حين يروي الصمت تاريخ النصر - شهادات من وحي سيرة مازن عبود في ذكراه الرابعة    

 

في فجر الأول من نوفمبر عام 1958، حين كانت بيروت تفتح عينيها على ضوء خجول يتسلل بين الجدران العتيقة، وفي زقاق ضيق من أزقة عين المريسة حيث تتعانق الحجارة وتتشابك حكايات الفقراء، ولد طفل صغير أسموه عبد الكريم حسين عبود.

لم يكن أحد يعلم، في تلك اللحظة البسيطة التي فتح فيها المولود عينيه على ضوء المدينة المتردد، أنه سيكون يوماً "مازن"... أسطورة ترويها الأزقة، وقبساً يضيء دروب المقاومة، واسمٌ يتردد في مجالس الرفاق بعد أن يغيب عنهم، كأنه نجم لا يُرى في النهار لكنه يضيء الليل كله.

كان ابن عائلة جنوبية نزحت من بلدة عنقون في قضاء صيدا، هاربة من الفقر والتهميش والبطالة في أواخر الخمسينيات، لتستقر في أزقة عين المريسة الضيقة. وهناك، حيث تسحق الطائفية أحلام المعدمين، وحيث يتسلط الأقوياء على المستضعفين، رأى مازن بعينيه كيف يصنع الذل، وكيف تباع الضمائر في أسواق السياسة الرخيصة، وكيف يُقسّم الناس إلى طوائف كأنهم سلع في سوق، كلما ارتفع ثمن طائفة انخفضت قيمة إنسان.

تعلم باكراً أن الحياة ليست أنفاساً تتردد في الصدر، بل كفاح يومي من أجل الخبز والكرامة. تعلم أن الفقر لا دين له ولا طائفة، وأن جوع الطفل المسيحي لا يختلف عن جوع الطفل المسلم، وأن بكاء الأمهات يتحد بلغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمان. وحال ضيق اليد دون مواصلة تعليمه، فراح يعمل مع والده، إلى أن ابتدأت الحرب الأهلية من بيروت نفسها، التي شهدت منطقة عين المريسة وجوارها أعنف جولاتها في ما سمي حينها "معركة الفنادق".

 

البدايات: الطريق إلى الحزب

في شبابه المبكر، تعرّف مازن على شباب من جيله ومن يكبره سناً، كانوا يحكون له عن النضال من أجل عالم أفضل، خالٍ من الاستبداد والاستغلال، عالم يتساوى فيه الإنسان، عالم يعيش فيه الإنسان بكرامته وتتوفر به حاجاته الإنسانية والمادية. أخذ مازن يتردد حيث كان هؤلاء الشباب يجتمعون بشكل دوري، "إنهم شيوعيون"، وأيضاً كان يقرأ كل ما يقع تحت يده. كان يبحث عن إجابة لسؤال واحد: لماذا هذا الظلم؟ لماذا يولد بعض الناس وفي أفواههم ملاعق من ذهب، بينما يولد آخرون وفي أفواههم حسرة لا تنتهي؟

كان قراره بالانضمام إلى الحزب الشيوعي اللبناني محسوماً، نبع من قناعة راسخة ترسخت بعد البحث والتفكير والمعاناة. رأى مازن أن الطائفية آفة لبنان، وأن الفقراء في كل الطوائف يعانون من ظلم واحد، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتجاوز الانقسامات المذهبية. كانت الشيوعية بالنسبة له مشروعاً إنسانياً لتوحيد الناس تحت راية العدالة الاجتماعية والمقاومة الوطنية.

 

مازن... الاسم الرمز

أما اسم "مازن"، فلم يختره صدفة. في اللغة العربية، يعني "السحاب الماطر الذي لا يبخل"، والرجل العزيز الممتنع الذي لا يُذل. وكان اسماً رمزياً للفدائيين الأوائل الذين حملوا السلاح دفاعاً عن فلسطين.

اختار مازن هذا الاسم لأنه أراد أن يكون مثلهم: يمطر الأرض عزّة، ولا يبخل بروحه، ويعيش عزيزاً أو يموت. كان يرى في الاسم دعوة مستمرة، وعهداً لا ينكث، ورسالة يفهمها من يعرفون قيمتها. كان هذا هو دستوره الذي عاش به ومات عليه.

 

في رحى الحرب: مازن المقاتل

في رحى الحرب الأهلية التي مزّقت لبنان، حين تحولت الشوارع إلى خنادق، برز مازن كقائد ميداني استثنائي. لم تكن قيادته مجرد أوامر تُلقى. كان يجلس مع رفاقه، يشاركهم رسم الخطط، ويجعلهم شركاء في التفاصيل لا مجرد منفذين. كان يقول لهم:

"هذه معركتنا جميعاً. لكل واحد منكم دور، ولكل واحد منكم أهمية. أنا لست أكثر منكم، أنا مجرد من ينسق جهودكم."

وفي لحظات الخطر، كان يتقدمهم لا يتأخر عنهم. كان يرى أن القائد الحقيقي هو من يكون في مقدمة الصفوف، لا من يختبئ خلفها. كان يقول:

"الجنود لا يتبعون من يأمرهم، بل من يسبقهم. إذا أردت أن يثقوا بك، كن معهم في الخندق، لا في المكتب."

