لما الإشتراكية؟

في صباح أحد الأيام، بادرتني والدتي بسؤالٍ بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان يحمل في طياته تساؤلًا عميقًا ظل يراوِدها لسنوات: لماذا اخترتَ أن تكون شيوعيًا؟ ولِمَ تلك القناعة الراسخة بهذا الخيار، رغم أن ما نعيشه وما نشهده في العالم من حولنا لا يبدو مشجعًا لمثل هذه التوجهات؟

كان سؤالها موجهًا بشكلٍ غير مباشر نحو الصين، وكأنها تسأل: ماذا قدّمت لنا هذه التجربة؟ لكنّ جوهره كان يتعلق بي أنا، بخياراتي، وبقناعاتي التي تبدو لها، في كثير من الأحيان، غير واقعية في عالم يتوحش فيه الإنسان.

لم أتردد في الإجابة، لكنني اخترت طريقًا مختلفًا. قلت لها: «تخيلي حياتنا من دون التجربة الاشتراكية». فكرت للحظة وقالت: «لم أفهم ما قصدك». فتابعت: «تخيلي لو أن الثورة البلشفية لم تنجح قبل أكثر من مئة عام. هل كان مجتمعنا ليبدو على ما هو عليه اليوم؟ هل كنا نمتلك هذا العدد من الأطباء والمهندسين والصيادلة والإعلاميين؟». أجابتني: «لا أعتقد». فسألتها: «هل كنتِ ستملكين هاتفًا ذكيًّا بين يديك، أو شاشة ذكية في منزلك، لولا وجود الصين في عالم الإنتاج، وكسرها احتكار الرأسمالية العالمية؟ وهل كانت التكنولوجيا المتطورة، التي نافست بها عمالقة التصنيع الغربيين، لتصل إلينا بأسعار معقولة لولا هذا التوازن الذي فرضته التجارب الاشتراكية؟»

أقرّت بأن كل ذلك، على الأرجح، لم يكن ليكون موجودًا، أو على الأقل لم يكن ليكون في متناولنا كعامّة الناس.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف كان سيبدو العالم من دون هذه التجارب الاشتراكية؟ من وجهة نظري، كنتُ سأجيبها بأنه كان ليصبح أشبه بمسلسل «لعبة الحبار» (مسلسل كوري جنوبي انتجته نتفليكس) عالم من الفقراء والمهمشين والجهلاء، يتصارعون في حلبة وحشية لإرضاء جشع أرباب رأس المال، الذين تآكلت إنسانيتهم بسبب اللامبالاة والرفاهية المفرطة.

لكن هذا الجواب، مهما بدا مقنعًا، لا يروي القصة كاملة. هناك نقاد لهذا الطرح، وهناك خيارات أخرى يتبناها البعض. لكنّ يقيني بهذا الخيار لم ينبع من حبٍّ أعمى للتجمعات المؤيدة له، ولا من ولاءٍ لأي جهة، بل من قناعة ذاتية نابعة من رغبةٍ حقيقية في تحقيق حياة تُشبه حلمي: السفر كرحّال، والتجول بين الثقافات، والتعرف إلى تاريخ الناس وعاداتهم، بل وحتى لقاء تلك الفتاة التي لفتت انتباهي من مجتمع آخر، أو ثقافة مختلفة، أو بلد بعيد، دون حواجز.

لكني أدرك، أن خلاصي لا يمكن أن يكون فرديًّا. فلن يتحقق حلمي طالما أن خالتي لا تزال تربي الماشية دون حياة كريمة أو تغطية صحية أو رعاية اجتماعية. ولن تطمئن نفسي وأنا أرى جدتي تعاني في المستشفى من أمراضٍ تركتها في جسدها سنواتُ المشقّة والعناء. كما أن تحقيق ذواتنا ورغباتنا الخاصة يظلّ مستحيلًا ما لم نحقق العدالة في عالمنا، وننهي المجاعة، ونوقف الإبادة، وننهي الإستغلال...
فالاشتراكية ليست فقط تحقيق مصلحة العامة، بل هي إدراك جماعي بأن مصالحنا الذاتية بتكاملها مع مصالح البشرية جمعاء هي السبيل في بناء عالم أكثر رخاءً واستقرار.

لذا، فإن كل هذه القضايا تندرج ضمن إطار سياسي واضح: لا يمكننا تحقيق أيٍّ منها من دون مصلحة جماعية مشتركة، ومن دون وعي جمعي يضع الإنسان في قلب المعادلة. لذا، وفي سبيل كل هذا، لا بد من النضال من أجل الاشتراكية. ليس لأنها رغبة مشتركة، بل لأنها السبيل الوحيد لعالمٍ أكثر عدلًا، حيث لا تكون فيه المعرفة حكرًا على الذوات، ولا التكنولوجيا سلعةً للنخبة، ولا الكرامة حلمًا بعيد المنال.

واليوم، أكثر من أيامٍ مضت، وأمام كل ما نراه من توحّش رأس المال في فتكه بالإنسان والطبيعة، لا بد لنا من استذكار هذه المقولة بالذات: «إما الاشتراكية أو البربرية».