عفرين تقاوم

0
0
0
s2smodern

  في لغتنا العامية، نعمد إلى استخدام مصطلح "تستكردني" عندما نريد رفض تصرف فوقي معيّن أو عملية استغلال ما، وكأنّنا بذلك نعترف بمظلومية مجموعة عرقية تعيش بيننا، تُمارس بحقها كل أنواع القمع السياسي والفكري والثقافي والطبقي.


تاريخ الكرد في هو تاريخ مزدوج. فهو من جهة تاريخ التقسيم والتهجير والابادة، حاله بذلك حال معظم شعوب منطقتنا من عرب وغير عرب، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى وما تبعها من مشاريع تقسيم للمنطقة، ومن جهة أخرى هو تاريخ النضال من أجل نيل الحقوق. ولكن هذا النضال أخذ أشكالاً وأهدافاً مختلفة على اختلاف مراحله. والمشترك حتى اليوم بين كل المحاولات أنها جميعها انتهت إلى مأساة وفشل في تحقيق الأهداف، خاصة تلك المحاولات التي كانت تسعى إلى الإنفصال عبر بناء دولة كردية مستقلة، وكان آخر تلك المحاولات ما حصل في اقليم كردستان العراق منذ أشهر قليلة.
لطالما كان الرهان على بناء دولة قومية للأكراد مرتبطاً بتحولات على المستوى العالمي: يرتفع منسوب الطموح لدى التنظيمات الكردية للاستقلال حينما تبدو الأجواء مهيأة لمطالبها، فتحاول استغلال هذه التناقضات الدولية لمصلحة قضيتها. إلّا أن هذه التجارب كانت دائماً تنتهي بتسويات دولية وإقليمية على عكس ما يطمح الكرد، لا بل تتم التسويات على حسابهم، ويكون مصير قادتهم حبل المشانق.
لقد عانى الكرد في الدول التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى والثانية من التهميش ومحاولات سلخهم عن هويتهم القومية. وفي تركيا استخدمت الأساليب الأكثر وحشية وفاشية ضدهم: تاريخ الدولة التركية الحديثة يرتبط بشكل وثيق بالإبادات الجماعية بحق الأقليات العرقية، خاصة بعد اتفاقية 1920 بين تركيا وانجلترا. فبعد تنفيذ المجازر تجاه الأرمن في واحدة من أفظع الإبادات الجماعية سنة 1915، استكملت هذه الأعمال الوحشية ونالت من الشركس سنة 1921. أما الكرد فبدأت محاولات تصفيتهم كقومية اعتباراً من سنة 1925.
وهنا نذكر القائد عبدالله أوجلان المعتقل في تركيا، وهو من مؤسسي حزب العمال الكردستاني، والذي تتبنى نظرياته حول التحرر والقضية الكردية العديد من التنظيمات الكردية خاصة في تركيا وسوريا وإيران، ومن ضمنها "وحدات حماية الشعب" التي تشكلت في المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011. يقدّم أوجلان في عمله "مانفستو الحضارة الديمقراطية" رؤيته ونظريته حول الحل الشامل للقضية الكردية بوصفها جزءً لا يتجزأ من الحل لكل قضايا شعوب المنطقة. وفي إطار نقده لحركات التحرر الكردية التي نشطت على مر تاريخ هذه القضية، يعتبر أوجلان أن الكرد عانوا من الدولة القومية، وأن كل مآسيهم هي نتيجة الممارسة القمعية الإلغائية بحقهم من قبل الدول التي يتواجدون فيها. فالدولة التركية هي دولة قومية تركية وفي سوريا اعتمد اسم الدولة العربية السورية كدليل على الوجه القومي العربي لهذه الدولة وكذلك في العراق إبان حكم البعث، كذلك الأمر في إيران "الشيعية الفارسية". لذا فالحل للقضية الكردية بالنسبة له، لا يكون بإنشاء دولة قومية جديدة تحت مسمّى الدولة الكردية، بل يكمن بإقامة نظام كونفدرالي ديمقراطي تتعايش ضمنه كل مكوّنات منطقتنا بمختلف قومياتها ودياناتها.
هذه الرؤية الجديدة - التي تستحقّ التوسّع وهو ما لايمكننا القيام به هنا - فرضت نفسها على العديد من التنظيمات التي تعتمد الفكر "الأبوجي". فطرح وحدات حماية الشعب حول الحكم في سوريا ومناطق الادارة الذاتية ورفض الاستقلال عن سوريا جميعها نسخة طبق الأصل عن طروحات عبدالله اوجلان. كذلك يعتمد أكراد تركيا على نظريات أوجلان ويظهر ذلك جلياً في إسم حزبهم "حزب الشعوب الديمقراطي" والذي حقق نتائج سياسية باهرة في الانتخابات النيابية التركية ما قبل الأخيرة، قبل ان يتمّ تلفيق قضايا لهم - مثل عادة النظام الفاشي التركي - وزجّ معظم قياداتهم ونوابهم في السجون، ومن ثم شن حملة عسكرية تم خلالها إبادة قرى بأكملها في المناطق ذات الأكثرية الكردية.