وكان يفتخر، من دون غرور، بأنه لم يفقد أي رفيق طوال سنوات القتال، رغم كل المخاطر. لم يكن محظوظاً ولا جباناً؛ بل كان يملك قدرة استثنائية على قراءة الميدان. كان يخطط للعمليات بدقة متناهية، كمن يلعب الشطرنج لا الحرب. كان يصر على أن يعرف كل مقاتل موقعه تماماً كأصابع يده، ويؤمن أن حياة كل مقاتل أمانة في عنقه.

 

كان يقول في جلسات التخطيط:

"الموت في سبيل الوطن شرف، لكن إهدار حياة رفيق بسبب سوء تخطيط جريمة. الجريمة ليست في أن نموت، الجريمة في أن نموت دون فائدة، أو أن نموت بسبب غباء قائد لا يعرف ما يفعل."

هذه الفلسفة جعلت منه قائداً محبوباً من رفاقه لأنه يحميهم.

يقول الرفيق حنا غريب، الأمين العام للحزب، في شهادته المؤثرة عن مازن:

تمضي أربع سنوات، كأنّ الزمان توقف عند نظرة الوداع الأخيرة، أو كأنّه انهار فجأة في غيابه. لم يهدأ لبنان بعد رحيله، بل اشتعل الجنوب تحديداً، وصارت البيوت هناك ترتجف على وقع ما كنا نخشاه. النظام الطائفي، بكل تبعاته، وصل إلى قعر الهاوية؛ حكومات تتالى كأنها لا ترى الفقر يلتهم الأرزاق، ولا البطالة تدفع الشباب إلى المهاجر، ولا النزوح يحوّل القرى إلى أشباح.

في الجنوب، حيث كان يعرف كل حجر وكل رصاصة، عاد العدو الصهيوني ليحتل. عدوٌ عرفه مازن عن قرب، وذاق وحشيته في المعارك، يمارس اليوم إبادةً جماعيةً في فلسطين ولبنان معاً. المعركة طويلة، فيها تألق الانتصار كنسيم الجليل، وفيها مرارة الخسارة التي تكاد تخنق، لكن درب المقاومة لا يغلق. كان مازن يردّد، وكأنه يقرأ وصية شهيدنا مهدي عامل: "لست مهزوماً ما دمت تقاوم".

 

شهادة الرفيقة ماري الدبس

في شهادتها عن مازن، تقول الرفيقة ماري الدبس التي واكبت عمله منذ البدايات:

"في خضمّ أيلول الأسود عام 1975، حين تحوّل مرفأ بيروت إلى مشهد من دماء ولهيب، وتشقّقت الطرقات المحاذية له بالرصاص، طُلب مني أن أحضر إلى مركز فرع عين المريسة. كان الاجتماع مشحوناً بوجع الساعة، نناقش كيف نمنع تكرار المأساة، وكيف نقف في وجه هذا السيل الجارف. استمر النقاش ساعتين، وعندما هممت بالانصراف، اقترب مني شاب لم يتجاوز السابعة عشرة. بصوت هادئ، سأل عن بعض ما قلته، واقترح، باختصار شديد ووضوح لافت، تدابير عملية. لم أتمالك نفسي من الإعجاب بذكائه الفطري، وقدرته على ترتيب الأولويات كمن يقرأ خريطة طريق في ظلام دامس.

"ذاك كان مازن. وهذا الانطباع لم يتبدّل أبداً، لا مع مرور السنين، ولا مع المرض، ولا مع الموجات المتتالية من المآسي التي ضربته. كان هادئاً كالبحر في عاصفته، لا يهاب الموت، بل يسبقه بحلول ذكية، وهمّه الأكبر أن يحجب عن رفاقه الرصاصة أو القذيفة. وعندما أطلق هو والرفيقان فهد وعمّار رصاصات 'جمول' الأولى في وجه المحتل الصهيوني، كان يعرف بالضبط ما يريد، وكيف يصل إليه."

 

 

بيروت... معركة لا تنسى

في السادس من حزيران 1982، حين اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان، كانت بيروت في قلب العاصفة، ومازن في قلب بيروت. شارك في الدفاع عن المدينة المحاصرة، مع رفاقه المقاتلين، عند مدخل الجامعة العربية. وقفوا هناك بكل شجاعة، في وجه الهجوم الإسرائيلي العنيف، يبطئون تقدمه ويُسببون له خسائر كبيرة.

كان المشهد مهيباً: مجموعة من المقاتلين ببنادقهم البسيطة، يقفون في وجه أقوى جيش في المنطقة. كانوا يعرفون أنهم لا يستطيعون إيقاف هذا الجيش، لكنهم كانوا يعرفون أيضاً أن كل دقيقة يكسبونها هي دقيقة تزيد من خسائر العدو، وتؤخر تقدمه، وتمنح المدنيين فرصة للنجاة.

وعندما تأكد مازن أنه لا يمكن إيقاف هذا التقدم، اتخذ قراراً صعباً، قرار القائد الحقيقي: أمر مجموعته بالانسحاب إلى داخل بيروت والاختفاء في البيوت، بينما بقي هو مع مجموعة صغيرة من الأكثر جرأة، لمواجهة العدو حتى النهاية.

كان الانسحاب منظماً، لم يتركوا وراءهم جريحاً، ولم ينسوا سلاحاً. كانوا يعرفون أن السلاح هو أمانتهم، وأن فقدانه يعني فقدان القدرة على المقاومة.

