الصين: قفزة إلى الأمام في العلوم والتكنولوجيا

0
0
0
s2smodern

 نجحت الصين في ردم الهوّة التكنولوجيّة بينها وبين دول الغرب بفضل استثمارها الجدي في العلوم والأبحاث، حتى صارت اليوم من الدول الرائدة في هذا المجال، وينفتح أمامها أفق المستقبل كي تكون في صدارة العلم والتقدّم.


كان حلم الطالب الصيني الجدّي منذ عقدين أو أكثر أن ينتقل إلى إحدى جامعات أو مختبرات الغرب في الولايات المتحدة أو أوروبا، كي يكون على تماس مع أهمّ وآخر الاكتشافات والأبحاث العلميّة. وبالفعل، غزا طلاب الصين، كما أقرانهم من دول شرق وجنوب شرق آسيا العالم، وشكّلوا مورداً بشرياً هاماً استفادت منه الدول التي استقبلتهم. لكنّ السنوات الماضية حملت معها تغيّرات كبيرة، إذ أصبحت الصين خلال عقدين من الزمن من الدول العلمية الرائدة، وازداد الإنفاق على الأبحاث والعلوم الأساسية وعلى التعليم والهندسة بشكل تصاعديّ حتّى صارت مركزاً بحثيّاً متطوراً يستطيع احتضان واستثمار طاقات مواطنيه.
نجحت الصين في سياسة استقطاب الأدمغة، فصارت سلاحاً لها بعد أن كانت سيفاً مصلتًا ضدها. وبفضل السياسات التشجيعية للعلماء الشباب، صار الطلاب الصينيون يسافرون بضع سنوات إلى الخارج لاكتساب الخبرة ثمّ يعودون إلى بلادهم حيث تساعدهم الدولة في تأسيس مختبراتهم أو الانضمام إلى جامعات ومختبرات قائمة، وبمخصصات تشجيعية للعلماء الشباب، فيتمكنون بذلك من مقارعة وتخطي زملائهم الذين تدرّجوا معهم في دول الخارج. لم تأتِ هذه المتغيرات من عدم، بل تعتبر نتيجة الخطة التي وضعتها الدولة الصينية والحزب الشيوعي الصيني للارتقاء بالبلاد إلى مصافّ الدول الأولى في العالم، والتصدي لهيمنة الولايات المتحدة وتعزيز مكانة الصين كقطب سياسي واقتصادي وأيضاً كقطب علمي وتكنولوجي وعسكري صاعد، وهذا ما بدأت ثماره تظهر بالفعل.
تشير آخر الإحصاءات إلى أن الصين تخطت الولايات المتحدة بعدد الأبحاث المنشورة في مجلات علمية دولية، إذ نشر العلماء الصينيون في العام ٢٠١٦ أكثر من ٤٢٦ ألف بحث، مقابل ٤٠٩ آلاف بحث لأقرانهم في الولايات المتّحدة. هذه الحقيقة الرقمية يواجهها بعضُهم بأنّ العبرة في نوعية البحث وليس في كميته، وفي ريادته وابتكاره بعيداً من تكراره. غير أنّ الكثير من الوقائع تشير إلى أنّ علماء الصين قد حقّقوا فعلاً قفزاتٍ نوعيةً ليس فقط في كميّة الإنتاج العلمي بل في نوعيته أيضاً.
الاستنساخ وعلوم الأحياء
تحاول الصين أن تخطّ لنفسها طريقاً متميّزاً في علوم الاستنساخ والبيولوجيا وعلوم الأمراض، إذ نجح فريق علمي في مدينة شنغهاي مؤخراً باستنساخ مجموعة من القرود، في محاولة تعتبر الأقرب إلى مسألة استنساخ البشر الشائكة أخلاقياً وقيميّاً اليوم. وهذا النجاح الذي تحقّق هو الأقرب بنيوياً إلى الإنسان من بين الثديات الأخرى التي جرى استنساخها. كذلك صارت الصين في مصافّ الدول الأكثر تقدماً في علوم الخلايا الجذعية التي يجري استعمالها لإنتاج خلايا وأعضاء أخرى من جسم الإنسان، ولمعالجة أو تصحيح أخطاء جينيّة ذات تأثيرات مرضيّة. وفي حين يعزو علماء الغرب