التخوين، والتخوين المضاد: فعل إعلامي بعيد عن الواقع السياسي

يُعبّر مصطلح "التخوين"، عن ظاهرة دائمًا ما تتصدر المشهد في الساحة اللبنانية، عند كل حدث، أو استحقاق سياسي. ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي إلى المجتمع، تغير تفسير كلمة "الخيانة". إذ أصبحت إجابة على كل سؤال يُطرح، وردًا على كلّ انتقاد أو رأي يُخالف خيار رؤوس الهرم. وهنا لا نتحدث عن شخصية محددة، أو جهة واحدة. فإذا وضعنا سياق استخدام التخوين، تحت المجهر منذ 17 تشرين 2019 وحتى ما بعد جبهة الإسناد عام 2023، رغم وجود هذه حالة منذ زمن، نستنتج أن فعل التخوين لا يقتصر على فريق سياسي، بل يُوظف عند أحزاب الطوائف وأدواتهم الإعلامية لمجرد الاختلاف بالرأي. فيجد المُنتقِد نفسه إمّا عميلًا لسفارات غربية لم يزرها يومًا، أو فارسيًا وممانعًا، وهو نفسه، المُنتقد، يكون قد خُوّن سابقًا من فريق الممانعة.
ولا بد من التوضيح هنا أن استخدام المصطلحات، هو لمحاولة توصيف الواقع، وليس إيمانًا بالتفسيرات المُرَوّج لها، لما يشوب تفسيرها من شوائب.

الخطاب التخويني بين انتفاضة 17 تشرين والعدوان الإسرائيلي

يُمكن الجزم هنا، أن أكبر سقوط أخلاقي في الخطاب الإعلامي السياسي، بدأ مع بداية العدوان الإسرائيلي على غزة وجنوب لبنان، حيث حاول الإعلام العالمي، التغاضي عن المسار الإحلالي الإبادي للشعب الفلسطيني، كما جرت العادة منذ دخول العصابات الصهيونية إلى الأراضي المحتلة، مصوّبًا كل الجهود حول ما حصل في يوم السابع من أكتوبر. بالرغم من ذلك، فشل ذلك الأخير، برسم صورته الملمّعة جرّاء الوحشية الصهيونية الفاضحة في غزة، ثم لبنان.
لكن اللّافت في هذا السياق، هو بدء بعض النخب والناشطين السياسيين، بإعطاء صبغة فكرية مُختلَقة لكل من تضامن مع المقاومة الفلسطينية، وقدّر التضحيات التي يُقدمها أبناء غزة وجنوب لبنان، انطلاقًا من حق الشعوب بالدفاع عن أرضها. فتحول المتضامنون بنظر بعض "النخب" اللبنانية، إلى متبنين لكل خيارات حزب الله السياسية، وإلى ولائيين لولاية الفقيه، متناسين أن هؤلاء الأفراد نفسهم، أي الذين تضامنوا مع المقاومة، قد تعرضوا للتخوين خلال انتفاضة 17 تشرين من قبل حزب الله وجمهوره. فيصبح اليساري العلماني المؤيد لفعل المقاومة، أو الرافض لمسار السلطة اللبنانية الحالية، "إسلاميًا"، أو كما يتم وصفه بالـ"نيو ممانع"، أو "اليسار الأصفر"، ويتناسى النخبوي، أن فعل المقاومة هو مسار موجود في كافة أنحاء جغرافيا العالم، وهو فعل فطري قبل صبغته بالأفكار والمعتقدات، دينية كانت أو لا دينية.

السياق الأوسع: التخوين كنتيجة للطائفية السياسية

ذكرنا سابقًا أن التخوين موجود منذ عقود، وفي الحالة اللبنانية الطائفية، مع انتماء الطوائف إلى القوى الإقليمية والدولية المتصارعة، يسهل تبادل التخوين. فمع غياب الدولة، وبالتالي غياب المصلحة الوطنية، تختلف الطوائف بتشخيص مصالحها، فتظن أنها متضاربة، من المنطلق الطائفي، وتتأثر بالصراعات الخارجية لما في ذلك من شعور بالانتماء إلى القوّة. فينظر كل فرد إلى الآخر على أنه ينفّذ أجندة خارجية مختلفة، ويتحول التخوين من فعل يُخان فيه البلد، وتُباع فيه الأرض، إلى مصطلح يردد عند كل حدث بسيط أو كبير، ويُصبح من ينتقد فرض الضرائب على الشعب، والتحالف مع أصحاب المصارف خائنًا أو عميلًا، لرفضه المضيّ بحكومات تُراكم الأزمات. فلا يبقى بيد الأحزاب الموجودة بالحكومة، والمفروض عليها بفعل الانتماء الطائفي البقاء فيها نسبة لطلب الخارج، سوى التّخوين. فيصبح الخائن ليس من تضارب مع المصلحة الوطنية، بل من رفض تضارب الطوائف، أو تقاطعت مواقفه الوطنيّة مع إحداهما، بفعل تضارب الخارج مع المصلحة الوطنية.

