنسَ شيئاً: نقاط الحراسة. الأضواء. مولد الكهرباء. سياراته. أماكن نوم حراسه. حتى أسلحتهم.

سألتها عن المُقرّبين منه.

أخرجت لائحة كاملة. كل اسم تحته خط أحمر. وبجانبه: عمله الخاص.

قالت ببرودٍ مخيف: "تنافس حاد بين أجهزة الأمن. هذا يتجسس على ذاك. لحد بدأ يفقد السيطرة. أغلب القطاعات يديرها ضباط مخابرات العدو."

تطابقت معلوماتها مع مصادرنا. تبين أنه يتردد أحياناً على كازينو مرجعيون. هناك يقصده كبار العملاء وضباط العدو. يشربون الخمر. يخططون للدماء.

معلوماتُ سجى كانت خريطة طريق.

وضعنا الخرائط أمامنا. درسنا كل زاوية. اتخذنا القرار: تسريع العمل. حشد كل الإمكانيات. تصفية العميل "لحد".

هذه الضربة ستكون الأقوى. ورسالة لكل القوى المرتبطة بمشاريع العدو. يد المقاومة طويلة. من وصل إلى "لحد" يصل إلى أي عميل آخر.

 

وضعنا ثلاثة سيناريوهات:

الأول: في بيته. نتحكم بكل زاوية. نعرف متى ينام ومتى يستيقظ. نظام الحراسة والأسلحة.

الثاني: كمين ليلاً بين بيته وثكنة مرجعيون. الطريق فارغة. والخوف يملأ عينيه.

الثالث: كازينو مرجعيون. المكان الذي قد يصير قبره.

 

اخترنا رفيقين من أبناء المنطقة. دقيقين. لا يثيران الشك. عضوين في المقاومة السرية. انغرسا بين بيئة العملاء. لهما علاقات طيبة مع قوات الاحتلال.

أوكلنا إليهما دراسة المواقع والتخطيط. قدّمنا لهما المعلومات الضرورية.

أما الاحتمال الأخير… والأخطر: عبر سجى نفسها. في عرينه.

كنا على أبواب الذكرى السادسة لانطلاق الجبهة. والداخل يغلي. حروب جانبية. تفجيرات. اغتيالات. صراع على الرئاسة.

وفجأة… وصلت إشارة: الرفيقان يريدان الاجتماع.

لا نلتقي بهما إلا للضرورة القصوى. كل لقاء معهما محتوم بالمخاطر.

 

حددنا المكان: منطقة مكشوفة وسط الطبيعة. رغم الثقة… الاحتياط واجب في عملنا.

جرّدناهم من كل شيء: من السيارة ذات المخبأ السري، من الأغراض الخاصة التي يحملونها، حتى من علبة السجائر.

جلسا أمامي. وجوههما شاحبة. عيونهما تائهة. كأنهما لم يناما منذ أسابيع.

سألت: "ما الجديد الذي يستدعي هذا اللقاء؟"

تنهدا: "تردّدنا على الكازينو ليالٍ عديدة. هو لم يأتِ. حاولنا رصد الطريق. الحواجز كثيفة. المخاطر كبيرة. المنطقة مراقبة بشكل جيد."

قلت: "ومتى يجب أن تعودا؟"

قال أحدهما: "أسرع وقت ممكن. استغللنا حفل زواج ابن عمنا في بيروت، لتبرير نزولنا. مسؤول الأمن هناك – وهو صديق لنا – طلب منا تصوير الحفل."

قلت: "والحفل؟"

قال: "هذا المساء. سنعود غداً صباحاً."

 

صمتُّ.

أرسلتُ بصري يتأمل وجهيهما ببطء، كمن يقرأ لوحةً لا تُفك شفرتها.

لم تكن معرفتي بهما قديمة. رشحهما لي أحد الرفاق الموثوقين المنضوين في صفوف المقاومة. صديق قديم لهما. جمعه مع أحدهم الانتماء المبكر للحزب الشيوعي. كلفناهما بمهمات استطلاعية داخل المنطقة المحتلة، فقاما بها باقتدار.

لكن هذه المرة… شيئاً ما في داخلي كان يصرخ بصمت. حذر غامض. لم أستطع تفسيره.

اتخذت قراري:

"نفِّذا ما طلبوه منكما. قولا لهما: تعرّفنا في الحفل على شخص، قيل إنه يعمل في المقاومة. تبادلنا معه الحديث. كان مهتماً بنا حين علم أننا من المنطقة المحتلة."

زودتهما باسم وهمي.

"إذا طلبا منكما أن ترياه على الشخص الذي قابلتما، من خلال الصور التي التقطتماها… حاولا أن تتأكدا في الصور. أعطياهما انطباعاً أنه قد يكون أحد الأشخاص في الصور… لكنه صُوّر من الخلف، فوجهه غير واضح."

وقفتُ. صافحتهما.

لم أقل شيئاً عن الخوف الذي رأيته في عيونهما. لم أقل شيئاً عن الحزن الذي يملأ صدري.

قلت فقط: "اذهبا بسلام. وانتبهوا على نفسكما."

 

مشيا في صمت. لم يلتفتا إلى الوراء.

كان أحد الرفاق، المكلف بمراقبة مكان اللقاء، في انتظارهما. قادهما إلى سيارتهما التي أخفاها بحنكة بين أغصان الشجر وأوراقه المتدلية. ناولهما المفاتيح. وبعد أن تأكدا من وجود أغراضهما داخلها، غادرا.

بقيت واقفاً في المكان المكشوف. الريح الباردة تعض الوجه.

ثم غادرتُ مع رفاقي. تفرقنا كأشباح في النهار.

في اليوم التالي، اجتمعتُ بالرفيق المسؤول.

نقاش طويل. ساعات كثيرة. توصلنا إلى رأي واحد: سجى هي من ستنفذ عملية "لحد".

ننتظر وصولها إلى المنطقة المحررة. نختبر مدى جهوزيتها.

لكن قلقاً كبيراً يسكنني: خشية أن تنكشف.

التنافس بين أجهزة الميليشيا. وفقدان "لحد" السيطرة على مجموعاته.

كل هذا… قد يفضح أمرها في أي لحظة.

 

يتبع