التقدّم الصيني السريع في هذا المجال إلى غياب البيئة الرقابيّة الأخلاقيّة التي تقيّد هذا النوع من الأبحاث في الغرب، يقوم العلماء الصينيون بنشر أبحاثهم الرائدة في كبريات الدوريات العلمية العالمية. وعلى صعيد اللقاحات ومحاربة الفيروسات الجديدة مثل السارس والإيبولا والزيكا، نجحت الصين في دراسة هذه الأوبئة وتطوير لقاحات مضادة لها بشكل سريع وكانت، إلى جانب الولايات المتّحدة، من أكثر الدول تقدّماً في هذا المجال.
الكومبيوتر والاتصالات
تعمل الصين على تطوير "الإنترنت الكمومي"، الذي يقوم بتخزين المعلومات على الجزيئات المكوّنة للمادة بشكل آمن ومشفّر بتقنيات كمومية تمنع اختراقه بأي شكل من الأشكال. لذلك تعتبر هذه التقنية الأكثر أمناً واستقراراً وتشكّل المستقبل الواعد لتكنولوجيا نقل المعلومات في العالم. وبالفعل، أرسلت الصين قمراً اصطناعياً اختبارياً جرى من خلاله نقل المعلومات من الأرض وإليها باستعمال هذه التقنية، ونجحت بذلك نجاحاً كاملاً، مما يفتح الباب أمام ثورة فعليّة مستقبليّة. وإلى جانب الكومبيوترات الفائقة الموجودة في الصين، والتي تعتبر من الأسرع في العالم حالياً إلى جانب نظيراتها الأميركية، يجري العمل على تطوير كومبيوترات كموميّة ستكون أسرع من الكومبيوترات السائدة بآلاف المرّات، وهذا ما بدأ يخطو خطواته الأولى رغم الصعوبات التقنية الكبيرة التي ما زالت تعيق تطوّره.
الفضاء
قامت الصين بعدّة خطوات في مجال علم الفلك، إذ دشنت منذ فترة قصيرة أكبرَ مرصد فلكي في العالم لرصد الموجات الراديوية القادمة من الفضاء لدراسة المجرات والثقوب السوداء وماضي الكون. وليس بعيداً عن ذلك كلّه، تضع الصين جهوداً كبيرةً من أجل تطوير علوم الفضاء لديها، وقد أرسلت بالفعل مركبة فضائية إلى القمر ستصله في العام ٢٠١٩، وتحمل على متنها روبوتات سيّارة قادرة على جمع عينات ومعلومات عن السطح، بعد أن أرسلت مركبة أخرى تدور حول القمر وتراقب الجانب المظلم المعاكس للأرض. وتتحضّر الصين أيضاً من ضمن مشاريعها المستقبليّة في المدى القريب لإرسال رحلة مأهولة لتكون الدولة الثانية التي يطأ مواطنوها سطح القمر. بذلك تكون الصين قد دخلت سباق الفضاء إلى جانب روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، وتسعى بدورها إلى أخذ خطوات سبّاقة في هذا المجال، مثل فكرة بناء محطة على سطح القمر بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية وهي ما زالت تحت البحث والدراسة.
إنّ مستقبل البشرية واستقرارها يرتبط عضوياً بمسألة تطوير العلوم والتكنولوجيا وتسخيرها لمصلحة الشعوب، بعيداً من الاستغلال الرأسمالي الذي لا يسعى في استثماره العلمي إلّا لتحقيق المزيد من الربح والمزيد من الاستغلال لطاقات البشريّة. وهنا تكمن المسألة الرئيسية في الصراع حول هوية العلم ومضمونه: لمصلحة من تسخّر كل هذه الطاقات الكامنة؟ هنا يكمن التحدّي أمام الصين كما كان أمام الاتحاد السوفياتي قبلها، في كسر الهيمنة وامتلاك الريادة واستغلالها لمصلحة كلّ الكوكب ومن عليه.

 

  • العدد رقم: 334
`


د. عمر الديب