كيف يُدار التخوين؟

من الواضح جدًا أن الإعلام اللبناني، التقليدي والجديد، يغلب عليه طابع عمل الشبكات والجيوش الإلكترونية، فتتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى أدوات تبدأ من التوجيه حتى النشر. وما يقع بعد النشر من خطاب تخويني وطائفي، يُوظف كحملات إعلامية على خصوم السياسية. إلا أن إلقاء نظرة موضوعية على الواقع السياسي، كفيل بتوضيح أنه لا تأثير للتجييش الإلكتروني على الساحة السياسية. وإذا وُجد تأثير ما، فهو على الأفراد وعلاقاتهم الشخصية، ولا يُصيب الساسة ومسؤولي السلطة وتقاطع مصالحهم الخاصة، حتى في ذروة الخصومة الطائفية، ولنا بالعلاقة الإيرانية السعودية منذ اتفاق بكين خير دليل، بين الميدان السياسي، والتراشق الإعلامي.

وما يُحزن، لا سيما في الحالة اللبنانية، هو حجم التشنج الطائفي الذي يترافق مع الأحداث السياسية، ونتائجه، وآثاره، إلا أن تأثر الضحايا ـ المواطنين ـ بعلاقاتهم الاجتماعية، لا ينعكس على علاقات زعماء الطوائف والمسؤولين، التي تحكمها المحاصصة الطائفية والاستثمارات الخاصة والمصالح الفردية.

هل انتقاد التخوين يلغي وجود الخيانة؟

ليس انتقاد التخوين والتخوين المضاد هو لمجرد انتقاد الحالة، بل لفهمها، ولفهم الفعل الحقيقي للخيانة. ولنهضة المجتمع، من ناحية، من المهم فهم الأفراد لكيفية إدارة السلطة والمسؤولين للسياسات، من دون انقطاع علاقاتهم، ومن ناحية أخرى، كي لا يقع المواطن ضحية خلافات ظرفية غير جذرية. فالوصول إلى قاع الخطاب السياسي الذي وقعنا به في لبنان، يعود إلى انتقال مستوى النقاش من محاولة تحصيل حقوق العمال، وطرح المشاريع السياسية وتطوير الأفكار التحررية تاريخيًّا، إلى تبادل الاتهامات بالعمالة والتخوين من كافة الأفرقاء السياسية. والخلاف السياسي القائم على طرح مشاريع ومسارات واضحة، عمل مشروع، حيث يمكن للطروحات أن تتطور للبحث فيما يصب بالمصلحة الوطنية وما يخالفها. أما الاكتفاء بالتخوين، ما هو إلا ترقيع ظرفي لتجييش الجمهور حتى انتهاء الحدث، أو نتيجة لغياب أي طرح سياسي منطقي.

ما هو الحل؟

إذا تُركت الغريزة الطائفية والتبعية العمياء القائمة على التمويل من دون إدارة وضبط، فمن الطبيعي أن تقود إلى ما نشهده اليوم. والدور الذي كنا ننتظره ممن يرفعون شعار بناء الدولة، هو بناء مؤسسات قادرة على تنظيم العلاقة بين الطوائف، وإدارة الاختلاف ضمن إطار الدولة والقانون. ويبدأ ذلك بإقرار قوانين تضبط وسائل الإعلام، والخطاب السياسي، وتحدّد الأطر لعملها، بما يصب بالمصلحة الوطنية، بالإضافة إلى توفير مصادر رسمية موثوقة يعتمد عليها الجميع في نقل الأخبار، إلى جانب مسؤولين يتعاملون مع الأحداث من موقع المسؤولية تجاه المجتمع بأسره، لا من خلال خطاب يعزّز الانقسام أو يؤجّج الاصطفافات.
وفي غياب هذا الدور، يصبح من الطبيعي أن تستثمر الأحزاب الطائفية والشبكات السياسية المُموّلة من الخارج، في تأجيج المشاعر والغرائز الطائفية، وتعبئة جمهورها لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، ولو كان ذلك على حساب مصلحة المجتمع، ووحدته، وتماسكه.