لكن ما رآه مازن بعد ذلك كان أقسى من الرصاص: رايات بيضاء ترفع، وسلاح يُلقى في المزابل، ومجازر صبرا وشاتيلا التي هزت ضمير العالم، لكنها لم تهز ضمير من كانوا يرفعون رايات الاستسلام.

في تلك اللحظة الفاصلة، حيث تحطمت كل الأوهام، حيث تبين أن الاستسلام لا يجلب الأمان بل يجلب الموت، وأن الرايات البيضاء لا تحمي الأبرياء بل تسلمهم للقتلة، انبثقت "جموّل" – جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – من رحم الألم ومن صلابة رجال لا يعرفون الانكسار. وكان مازن روحها الضاربة، ونبضها النابض، وسيفها الذي لا ينكسر.

 

رصاصة "جمول" الأولى

في السادس عشر من أيلول 1982، أعلن الحزب الشيوعي اللبناني، مع منظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي، انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جموّل". كان الرد الثوري من قلب بيروت المحتلة، رفضاً للاستسلام، وإعلاناً مدوياً أن المقاومة ليست مغامرة ولا نزوة، بل واجب وطني مقدس، وشرعة لا تتنازل عن شبر من تراب الوطن.

مازن لم يكن مؤسساً بالمعنى السياسي، لكنه كان الروح الضاربة في قلب هذه الجبهة. ومنذ تلك اللحظة، كان حاضراً في كل زقاق من زواريب بيروت، كالشبح الذي لا يُمسك، يلاحق جنود الاحتلال في كل شارع.

مازن ورفاقه هم الذين أطلقوا الرصاصات الأولى التي هزّت كبرياء جيش ظن أن بيروت تُفتح بالمفاتيح، وأن مقاومتها مجرد كلام. كانت رصاصته الأولى إعلان ميلاد جديد، ميلاد عزّة لا تُهان، وميلاد إرادة لا تُكسَر.

يروي الرفيق عمار في شهادة له عن تلك اللحظة:

"كنت مع مازن حين أطلق الرصاصة الأولى. كان هادئاً كمن يصلي، مركزاً كمن يقرأ كتاباً. لم تكن يداه ترتجفان، ولا عيناه ترمشان. كان يعرف بالضبط ماذا يفعل، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة طوال حياته. بعد أن أطلق، التفت إلينا وقال: 'ها هي بداية النهاية. تذكروا هذا اليوم، لأنه اليوم الذي بدأنا فيه نكتب تاريخنا بأيدينا، لا بأيدي غيرنا'."

 

استمرت العمليات تتسع وتشتد، ووصلت ذروتها بأربع عمليات نوعية في يوم واحد، حتى ارتعدت فرائص العدو، واضطر إلى الانسحاب من بيروت في 27 أيلول، تاركاً خلفه جيشاً مهزوماً، لم يتوقع أن يواجه كل هذه المقاومة الشرسة. كان مازن ورفاقه يلاحقون آليات العدو في شوارع بيروت، وكان الجنود الإسرائيليون ينادون عبر مكبرات الصوت: "يا أهالي بيروت، لا تطلقوا النار علينا، نحن منسحبون". كانت خدعة انسحاب، لكن عمليات "جموّل" لاحقته إلى كل مكان تواجد فيه، ولم تترك له مفراً.

 

حتى النصر

لم يتوقف مازن بعد تحرير بيروت، لم تهدأ رصاصته ولم يسترح جسده المتعب. تابع هو ورفاقه ملاحقة العدو إلى الضاحية الجنوبية، وإلى الجبل، وإلى البقاع الغربي، وإلى صيدا والنبطية.

حررت "جموّل" معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، دون قيد أو شرط، ودون انتظار قرارات دولية تتأخر، عابرة بالوطن إلى شرق جديد: احتلال إلى زوال، وعملاء إلى مزبلة التاريخ.

كان مازن ينتقل بين الجبهات، تارة في الجبل، وتارة في البقاع، وتارة في الجنوب. كان كالنحلة التي تتنقل بين الأزهار، لكنه كان ينقل الإرادة والعزيمة والإيمان بالنصر.

استمرت عمليات المقاومة بلا كلل، حتى حوصر جيش العدو مع عملائه في "الشريط الحدودي" الضيق، الذي تحرر في أيار 2000، في يوم النصر الذي كان مازن أحد صنّاعه الأوائل.

في ذلك اليوم، لم يخرج مازن إلى الشوارع ليحتفل. جلس في بيته، يشرب قهوته، ويقرأ كتاباً كعادته. عندما اتصل به أحد رفاقه ليهنئه، قال بصوته الهادئ:

"النصر ليس نهاية، النصر هو بداية مسؤولية جديدة. الآن يجب أن نبني وطناً يستحق هذا النصر."

كان يعرف أن تحرير الأرض ليس كافياً، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير العقول والقلوب من الطائفية والتطرف والفساد.

 

محاولة الاغتيال

العدو لا يسامح من سبب هزيمته. في عام 1983، حاول العدو عبر عملائه اغتيال مازن. وعندما لم يجدوه في المكان المتوقع، لأن غريزة المقاتل المتمرس كانت قد أيقظته قبل فوات الأوان، أطلقوا العنان لغضبهم العاجز على منزله في عين المريسة، فزرعوا عبوه وفجروها مع كل ما كان يملكه من ذكريات وأحلام صغيرة.

