ما بعد الإنتخابات التّشريعيّة: ماكرون متقدّم واليسار منقسم

0
0
0
s2smodern

انتهى الموسم الانتخابيّ الطويل في فرنسا بعد انتهاء الإنتخابات التّشريعيّة، وبعد فوز إيمانويل ماكرون المرشّح الوسطيّ اللّيبراليّ على مرشّحة اليمين المتطرّف مارين لوبّان في الإنتخابات الرّئاسيّة، تابع ماكرون هزّه للسّاحة السّياسيّة الفرنسيّة بانتصار كبير في الإنتخابات التّشريعيّة، وذلك في ظلّ تضعضع الجمهوريّين والاشتراكيّين والجبهة الوطنيّة وفي ظلّ انقسام اليسار الرّاديكاليّ بين ميلونشون والحزب الشّيوعيّ.


الانتخابات التّشريعيّة ونتائجها بالأرقام...
إذاً في النّتائج، وعلى إثر الدّورة الثّانية من الانتخابات التّشريعيّة، استطاع ماكرون عبر حركته الجديدة حصد 308 مقاعد من أصل 577 وحصد حليفه الوسطيّ فرانسوا بايرو 42 مقعداً في تحالفهما. بينما استطاع الجمهوريون حفظ ماء وجههم مقارنة بالآخرين، بحصدهم 112 مقعداً. أمّا الكارثة الكبرى فكانت عند الاشتراكيّين المنهارين مع 30 مقعداً في نسبة هي الأدنى لهم منذ السبعينيات. ورغم التّقدّم الّذي حقّقته مارين لوبّان بمنافستها على الرّئاسة، إلّا أنّها تراجعت بعد الانقسامات في معسكرها وتبيان صورتها الحقيقيّة ولكنّها ورغم ذلك حصدت 8 مقاعد هي أكبر كتلة للجبهة الوطنيّة تاريخيّاً ولكنّها لا تمنحها حقّ تشكيل كتلة برلمانيّة (أقلّه 15 نائباً).
أمّا على ضفّة اليسار الرّاديكاليّ، فقد أدّى الانقسام بين الجبهة الموحّدة في الرّئاسة، باستثناء التّحالف في بعض الدّوائر، إلى نتائج مخيّبة للآمال في الإنتخابات التّشريعيّة، ورغم ذلك استطاع ميلونشون وحركته حصد 17 مقعداً وهو ما أهّله لتشكيل كتلة يترأسها بعد فوزه بالنيابة عن مرسيليا. أمّا الحزب الشّيوعيّ فقد حافظ على كتلة من 10 نواب واستطاع تشكيل كتلة برلمانيّة بالتّحالف مع نوّاب مستقلّين يساريّين.
المشهد السّياسيّ بعد الإنتخابات...
خطورة هذه النّتائج تكمن في إعطاء ماكرون الأغلبيّة لتمرير مشاريع قوانينه في ظلّ غياب معارضة وازنة في البرلمان. فهو يعدّ مشاريع ليبراليّة، منها مثلاً مشروع قانون العمل الذي كان محضّراً سابقاً حين استلم وزارة الاقتصاد، وهو ما يقضي على مكتسبات حقّقتها الطّبقة العاملة الفرنسيّة على مدى عقود وخصوصاً إبّان الحرب الباردة ووجود الاتّحاد السّوفياتيّ. ناهيك عن الكثير من المشاريع في قطاعات التّعليم والوظائف الرّسمية، حيث نجح نسبيّاً بفرض قناعة عامّة حول نظريّة "الدّولة تاجر فاشل"، إذ بات العديد من المواطنين مقتنعين أنّ موظّفي الدّولة هم مصدر هدر، حيث يشغلون وظائف ويحظون برواتب وتقديمات اجتماعيّة في مقابل إنتاجيّة منخفضة و"كسل"، ويعتبرون أنّ هذا الإنخفاض في الإنتاج يأتي نتيجة غياب المنافسة الّتي لا يمكن أن تتجلّى إلّا في النّظام اللّيبراليّ الّذي يدفع بالمنافسة بين الشّركات الخاصّة إلى أبعد حدود، وهنا يمرّر سياساته التّحريريّة للقطاع الخاصّ عبر رفع الضّرائب عن أرباحها وتسهيل استغلالها للعمّال في قانون العمل الّذي تحدّثنا عنه أعلاه، وبالطّبع، كلّ هذا يمرّ على حساب القطاع العام، حيث يتراجع الدّعم شيئاً فشيئاً، خصوصاً في تقليص عدد الأساتذة الرسميين، كما في مجال البحوث العلميّة، حيث باتت المنافسة تشتدّ بين المختبرات ومراكز الأبحاث نتيجة شحّ المنح والتّمويلات مقابل تراكم رؤوس الأموال في القطاع الخاصّ بسياسته الاحتكاريّة للعلوم والّتي تتجلّى في "الحقّ الحصريّ" أو "براءة الاختراع" (Brevet) مقابل المنشورات العلميّة والمقالات والدّراسات المفتوحة.
