موريس نهرا

موريس نهرا

الصفحة 1 من 6


من حسن الصدف أن تكون ذكرى انتفاضة 17 تشرين الاوّل، متقاربة مع ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني في 24 تشرين أول نفسه، عام 1924، ما يتيح تناول هذين الحدثين التاريخيين في مقالة واحدة. وإذا ما كانت ولادتهما في "الخريف"، تحمل ما يفعله عصف الرياح الخريفية بأوراق الأشجار الذابلة، تمهيداً للتجدد في الربيع الآتي، فإن تقاربهما ينطوي على علاقة رحمية بينهما، تتمظهر أولاً، في انبثاقهما من صميم واقع بلدنا وظروف ومعاناة شعبنا وتدهور شروط معيشته. ثانياً، في اعتماد طريقة النضال الشعبي وسيلة للاحتجاج ورفضاً للحالة القائمة. ثالثاً، في الطابع النضالي العابر للطوائف والمناطق، لإسقاط النظام الطائفي ومنظومته الفاسدة. رابعاً في هدف إخراج بلدنا وشعبنا من حالة الانهيار، بتحقيق التغيير، لبناء وطن ودولة، يجسّد مطامح شعبنا وحقوقه الوطنية والاجتماعية والديمقراطية. فهذه الانتفاضة،


في وقت يواجه فيه شعبنا وبلدنا أزمات وكوارث وطنية واجتماعية وصحية غير مسبوقة، وتستمر فيه حالة الشلل والفشل السلطوي في ادارة شؤون الدولة والمجتمع، تتواصل التناقضات والانقسامات التي يستولدها نظام التحاصص الطائفي، ويتصاعد تداخل العوامل الخارجية مع الداخلية. فتصبح مسألة تشكيل الحكومات عملية قيصرية تستدعي ارضاء أو مشاركة مرجعيات خارجية واقليمية ودولية، كأننا أمام تشكيل ذات طابع اقليمي ودولي، ولكن بلباس لبناني. وكثيراً ما تطلّب تشكيل حكومات شهوراً طويلة وقد استمر الفراغ في الموقع الرئاسي سنتان ونصف، وجرى التمديد للمجلس النيابي مرتين.


بعد مئة عام على تأسيس لبنان الكبير، وصل لبنان الي وضع مأزقي يواجه خطر التفكك والتحلّل، أو كما قال وزير خارجية فرنسا، خطر الزوال. فبعد هذه التجربة الطويلة، لا يزال لبنان أقرب الى طفل يحبو، ويحتاج الى تعلم المشي وحده. والتساؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل ان لبنان الكبير هو مولود عجيب، يفتقد الى مقومات إنشاء دولة ووطن؟

 أمام هول الكارثة يجدر التساؤل، هل أنها انتقام من سيدة العواصم العربية، لأنها على الرغم من حصار الجيش الصهيوني وألوف القذائف اليومية عام 1982، لم ترفع الأعلام البيضاء؟ وانها استولدت جبهة مقاومة وطنية لبنانية، شقت طريق التحرير، وأجبرت الجيش الصهيوني على الانسحاب الذليل من بيروت خلال عشرة أيام؟..ليس غريباً أن يكون هذا التفجير الكارثي في مرفأ بيروت، صنع إسرائيل. فطبيعتها العنصرية ومطامعها التوسعية، متلازمة مع المجازر والعدوان والإجرام سواء تأكد ذلك في التصريح الأول لنتنياهو، وللرئيس دونالد ترامب، أم عادوا ونفوه.

يواجه شعبنا اللبناني حالة معاناة شديدة القساوة، لم يواجه مثلها إلاّ منذ حوالي مائة سنة. وتترابط أسبابها مع أوبئة متعددة لا تقتصر على وباء كورونا المستجد،بل تشمل ما يتسبب بأخطار على الوطن والشعب، مثل وباء الطائفية، ووباء الفساد المستشري ونهب المال العام. ووباء تردي الأخلاق والقيم وشراسة التمسك بالمواقع السلطوية الخ. واستغلالاً لهذه الحالة المأزومة، يتعرض لبنان الى حملة أميركية ترمي الى إخضاعه لشروط سياسية واقتصادية ترتبط بالمخطّط الأميركي الصهيوني، من صفقة القرن، إلى قانون قيصر. وتتركز لبنانياً على حزب الله، ليس بسبب طابعه المذهبي الذي يتماثل مع أحزاب الطوائف الأخرى في السلطة، بل لإضعاف وضرب دوره المقاوم الذي يقلق إسرائيل.

رغم النقمة المتصاعدة في انتفاضة شعبية غير مسبوقة، تجاوزت الطائفية والمناطقية، رفضاً لسياسات الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي، ومضاعفة نسبة المتعطلين عن العمل، فان اطراف الطبقة السلطوية، في السلطة والمعارضة، لا تزال أسيرة النظرة والذهنية نفسها. وهي تدور في نفس الدوامة. ولأنّ الصراعات الحادة في المنطقة، لا تتيح الاعتماد على وساطة او وصاية او دعم خارجي، كما جرت العادة، في مؤتمر الطائف 1989، ولقاء الدوحة 2008، فان الطبقة السلطوية أخذت تلجأ الى لقاءات تطلق عليها اسم لقاءات الحوار الوطني.

الصفحة 1 من 6