الصفحة 1 من 5


ساعةَ حزنٍ وغضب، ترتفع اﻷكُفُّ والعيون، تنداح الزّهورُ حول قبور المدامع، يُغنّي الحزنُ أسماءَنا إثرِ كلِّ فجيعة؛ ثم يتلاشى وتتلاشى اسماؤنا حتى امّحاءِ السّطور في اﻷسطورة، والذكرى كمِدياتٍ جارحة تهبنا كلَّ حين نافذةً على المعنى، ربما كي يكتملَ كتاب كلٍّ منّا. ويومٍ بسنين في العمر اكتمل والبدر، أو جملة تُجدِّف لحملة بما ﻻ يُرْدّ، ﻻ يُبدَّل، ﻻ يُعَدُّ... فقد أجهض التمسرح أقواماً بعينها، وانكسر الصدق والتصادق بدمعةٍ أفلتت بين جبهات القتال، وعلى جبين الحال وداعات استغفارٍ لنهاراتٍ وليالٍ لا تُطوى. وكلّ ما انطلق من صور وأرقام فلكية مجرّد تقطيعِ وقتٍ مستوحىً من سلطات هوليوودية، وأُناس البحر هجرٌ لتناقض عمارات السمنت، تتزايد فيها عشوائيات اللحم، تنتقل من سوسولوجيا القبيلة إلى مرادفاتها في اﻷكل والعمل، تُجَمِّلُ ديمقراطيتها بملحٍ وسكر، برداءات مختلفة لناحبٍ واحدٍ وحيد... وما بين صلاةٍ وصلاة صِلةُ وصلٍ ونسبٍ لصكوك الغفران.

 

سرَتْ شائعاتٌ عن وصول دفعةٍ من النساء والرجال والصبية والفتيات الصغار، إلى ذلك الميناء الواقع في الزمن القديم، حيث هُرع الناس لمشاهدة هؤلاء المختلفي الألوان والأعراق، كما لو عرضٌ مسرحيٌّ، تجري أحداثه، ابتداءً من لحظة وقْعِ الأقدام على الأرض، حتّى تهيئتهم، وإعدادهم، لعرضهم للبيع في سوق النخاسة.

 

... هنا في توهة الحياة، تظلُّ الجهاتُ لذاتها وعناصر الطبيعة، اللتان تحوزان على الرقم أربعة...
هناك، في رابعة النهار، خرجتُ وصدري مُشرَعُ الجهات، أصيخُ السَمْعَ، لا شيءَ غير سكونٍ يقطعُهُ سقوط بعض الأشكال الحياتية، تتهاوى عبر رياح المعمورة، ربّما هي محض صدفة، هنا... حيث اجتماع العناصر لذات الأسباب وأضدادها.

 

أن يحوز المرءُ منّا على الرضى الكُلّي لذاتهِ، لواقعه، لطموحهِ وأحلامه، تلك مجازفة كبرى ومُهلِكة. الأصل هو السعيُّ، فطرةُ الإنسان الوجوديّة... "وفي السعيِّ شيءٌ من الكمال".
تنبْني العلاقات أفقياً وليس عامودياً، بمعنى الحارة الشعبية على اختلاف المشارب، في الحارة، تنكسر الطبقات الاجتماعية لتشكّل طبقتها المتجانسة المتعارفة المتشاركة في كلّ صغيرةٍ وكبيرة. في العمارات السحابية والأبراج، أناسٌ مُغرَقون بأنويةٍ ذاتية مُتخمة، وهي الشكل المختلف كليّاً عن العلاقات الإنسانية المضغوطة المفاهيم.

 

... مرَّ وقتٌ طويل، قبل أن أستيقظَ تحت ضياءِ شمسٍ جديدة. واللحظة لفكِّ طلاسم السُبات، لحظةٌ معقودةٌ لعملٍ خاص، كان تقدّمني... لملءِ لحظةِ الفراغ هذه بعملٍ سابقٍ غامض. أحياناً، أُفسِّرُ منطق الأشياء برؤيةٍ مغايرةٍ عميقةٍ تتجاوز مرادف الكلمات، هكذا، وقعتُ في شِباك فعلتي هذه خلال مرحلة الصفوف الإبتدائية. لأجل هذه الطريقة في التعبير... ألمُ إسقاط المُتَخَيل على الواقع، أسلوبٌ حمّالُ مُتَعٍ لا يُدركها إلّا العارفون، المسحورون، الشغوفون لاكتشاف المخبوء، وهي خطوطٌ من الذات والتفاصيل والأشياء، تتلاقى، تتنافح، تتساكب وتتشابك كمخاضِ خاصيِّ الإبداع... والبِدع.

 

... لطالما، أطال الإنتظار أمام فيترينات المحال، كما لو رؤىً يرتقيها بعينين مشوّقتين، تسعيان لكلِّ جديدٍ عصريّ. تأخذ به الحيرةُ والحماسة، مدفوعاً بذاكرةٍ لم يتحصّل عليها بيضاء. ذاكرةٌ حبلى بالأسئلة والمعاني، منها تتسلّلُ ملاحمُ... يعتقدُ لم يقترفها، لكنّهُ، في هدأة الليلِ والسَحر، ينزع قفّازات اتزّانه، كي يبلغَ في طريق العودةِ صديقَهُ الشهيد.

الصفحة 1 من 5