فضلاً عن ذلك، فقد أعطت هذه الأكثريّة التّشريعيّة دفعاً لسياساته الخارجيّة، حيث يحاول الظّهور بمظهر القويّ، وقد قام باستضافة الرّئيس الرّوسيّ فلاديمير بوتين في محاولة انفتاحيّة على عكس الرّئيس السّابق فرنسوا هولّاند الّذي اتّبع سياسة مواجهة لروسيا، ولكن في المقابل، يتابع ماكرون تأكيده على دعمه للمشروع الأوروبّيّ في إطار حلفه مع ألمانيا ميركل في مواجهة ترامب وزلّاته وهو ما ظهر في قمّة العشرين تحديداً في موضوع المناخ. وقد استضاف ماكرون مؤخراً الرّئيس الأميركيّ في إطار مئويّة مشاركة الأميركيّين في الحرب العالميّة الأولى.
إذاً، ومع المضيّ في السّياسات اللّيبراليّة الّتي كانت مسؤولة في الأساس عن تراجع الوضع في فرنسا، والّتي دفع ثمنها النموذج اليساريّ اللّيبراليّ الهجين واليمين المحافظ في الإنتخابات، لا بدّ من تأزّم الوضع واشتداد التّناقضات، وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تتراءى، فالنّقابات بدأت بتحرّكاتها ورفع صوتها، وقانون العمل ينذر بأعمال شغب قد تكون أعنف من سابقاتها (خصوصاً في غرب فرنسا، مدينتي رين ونانت تحديداً)، كما أنّ اليسار المنقسم حاول التّصدي لهذه المشاريع في الشّارع، فقاطع نوّاب "فرنسا الأبيّة" (ميلونشون) والحزب الشّيوعيّ جلسة البرلمان في فرساي والّتي دعا إليها ماكرون في محاولة لتقليد الخطاب السّنويّ للرّئيس الأميركيّ المعروف بـ "حال الأمّة"، فإذا استثنينا اليسار، لا يبدو أنّ هناك قوّة مستعدّة لمواجهة ماكرون، فهل يستطيع اليسار التنطّح لهذه المهمّة في ظلّ انقسامه؟
انقسام اليسار الراديكاليّ، المراهقة تغلب السّياسة...
لقد كان وقع انقسام اليسار في التّشريعيّة مؤلم لمن تأمّل بطرح بديل علميّ وجذريّ في وجه السّياسة اللّيبراليّة، وهذا ما يفسّر التّراجع النّسبيّ لليسار بالأرقام مقابل الرّئاسيّة، فقد أدّى قرار ميلونشون خوض الإنتخابات النّيابيّة وحيداً خارج ائتلاف "جبهة اليسار" الّتي كانت تجمعه بالشّيوعيّين والمستقلّين إلى ضعضعة الجوّ الشّعبيّ الّذي التفّ حوله في الرّئاسيّة، ولكن ما كانت أسباب هذا القرار؟
في تحليل مرتكز على بعض زوايا اليسار الفرنسي، من المؤكّد، وكمعظم الأحزاب الشّيوعيّة في هذا الظّرف التّاريخيّ، أنّ الحزب الشّيوعيّ يشمل تيّارات مختلفة، منها اللّيبراليّ، ومنها الطّفوليّ، ومنها العلميّ، وقد برز هذا الأخير في الآونة الّتي سبقت الرّئاسيّة مع الأمين العام الجديد بيار لوران وخطابه الرّصين والعقلانيّ، لكن الخطّين الآخرين، لطالما شكّكا بميلونشون، فالبعض يعتبره من المحبين للسّلطة، وآخرون يتهيّبونه خوفاً من فقدان الحزب لطليعيّته في مواجهة النّظام، وكان لهذه الأفكار، إضافة إلى وجود طروحات ليبراليّة مثاليّة يحملها حزبيّون، تأثير كبير لذهاب ميلونشون بقراره غير المسؤول، فنتيجة هذه الطّروحات، لم يتمكّن من منح الثّقة المطلقة للشّيوعيّين، وما زاد الطّين بلّة، أنّ بعض المقرّبين منه عزّزوا الاتّجاه نحو هذا الخطأ بمحاولتهم إقناعه بقدرته وحيداً على استمالة النّاس وأنّه هو من يمثّل الخطاب الجذريّ.
إنّ قرار خوض الإنتخابات خارج الائتلاف، والّذي حاول بيار لوران التّفاوض لتجنّبه حتّى آخر لحظة، لم يكن أقلّ من مراهقة غير مسؤولة ضعضعت الخطاب الجذريّ، وأدّت دون ما شكّ إلى تعزيز التّيارين الطّفوليّ واللّيبراليّ في اليسار على حساب التّيّار العلميّ الّذي سيكتشف الجميع في السّنين المقبلة أنّه بات ضرورة ملحّة في وضع سيزداد سوءاً... لعلّهم.

  • العدد رقم: 318
`


إحسان المصري/ حكمت غصن - فرنسا