أما في سوريا، فإن تعاظم قوة الأكراد، وبخاصة جذبهم لباقي المكونات في المناطق التي يسيطرون عليها، أثارت رعب النظام الفاشي في تركيا، ذلك النظام المتعصب قومياّ والذي يستخدم تارة لغة قومية، وطوراً حقناً طائفياً من أجل تجييش الغرائز بهدف البقاء والاستمرار. هذا النظام يشنّ اليوم حرب إبادة جديدة ضد مواطنين سوريين لم يطلقوا طلقة واحدة على تركيا، وذنبهم الوحيد أنهم كرد لا يخضعون لل "سلطان" الفاشي الذي يحكم تركيا، مع العلم بأنهم من المعارضين للنظام السوري الذي يدّعي اردوغان ونظامه أنه يدعم معارضيه. ممّا يكشف أيضاً أن النظام التركي لا يدعم المعارضة السورية بل يدعم مجموعة من المرتزقة التابعين له والذين ينفّذون أوامره وأجنداته التوسعية في سوريا. إن أردوغان الذي يحاول استغلال التناقضات الدولية واللعب عليها من أجل تصفية حساباته القومية مع الأكراد، يحاول من جهة أخرى تعويض ما يمكن تعويضه من خسائر سياسية مني بها على امتداد الأزمة السورية. فتقدم الجيش السوري وحلفائه في أكثر من مكان في الميدان السوري، وبخاصة في أرياف حماه وإدلب وحلب، يعتبر بمثابة خسارة الورقة الأخيرة في يد تركيا في أي مفاوضات حول الملف السوري.
إن المراهنات على التوازنات الدولية التي راهن عليها الكرد سابقاً، والتي ذكرنا بعضها وذكر عبدالله أوجلان الكثير منها في مؤلّفاته، والتي كانت نتيجتها دائماً أنهم الخاسر الأول والأكبر، يتمّ استعادتها اليوم. فهم مستمرون بفتح قنوات اتصال مع الروس والدولة السورية، وقد رأينا ذلك في أكثر من مكان (معركة حلب، نبّل والزهراء، منبج..) ومن جهة أخرى هم يُعتبرون القوة العسكرية الأساسية التي يستند إليها الاميركي لتنفيذ مخطّطاته في سوريا بشكل عام وشرق الفرات بشكل خاص. هذه الازدواجية قد تكون مقتل الأكراد وطموحاتهم، والذي يحصل اليوم في عفرين هو نتيجة لهذه المراهنات الخاطئة التي اعتمدها الكرد.
إن الكرد في سوريا مدعوون لإعادة ترتيب أوراقهم وتحالفاتهم، ولحسم موقفهم من المحتل الأميركي وفك الارتباط به، وبالأخص أن كل ويلات ومآسي بلادنا هي نتيجة للمشروع الأميركي التفتيتي في المنطقة. فلا فرق بين المشروع الاميركي وبين المشروع التركي في سوريا، لا بل إن كل القوى التي تعمل على تفتيت سوريا تعمل في الوقت ذاته تحت إمرة الأميركي بشكل او بآخر. فهكذا كانت تعمل داعش، وهكذا تتصرف النصرة وأحرار الشام وكذلك تركيا.
أما في عفرين، فلا شك بأن المقاتلات والمقاتلين الكرد وحلفاءهم سيقاتلون المحتل التركي ومرتزقته قتال الأبطال. إلّا أن فاشية النظام التركي ستدفعه نحو الاستعصاء العسكري أي المزيد من العنف والقتل والتدمير، وسيكون أهل عفرين أمام حرب إبادة جديدة. لذا فإنه من الواجب أمام هذا الواقع تقديم التنازلات من قبل "وحدات حماية الشعب" ومن قبل الجيش السوري في سبيل توحيد الجهود للدفاع عن الأراضي السورية بوجه الهمجية التركية وأتباعها من المرتزقة في أحرار الشام وغيرها من التنظيمات في سوريا.
إن سيطرة جيش الاحتلال التركي على عفرين سيعني العودة إلى مربع التقسيم الأول، وذلك ما ترفضه الحكومة السورية والشعب ويرفضه الأكراد أيضاً. وذلك يستدعي وحدة البندقية في وجه هذا المحتل الفاشي، وبالتالي تقريب وجهات النظر بما يخدم مصلحة الشعب السوري بكل مكوّناته ويحافظ على وحدة سوريا، كما يستدعي ذلك إقامة تفاهمات مبنية على احترام كل المكونات السورية والاعتراف بها وبحقوقها الثقافية ضمن نظام ديمقراطي علماني تتحقق فيه العدالة الاجتماعية.
يوم حاصر داعش كوباني، صمدت عشرات المقاتلات والمقاتلين لحوالي الشهر في مساحة لا تتعدى الكيلومتر المربع الواحد. خرج يومها من بينهم بطلة اسمها "Arin Mirxan" فجرت نفسها بفاشيي العصر وأنارت لرفاقها طريق النصر على داعش. واليوم في عفرين ينتظر رفاق ورفيقات "Arin" الجيش التركي ومرتزقته الذين لن يكون مصيرهم إلّا كمصير داعش، الخسارة والخيبة، مصير كل محتل وكل فاشي.