كان مازن في ذلك اليوم في مهمة بعيدة عن منزله. عندما علم بالتفجير، وقف صامتاً لبرهة، ثم قال لمن حوله:

"البيت مجرد جدران. ما يهم هو أنني ما زلت هنا، وما زلت قادراً على المواصلة. لن يوقفونا بتدمير الحجارة، لأننا لسنا حجارة، نحن إرادة."

لكن مازن لم ينحنِ، ولم يتراجع. انتقل بين المقاتلين في الجبل والبقاع والشمال، يزرع فيهم الإرادة، ويُعلّمهم كيف يكون النضال عشقاً، وكيف تكون المقاومة دماً يغذي شجرة الحرية. طوّر قدرات المقاومين الجدد، وأعدّهم لتنفيذ مهام معقدة، مستفيداً من خبرته الواسعة التي لا تضاهى. كانت بصمته واضحة في كل من تدرب على يديه: قائد يبني الأجيال، لا ينتظر المجد، بل يصنعه بيديه، ويغرسه في قلوب من يأتون.

 

عودة إلى الجذور: الرجل الخفي

بعد انتهاء زمن الحرب، وبعد أن ألقى سلاحه وعاد إلى حياة المواطن البسيط، لم يطلب مازن من أحد شيئاً. لم يسعَ إلى منصب، ولم يرفع صوته في المنابر. اكتفى بما كان يملك، وعاش كما عاش الفقراء حوله.

 

عائداً إلى مهنة كانت تناسب شخصيته الهادئة والصابرة: ترميم السجاد العجمي. كان ضليعاً بها، ماهراً في فك عقد الخيوط وإعادة نسج ما تلف، وكأنه كان يرمّم جراح الوطن بنفس الصبر والدقة التي كان يرمّم بها السجاد.

في ورشته الصغيرة داخل بيته الزوجي المتواضع، كان يقضي ساعات طويلة، يضع خيوطاً مكان خيوط، ويعيد تشكيل نقوش تضيع مع الزمن. كان يقول لمن يسأله:

"السجاد مثل الناس: كلما تعقدت خيوطه، احتاج إلى صبر أكبر لفكها. وكلما تضرر، احتاج إلى عناية أكثر لإصلاحه."

كانت هذه المهنة تعكس شخصيته العميقة: صبر لا ينفد، ودقة لا تعرف الخطأ، وحب للجمال في التفاصيل الصغيرة. كان يرى في كل سجادة قصة، وفي كل عقدة درساً، وفي كل خيط حكمة.

لكن الحياة، بتعقيداتها، لم تكن رحيمة مع مازن. فمن ترميم السجاد، وبمساعدة من أهله، انتقل إلى قيادة سيارة أجرة، ليعيل أسرته الصغيرة: زوجة وبنتين كان يحملهما في قلبه أكثر مما يحملهما في عينيه.

 

المدخل الضيق: بيت الزوجية

انتقل مازن بعد تفجير منزله في عين المريسة إلى بيت زوجية صغير، في زقاق ضيق من أزقة بيروت القديمة. هذا البيت، ذو المدخل المنخفض الذي يجبر كل قادم على أن يحني رأسه، كان سيصبح مسرحاً لأيامه الأخيرة، ومكاناً يتجلى فيه تواضعه العميق.

يقف الدكتور أحمد عياش أمام ذلك المدخل في زيارته الأخيرة لمازن، يتأمل للحظة، ثم يهمس في نفسه:

"كل بيوت العظماء تدخلها رافعاً الرأس، إلا في دار هذا الرجل، فلا بد أن تخفض رأسك لتمرّ."

لم يكن الانحناء بسبب قِصر الباب فقط، بل كان كتعظيم لا إرادي لعظمة من يسكن خلفه. في ذلك المدخل الضيق، تسع الدنيا كلها، وتتسع سيرة رجل لم يضع حجراً على حجر إلا وفيه تواضع الأنبياء.

في هذا البيت الصغير، عاش مازن سنواته الأخيرة مع زوجته جومانا وبناته. كان بيتاً متواضعاً، لا يكاد يلفت الانتباه، لكنه كان يحتوي كل شيء: حباً، وتضحية، وصبراً، وكرامة. وكان جيرانه في ذلك الزقاق لا يعرفون من هو مازن حقاً. كانوا يرونه كل صباح يخرج من ذلك المدخل المنخفض، يحني رأسه ليمر، ثم ينطلق في شوارع بيروت بسيارته القديمة.

 

سائق الأجرة

كان العمل شاقاً، لا من ناحية الجهد البدني فقط، بل من ناحية صحته التي بدأت تظهر فيها بعض المشاكل، ومن ناحية وضع البلد الاقتصادي الصعب الذي كان يخنق الجميع. كان يسوق في شوارع بيروت طوال النهار، يبحث عن راكب قد لا يأتي، وكانت مصاريف السيارة في كثير من الأحيان تفوق مدخولها. لكنه لم يشكُ يوماً، ولم يطلب يد المساعدة من أحد. كان يرى أن الكرامة الحقيقية هي أن يعيش الإنسان على ما يكسبه بيديه، مهما كان المكسب صغيراً.

في سيارته، كان مازن يلتقي بأناس من كل الطبقات والطوائف. كان يستمع إلى قصصهم، ويشاركهم همومهم، ويخفف عنهم بابتسامته الدافئة وكلماته الطيبة. لم يكن مجرد سائق، كان معالجاً نفسياً، ومستشاراً اجتماعياً، وصديقاً للمارة.

