منذ سنوات طويلة، ارتبطت الأغاني الفلسطينية بالهوية الوطنية، ثم تحولت مع تطور القضية الفلسطينية إلى جزء من الخطاب المقاوم. ومع كل مرحلة تاريخية، كانت الأغنية تكتسب معاني جديدة، وتحمل داخل كلماتها رسائل سياسية ووطنية مشفرة أحيانًا، ومباشرة أحيانًا أخرى.
ومن هنا يمكننا القول، بأن أي شكل من أشكال المقاومة يلعب دورًا مهمًا في عملية التحرر والتحرير، ونرى أن الفن بالمقاومة هو شكل من أشكال المقاومة ولا يقل أهمية عن المقاومة المسلحة. إذ لم يكن الفن بهذه الأهمية لِمَ تم اغتيال مقاومين بسبب لوحة، كلمة، وأيضًا أغنية؟
منذ قراءتي وإطلاعي على أعمال غسان كنفاني، مهدي عامل، وناجي العلي، بدأت أكتشف أن المقاومة ليست فعلًا عسكريًا فقط بل يمكن أن تكون أغنية أو لوحة أو نصًا. ومن هنا جاء اهتمامي بأغنية "يا طالعين الجبل"، تلك الأغنية التراثية الفلسطينية التي تحمل في داخلها تاريخًا طويلاً من الحكايات والرموز والشيفرات.
خلال زيارتي إلى مخيم برج البراجنة، بدا حضور فلسطين واضحًا في تفاصيل المكان. الأعلام الفلسطينية كانت معلقة فوق الأزقة الضيقة، والرسومات على الجدران تستعيد وجوه الشهداء والقيادات الفلسطينية، فيما حملت بعض المحال والمواقع الطبية أسماء مدن فلسطينية ما زالت حاضرة في ذاكرة الفلسطينيين، حتى اللهجة الفلسطينية بقيت متماسكة داخل المخيم، كأن الزمن لم يتمكن من اقتلاعها منذ النكبة.
في حديثي مع عدد من الفلسطينيين المقيمين في المخيم، كان واضحًا أن الأغاني الثورية ما تزال مرتبطة لديهم بصورة فلسطين الضائعة والمغتصبة وبفكرة المقاومة. بالنسبة إليهم، لا تمثل هذه الأغاني مجرد تراث قديم، بل وسيلة للحفاظ على الهوية ونقل الذاكرة إلى الأجيال اللاحقة.
ظهرت "الملولاله" وهي طريقة لغوية تقوم على إضافة حرف اللام إلى الكلمات من أجل التمويه وإخفاء المعنى الحقيقي للرسائل كي لا يتم فهمها من قبل السجّان أو الحراس، وقد استخدمت هذه التقنية في مراحل مختلفة من تاريخ فلسطين، منها في ظل الحكم العثماني، ثم الانتداب البريطاني، وصولاً إلى الاحتلال الصهيوني. ومع الوقت، أصبحت الملولاله جزءًا من الفلكلور الفلسطيني، وارتبطت بالأغاني الفلسطينية.
ومن هنا يمكننا التحدث عن أغنية "يا طالعين الجبل"، وهي واحدة من أشهر الأغاني التراثية الفلسطينية المرتبطة بالمقاومة الشعبية، وواحدة من أغاني المقاومة التي كانت تخرج من أفواه النساء الفلسطينيات. وكانت النساء يقمن بغنائها لإيصال رسائل مشفرة إلى المقاومين الذين تم سجنهم. لم تكن الكلمات عفوية، إنما حملت شيفرات يفهمها الفلسطينيون وحدهم. فقد كانت النساء الفلسطينيات حلقة وصل بين المقاومين في السجون وخارجها. وفي هذه الفترة، أي أواخر الحكم العثماني، شهدت بداية النضال النسوي الفلسطيني، كما تكشف الأغنية عن الدور المهم الذي لعبته النساء الفلسطينيات في النضال الشعبي. فالنساء لم يكن ناقلات للرسائل السرية فقط، إنما شاركن في حفظ الذاكرة وفي صناعة الخطاب المقاوم.
