لا بكاء ولا رثاء يرقى لحجم نكبتنا

أفكّر، منذ الدقيقة الأولى لتجدّد هذه الحرب، بخليل حاوي، وبتيسير سبول، وأخيرًا بليلى شهيد، كما لا تغيب عن ذهني صورة شاب جنوبيّ أخذ قراره بالعبور فجر تلك الليلة.

لا أكفّ عن التفكير فيهم. فأنا، في أصل الأشياء كلّها، عُقلةٌ جنوبيّة، لا تحيا ولا تُدفن بغير ترابه.

لكنّني أفكّر أيضًا، كثيرًا، بخالد علوان، ولو أنّني على معرفة بيّنة بأنّ شكل الاحتلال قد تغيّر، ولم تعد طرق الماضي تنفع في مواجهته. وأشدّد أن لا رغبة لدي برمسنة الكارثة.

منذ الأيام الأولى للحرب، هيّأت نفسي لأقسى المشاهد: قد ينبت العفن الصهيوني على مواضع وطأتي، وقد ينسف أحياءنا ويضحك، وقد لا يبقى ثابتٌ نستدلّ به على الجهات. جعلت أقوم وأقعد على هذه الفكرة. وكلّما خرج إلينا الاحتلال بشكل جديد من العدوان المستمرّ على أرواحنا، جعلت أثبّت نفسي وذهني على فكرة واحدة، وهي أنّ هذا العدوان فعلٌ موجّه إلى عزيمة كلّ فردٍ فينا، كي لا نحاول أن نرفع رؤوسنا في وجه طغيانه من جديد.

أدرك كم هو شائك انتهاج هذه الصيغة من التفكير، التي قد تبدو للبعيد مثاليةً جدًّا، وكأنّني أقايض الفكرة، فكرة المقاومة، بالأرواح والأرزاق، وكم قد أبدو، في أحسن الأحوال، قاسيةً منفصلةً عن الواقع.

من يعرفني يعرف أنّ الجنوب روحي ووجهتي وهويّتي، وأنّني أعيش عمري في محاولة اكتناز بعض الأيام فيه. لكنّني طبّعت مع مُرّ القادم من الأيام؛ فقد نفني عمرنا في محاولة أن نستعيد ما خسرناه، أو في التفكير والتخطيط للرجوع عن الخسارة الدائمة، لكنّه لن يكون عمرًا ناقصًا تتجوّفه خيبةٌ كخيبة استيعاب الخسارة والتسليم بها أبدًا.

لهذا، كالطفل الذي يحمل كأسًا على شفا الفيض، أحفظ ذاكرة المكان كلّ يوم؛ فقد يسألني المسّاحون والمهندسون والخطّاطون واللاحقون يومًا عن مكان البيت، والتينة، وشجرة الجوز، والحسينيّة، والمقبرة، واتجاه الشمس والظلال.

إذا مرّت هذه الغيمة على حياة عمري، سأجلس حينها، وسأمارس بشريّتي في بكاء قهر الكبار، وعذاب الحيوانات، واقتلاع الأثر، وفي رثاء ما لا يمكن أن يعود.

هذا التعبير البلاغي ليس إلّا نداءً ودعوة لتربية الأمل الحميد، كخطوة ابتدائية للعمل على تفنيد أبدية الهزيمة قبل أن تتأبد.

يا منكوبي اليوم، ومنكوبي الأمس، ومنكوبي الغد؛ قد يرى بعضنا في لفظ "كيان" تقديرًا مبتسرًا لعظمة اسرائيل وجبروتها، لكنّ اسرائيل الدولة في تنظيمها وشكلياتها تظلّ في جوهرها كيان استعماري استيطاني، وهي، كما قال فانون في مثيلاتها :"[ليست] آلةً مفكِّرة، ولا جسدًا مزوّدًا بالعقل. إنها العنف في حالته الطبيعية، ولا يمكنه أن يخضع إلا لعنفٍ أكبر."

الآن، وبعد الاتفاق الإقليمي، مهما يكن شكله، قد تتبدّل وتيرة موتنا ومحونا، وقد لا تتبدّل. أكثر من سبعين قرية من قرانا ما تزال تحت الاحتلال. وفي مواجهة العبث الصهيوني، بما يتجاوز حدود المواجهة العسكرية الراهنة؛ وفي مواجهة الانقسام الداخلي، والفراغ الذي خلّفته الهزيمة، وتراجع التضامن الشعبي أحيانًا، وجب علينا أن نحافظ على المقاومة بوصفها فعلًا عضويًا حيًّا في جميع أشكالها، وأن نوجّه هذا الفعل ونطوّره على أن يتجاوز ضيق الظّرف الآني إلى نهج طويل الأمد. علينا بالعمل اليوم وغدًا.