يقول أحد الركاب الذين كانوا يترددون على سيارته:

"كنت أركب سيارة مازن كل صباح، وأنا لا أعرف شيئاً عنه. كان رجلاً بسيطاً، يحدثني عن الطقس وعن أحوال البلد وعن أولاده. كنت أرى فيه أباً حنوناً، ومواطناً بسيطاً، لا أكثر. في أحد الأيام، تأخرت قليلاً عن موعدي، فوجدت سيارته لا تزال واقفة في مكانها. دخلت، ووجدته يقرأ كتاباً. سألته: 'ماذا تقرأ؟' ضحك وقال: 'كتاب عن تاريخ بيروت، لأعرف لماذا أحب هذه المدينة إلى هذا الحد'. لم أكن أعلم أنني أجلس مع أحد صنّاع هذا التاريخ."

كان مازن يخفي عظمته تحت عباءة البساطة، كما تخفي الجذور عظمتها تحت التراب

 

الجار الذي لم يعرفه أحد

لا يعرف جيرانه، في زقاقه الضيق، أنه ذاك الذي أطلق أولى رصاصات التحرير، ولا يدرون أن تحت ثيابه البسيطة، خلف ملامحه الهادئة التي تكسوها التجاعيد، يخفي قلعة من الإرادة والتضحية، وملحمة من البطولة لا تضاهيها ملحمة.

كانوا يرونه كل صباح يخرج من مدخل بيته المنخفض، يحني رأسه ليمر، يفتح باب سيارته القديمة، وينطلق في شوارع المدينة. كانوا يحيونه بابتسامة، ويرد عليهم بأوسع منها. كان يسأل عن أبنائهم، وعن أحوالهم، وعن تفاصيل حياتهم الصغيرة التي لا تعني أحداً سواهم.

يقول جاره الذي عاش بجواره سنوات في ذلك البيت ذي المدخل الضيق:

"كان مازن يستيقظ قبل كل البشر. أسمع خطواته على الدرج، صوت فتح باب سيارته القديمة، ثم صوت محركها الخشن الذي يوقظ الحي. كنت أتذمر من هذا الصباح المزعج، وكنت أتساءل: لماذا هذا الرجل لا ينام قليلاً؟"

"بعد أن عرفت حقيقته، تذكرت أنني رأيته ذات مرة يساعد طفلاً سقط من دراجته، ويضمد جرحه بقطعة قماش من سيارته. تذكرت أنه كان يحمل أكياس البقالة لامرأة عجوز في العمارة. تذكرت أنه كان يرفض أن يأخذ أجراً من راكب فقير. كل هذه التفاصيل البسيطة كانت هي عظمته الحقيقية."

لم يكن يعلم أن هذا الرجل الذي يقاسمه المدخل الضيق والمبنى المتواضع هو نفسه من دوّخ أعتى جيش في المنطقة، وأن رصاصاته الأولى كانت إيذاناً بتحرير بيروت، وأنه كان "مازن" الذي طارد عملاء العدو من شوارعها.

 

اللحظة التي انكشف فيها السر

في صباح أحد الأيام، توقف الجار أمام شاشة التلفاز في محل البقالة، ليشاهد نشرات الأخبار وهي تنعى: "القائد مازن، بطل التحرير". توقف قلبه للحظة. ثم تتابعت البيانات وتدفقت سيرته على صفحات الجرائد. هنا، سقط الجار على كرسيه مذهولاً:

"هذا... هذا جاري؟"

أدار وجهه إلى صورة مازن على الشاشة، تلك الصورة التي بدت فيها ملامحه واضحة، ثم استرجع في ذاكرته وجه ذلك السائق المتعب، الصوت الخشن الذي كان يسأله عن أولاده كل صباح.

بكى الجار هناك، في محل البقالة، ليس لفقدانه جاراً عظيماً فقط، بل لأنه عاش سنوات بجوار أسطورة ولم يعرفها. لأنه كان يصافح يداً أطلقت الرصاصات الأولى على العدو، ولم يشعر بقبضتها القوية إلا حين أصبحت باردة في النعش. لأنه كان يمر بجوار بطله كل يوم، ولم يعرف أنه البطل إلا يوم رحل.

في ذلك اليوم، وقف الجار أمام باب بيته الضيق، ينظر إلى سيارته المتوقفة إلى الأبد. لم يسمع صوت محركها ذلك الصباح. وبدلاً من ذلك، سمع صوت بكاء النسوة من دار جاره. هناك، أدرك أن الأبطال الحقيقيين لا يعلنون عن أنفسهم، بل يعيشون بيننا، يرتدون ثياب الفقراء، ويحملون هموم العابرين، ويوقظوننا كل فجر ليس بصخب محركاتهم بل بصمت أفعالهم.

 

مازن الأب

 

كان مازن زوجاً وأباً، يحرص على تربية بناته على حب الوطن، والابتعاد عن الطائفية العمياء، وقول الحقيقة مهما كلف الثمن. كان يحذرهن، كما كان يحذر غيرهم من الشباب، من الأفكار التكفيرية التي تستغل الدين لأغراض سياسية. كان يردد:

"لا تدعوا أحداً يخدعكم باسم الله. الله أكبر من أن يُستخدم لتبرير قتل الأبرياء."

غرس فيهم العزة والافتخار، وعلّمهم أن الكرامة ليست موتاً ينتظرهم، بل حياة تُعاش بطريقة تستحق أن تُروى للأجيال. وعلّمهم أن الوطن يسع الجميع، وأن التنوع ليس ضعفاً بل قوة، وأن التكفير هو عدو الوطن الأول لأنه يريد جعله صغيراً ضيقاً، بينما الوطن كبير ومتسع للجميع.