تحمل هذه الأغنية مجموعة من الرموز والشيفرات، فكلمة "الغزال" لم تكن تشير إلى معناها الحرفي، بل كانت تشير إلى الفدائيين الذين سيأتون لتحرير الأسرى في السجون. أما النار في الأغنية فكانت بمثابة إشارة متفق عليها لبدء عملية التحرير. وبهذا المعنى تحولت الأغنية إلى وسيلة تواصل سرية، وإلى شكل من أشكال المقاومة التي واجه بها الفلسطينيون أدوات القمع الاستعماري.
ورغم القيمة الثقافية والتاريخية لهذه الأغاني، يشعر كثيرون اليوم أن الجيل الجديد بات بعيدًا عنها. فمع غيابها عن المناهج الدراسية وضعف تداولها داخل المنازل، بدأت بعض هذه الأغاني تختفي تدريجيًا من الذاكرة. ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات الثقافية والأحزاب داخل المخيمات تحاول الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة بوصفه جزءًا من الهوية الوطنية الفلسطينية.
تكشف أغنية "يا طالعين الجبل" أن الفن لم يكن يومًا هامشًا في القضية الفلسطينية، بل كان أحد أشكال المقاومة الأساسية. فالأغنية الفلسطينية ليست مجرد أغنية عابرة، بل هي ذاكرة ورسالة سياسية ولغة سرية أيضًا. ومن خلالها يتضح كيف استطاع الفلسطينيون تحويل الفن إلى أداة مواجهة وإلى وسيلة لحماية ذاكرتهم من النسيان، حتى في أكثر اللحظات قسوة.
كلمات أغنية "يا طالعين الجبل"
ﯾﺎ طﺎﻟﻌﯾن
ﻋﯾن ﻟﻠل اﻟﺟﺑل
ﯾﺎ ﻣوﻟﻠل
اﻟﻣوﻗدﯾن اﻟﻧﺎر
ﺑﯾن ﻟﻠﻠل
ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
ھﻧﺎ ﯾﺎ روح
ﻋﯾن ﻟﻠل
ﻣﺎ ﺑدي ﻣﻧﻛﻲ ﻟﻠﻠﻛم ﺧﻠﻌﺔ
وﻻ ﻻﻻﻻ
ﻻﺑدي زﻧﺎر
ﺑﯾن ﻟﻠل
ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
ﻋﯾن ﻟﻠل اﻟﮭﻧﺎ ﯾﺎ روح
ﻣﺎ ﺑدي ﻣﻧﻛﻲ ﻟﻠﻠﻛم ﺧﻠﻌﺔ
و ﻻ ﻻﻻﻻ
ﻻ ﺑدي ﻣﻠﺑوس
ﺑﯾن ﻟﻠل
ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
ﻋﯾن ﻟﻠل اﻟﮭﻧﺎ ﯾﺎ روح
إﻻ ﻏزال
ﻟﻠﻠﻠﻠﻠذي ﺟوﯾن
ﻟﻠﻠﻠﻛم ﻣﺣﺑوس
ﺑﯾن ﻟﻠل ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
اﻟﮭﻧﺎ ﯾﺎ روح ﻋﯾن ﻟﻠل
إﻻ ﻏزال ﻟﻠﻠﻠﻠﻠﻠذي
ﺟو ّ ﯾن اﻟﻠﻠﻠﻠﻠﻛم ﻣﺎ ﯾدوم
ﺑﯾن ﻟﻠل ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
ﻋﯾن ﻟﻠل اﻟﮭﻧﺎ ﯾﺎ روح
ﯾﺎ طﺎﻟﻌﯾن
ﻋﯾن ﻟﻠل اﻟﺟﺑل
ﯾﺎ ﻣوﻟﻠل اﻟﻣوﻗدﯾن اﻟﻧﺎر
ﺑﯾن ﻟﻠﻠل ﯾﺎﻣﺎن ﯾﺎﻣﺎن
ﻋﯾن ﻟﻠل ھﻧﺎ ﯾﺎ روح