كان يقول لبناته:

"الوطن ليس أرضاً فقط، الوطن هو أن ترى عيون أولادك تنام مطمئنة ليلة واحدة بدون خوف. الوطن هو أن تأكل خبزاً من مخبز حيك دون أن تخاف من قنبلة. الوطن هو أن تمشي في شارعك دون أن تسأل من يحكم هذا الشارع."

لكنه لم يخبرهن أبداً بما قدمه. كانوا يعرفون أنه كان من رجال المقاومة ضد الاحتلال، لكنهم لم يعرفوا حجمه إلا بعد رحيله. في يوم جنازته، لما رأوا الدموع تنهمر من عيون رفاقه ومحبيه من كل المناطق، ويتنافسون على حمل نعشه، وسمعوا الخطب التي تتحدث عن بطولاته... عندها فقط أدركوا كم كانوا محظوظين بأنهم عاشوا في كنف رجل مثله.

تقول ابنته الكبرى سهى في شهادتها المؤثرة:

"كان أبي رجلاً بسيطاً. كان يخرج كل صباح من ذلك المدخل الضيق ليقود سيارته، ويعود مساءً منهكاً. كان يأكل معنا، ويحدثنا عن يومه، ويسألنا عن دروسنا. لم يخبرني يوماً أنه كان بطلاً، ولم أره يوماً متباهياً بما فعل. في يوم جنازته، وقفت أرى الناس يتوافدون من كل مكان. رأيت رجالاً يبكون كالأطفال، ورأيت وجوهاً لا أعرفها تحمل نعشه كأنه أغلى ما تملك. هنا فقط، في تلك اللحظة، عرفت أن والدي لم يكن مجرد سائق أجرة، وأن حياته كانت أكبر مما كنت أتصور."

 

الزوجة التي عرفته متأخراً

حتى زوجته جومانا، التي عاشت معه عمراً في ذلك البيت الصغير، لم تعرف الكثير عنه إلا بعد رحيله. حين تكشّف أمامها، فجأة، قامة كان يخفيها وراء تواضع أخّاذ... بكيت طويلاً على رجل عاشته ولم تعرفه.

تقول جومانا في شهادتها:

"عشت مع مازن سنوات في هذا البيت الضيق، كنت أظنني أعرفه. كنت أرى فيه رجلاً بسيطاً، حنوناً، يعمل بجد ليعيل أسرته. لم أكن أعلم أنه كان بطلاً، وأنه قاد معارك، وأن اسمه كان يرعب الاحتلال."

"في الأيام الأخيرة من مرضه، كان يطلب مني أن أجلس بجانبه. كان يمسك يدي، ويقول لي: 'جومانا، أنتِ أجمل شيء في حياتي. أنتِ التي منحتني الاستقرار، والتي جعلتني أشعر بأن للحياة معنى بعد كل هذه المعارك'."

"كان يبكي أحياناً، ليس خوفاً من الموت، بل لأنه كان يخشى أن يتركني وحدي. كان يقول: 'من سيهتم بكِ بعدي؟ من سيسأل عنكِ؟' كنت أضحك وأقول له: 'أنت لن تموت، أنت أقوى من الموت'. لكنه مات."

 

وفاء... ابنة مازن

تتذكر وفاء والدها مازن فتقول:

"كان أبي يعمل المستحيل من أجلي. كنت أعرف حبه، وخوفه الدائم عليّ. كان يراقبني، يتدخل في طريقي، وكنت أعترض بغضب المراهقة. في تلك اللحظات، كان يخفض صوته كمن يهمس بسرّ، ويقول: 'أريدكِ أقوى من الحياة، يا صغيرتي. ألا تخافي، ألا تنكسرين، وألا تنسين أنكِ ابنة رجل عاش ليموت من أجل أن تعيشي حرة'."

"لم أفهم كلماته حينها. كنت صغيرة، أرى فيه سائقاً متعباً، لا بطلاً صنع النصر."

"كبرت وكبر معي غيابه. وقفتُ ذات صباح أمام مدخل بيتنا الضيق، حيث كان يحني رأسه كل يوم ليخرج. مددت يدي ولمست حجر الباب البارد، وهمستُ: 'أبي... أسمعك كل صباح. أسمع خطواتك، ومحرك سيارتك القديم. أسمعك تقول: "لا تخافي، كوني قوية". وأنا أحاول، يا أبي... أحاول أن أكون كما أردت'."

 

"بكيتُ. ليس لأنه رحل، بل لأنني عرفته متأخراً. رأيت البطل على التلفاز، بعد أن كان يجلس معي كل يوم، يأكل، يحدثني، ويخفي عني كل ما فعل. وما زلت أسمعه يهمس: 'كوني قوية يا وفاء... لأنكِ ابنة مازن'."

 

رفاق السلاح

لكن مازن لم يكن بطلاً في الميدان فقط؛ كان بطلاً في تفاصيله الصغيرة التي تفلت من كتب التاريخ، وتظل عالقة في القلوب.

تتابع الرفيقه ماري الدبس شهادتها عن مازن وتقول:

"أطلقوا عليّ لقب 'أمه الثانية'، وما زلت أتشرف به. هذا اللقب فتح بيننا أبواباً لا تُغلق؛ كنا نتناقش في كل شيء: الحياة، السياسة، التاريخ، القراءة، ودور حزبنا في خضم التحولات العربية. وكثيراً ما كنتُ ألجأ إليه في عُقَدِيّ، سواء في زمن الاحتلال أو بعد التحرير، فأجده الملجأ الذي لا يخذل."

"وما زلت أضحك حتى اليوم حين استعيد مشهداً لا يُنسى. في عام 1983، حين انتهك 'جيش أمين الجميل' حرمة بيروت واحتل شوارعها، تماماً كما فعل شارون من قبله، ليكبح كل من رفض اتفاق 17 أيار. حاصروا مركزنا، ودخل الجنود إلى منزلنا يفتشون، فلما لم يجدوا شيئاً، تمركزوا أمام باب المركز. كان لا بد من إنقاذ الأرشيف. اتصلت بمازن، واتفقنا أن أرصد تحركات الجنود بينما يتسلل هو إلى الداخل. وما إن رأيته يخرج حتى انفجرت ضاحكة: كان يحمل 'تعليقة' يضع عليها فستاناً وجاكيتاً، يخبئ بين طياتهما كل ما أنقذه من وثائق! كانت صورة البسالة التي تتحول إلى طرفة نادرة، صورة لا تمحى."

"في أيامه الأخيرة، كنا نجلس أنا وهو، نسترجع هذه الحكايات وحكايات أخرى. كنا نختلف أحياناً على التفاصيل، ونضحك كثيراً على بعض العثرات السريعة. وفي أغلب جلساتنا، كان مازن يذكّرني بتوصيات رفيقنا خليل، التي تبادلناها في لقاءاتنا الثلاثية؛ أيام حصار 1982، وبعد تشكيل مجلس النواب الجديد، وحين انتخب رفيق الحريري رئيساً للحكومة الأولى بعد الطائف."

"هكذا كان مازن. لم يمنحني القدر فرصة أن أنجبه، لكنه منحني شرفاً أعظم: أن أكون أمّاً لابن لم تلده، لكنه سكن قلبها، وملأ ذاكرتها، وبقي."

يقول الرفيق وجيه في شهادة له:

"كان مازن شخصاً محباً وصادقاً، يكره النميمة بكل أشكالها. إذا أراد أن يقول شيئاً، قاله مباشرة، دون مجاملة أو حسابات شخصية. وخاصة إذا كان الرأي يخص الحزب والرفاق، لم يكن يساير أحداً، ولو تسبب ذلك بانزعاج البعض لجرأته."

"في جلسات الحزب، كان مازن يتحدث بوضوح، لا يخاف أن يقول كلمة الحق ولو كانت مرة. كان ينتقد التقصير، ويثني على الإنجاز، ويشير إلى الأخطاء، دون أن ينظر إلى من أمامه، كبيراً كان أو صغيراً. لكنه في ذات الوقت، كان يختار كلماته بعناية، لا يجرح أحداً، يضع النقد في قالب من الاحترام، كأنه يضع الدواء على الجرح دون أن يزيد الألم."

"لم يكن مازن مجرّد رفيق سلاح، كان أخاً وصديقاً لا يُقاسي وَحدةَ الدرب.

يذكر الرفيق فهد، الذي ارتبط اسمه باسم مازن منذ تلك الطلقة الأولى التي انطلقت في وجه الاحتلال، إلى جانب الرفيق عمار:

"كان يدهشنا، بل كان يُفاجئني بلحظات جرأته التي تكسر حسابات الأرض، ومبادراته في ملاحقة العدو التي لا تُقرأ في الكتب، بل تُكتب بالبارود على جبين الزمن. كان خلاّقاً في حربه، لا يتقيّد بالقواعد بقدر ما يتقيّد بغريزة الحرية."

"لم أرَ في الميدان شجاعةً تُضاهي شجاعته في مقارعة العدو، كانت شجاعته من نوع آخر، شجاعة من يعرف أن الموت لحظة، لكن الانكسار أبد. وأمام هذه الهالة القيادية، التي كانت تُلهمنا، كان يتمتّع بحب طفولي للمداعبة، كان حنوناً، بل كان ضعيفاً أمام الرفاق، ضعف من يضع سلاحه جانباً ليحتضن من يُحب. تلك الثنائية العجيبة بين أسد المعركة وطفل الرفقة، هي ما يجعل فقدانه ثقيلاً."

"وأنا، يا للأسف، أقولها بمرارة: إن هناك الكثير من الأعمال البطولية التي قام بها مازن، لا يمكن أن تُروى الآن، لأن الكلمات تعجز عن حملها، ولأن الوقت لم يحن بعدُ لفتح تلك الملفات المضيئة. لكنني على يقين بأن اليوم سيأتي حين نُضيء على تلك الأعمال، كي يعرف القادمون كيف يُصنع الرجال."

"لذا، أدعو حزبنا من هذه الشهادة، إلى توثيق هذه المرحلة النضالية ليس كأرقام وتواريخ، بل بحكاياها وتفاصيلها، برائحة ترابها ووجع انتظارها. لأن هذا ليس مجرد تاريخ تنظيمي، بل هو مادة خام لوجدان الحزب، وتعب رفاق قدّموا الغالي والنفيس، شهداء سطّروا النور، وأحياء يحملون الجراح، ومجهولون سطروا الانتصار دون أن يُذكر اسمهم."

"هذه ليست مجرد حكايا معركة، بل هي حكايا شعب بأكمله، وقف في وجه الاحتلال، وقدم الدماء والغالي كي نتنفّس هواء وطن حر."

يتابع الرفيق فهد:

"أتمنّى، من أعماق قلبي، أن نسترجع مدرسة مازن. ليست مدرسة القتال وحدها، بل مدرسة الحياة، التي تعلّمنا كيف نكون أقوياء دون أن نفقد حناننا، وكيف نكون قادة دون أن ننسى أننا بشر."

يقول رفيق آخر:

"كنت أخاف من كلماته أحياناً، لأنه كان يرى ما لا نراه، ويقول ما لا نقوله. لكني لم أسمع منه كلمة تؤذي أحداً شخصياً. كان ينتقد الفعل، وليس الشخص. كان يقول: 'هذا القرار خطأ'، وليس: 'أنت مخطئ'. ذلك الفرق الصغير هو ما جعله محبوباً حتى من الذين يختلفون معه."

أجمل مرحلة في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني كانت انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في السادس عشر من أيلول عام 1982، حين هرب العدو من بيروت.

هكذا تستهلّ رفيقة درب مازن، زينب زهر الدين، شهادتها وتتابع:

"عندما نتحدث عن عمليات 'جمول' وعن شهدائها، تتزاحم الأسماء في الذاكرة، لكن أوّل اسم يخطر ببالي، وأول رصاصة أتذكرها، هي للرفيق والصديق مازن عبود."

"مازن ورفاقه رسموا للبنان تاريخاً مشرفاً، للأسف الناس لا تعرفه، وكان ينبغي للدولة أيضاً أن تكرمه."

"كان مازن إنساناً هادئاً، كتوماً، يعرف كلّ الرفاق ويحبهم. مثقف، بعيد عن صخب الإعلام. في معيشته اليومية، كان يعمل على سيارته ليعول نفسه وعائلته، وبيته كان صغيراً متواضعاً. لكنه بقي قوياً، حتى في آخر أيام مرضه، لم تفارقه عزيمته. مازن عبود باقٍ معنا، باقٍ في تاريخنا. لمازن ولشهداء جمول، تحيةٌ ووردة."

   " التقيتُ بمازن في زمن الحرب، على دروب الحزب. لم تكن صداقتنا وليدة الصدفة، بل وُلِدت من رحم المهام التي كنا نخوضها جنباً إلى جنب، فصار الدم والطريق رابطاً لا ينفصم."

هكذا بدأ الرفيق غسان شهادته عن مازن، ثم تابع حديثه كاشفًا عن وجهه الخفي.

"في الميدان، كان فارساً لا يهاب الموت... لكنه خلف تلك الهالة، كان يحمل قلباً دافئاً وروحاً مرحة، لا يكشفها إلا لأصدقائه القلائل. هناك، كانت شقاوة المراهقين تطل من عينيه..."

ثم يمضي غسان في شهادته ليصل إلى خلاصته الثقيلة:

"وفي أيامه الأخيرة، لاحظت صمتاً ثقيلاً عليه... رحل مازن، لكنه ترك فينا جميعاً درساً في العطاء بلا حدود، والحب بلا شروط."

يقول رفيق آخر لمازن، مقيم في الخارج:

"كان الهاتف في تلك السنوات نبضاً لا يهدأ بيني وبين مازن، خيطاً رفيعاً يصل قلبين يفصل بينهما بحرٌ ووطَن. كنا نتحدث كل يوم، وأحياناً أكثر من مرة، وكأن المسافات لا تعني شيئاً في قاموس صداقتنا. وإذا انقطعت بي الأيام لانشغال عابر، كان هو من يسبقني بالاتصال، لا يسألني عن شيء سوى روحي، يخشى أن تكون الأيام قد جرحتني أو أن التعب قد نال مني في غربتي."

"أما زياراتي السنوية إلى لبنان، فلم تكن سوى موعدنا المقدس. لم تكن لي خطط أخرى، فمازن كان هو الخريطة والوجهة. كنا نغرق في أيام الزيارة وكأن لا وجود للدنيا من حولنا، حتى أن زوجته جومانا وابنته وفاء كانتا تضحكان ساخرتين: 'جاء حبيبك، أما نحن فقد صرنا في خبر كان'. وكنا نجلس، أنا وهو، والبحر هو الشاهد الثالث علينا، ذلك البحر الذي احتضن حكاياتنا، واستمع إلى أسرارنا عن شربل والحكيم وعلي ونواف وغيرهم من الرفاق الذين رحلوا عن الدنيا لكنهم ما زالوا أحياء في ذاكرتنا. هناك، على شاطئه، كنا نطمئن أن أمواجه تحفظ أسرارنا ولا تبوح بها لأحد."

"ومع تكرار الزيارات، لاحظت شيئاً يتغير في حديثه. كان يتدفق عليّ بالكلام وكأن الزمان يضيق به، وكأنه يسكب روحي عنده قبل أن يرحل، يودعني في كل جملة من دون أن ينطق بكلمة الوداع."

"أما لقاؤنا الأخير، فكان مختلفاً تماماً. جلسنا على شاطئ بيروت، قريباً من منزل أهله، ونظرنا في عيون بعضنا البعض في صمت مطول، صمت لم نفهمه حينها، لكنه كان يحمل في طياته كل ما عجز اللسان عن قوله. ثم حانت ساعة الرحيل، فرافقني إلى المطار. هناك، احتضنني عناقاً طويلاً، عناقاً أردت أن أخبئ فيه كل خوفي، وأراد هو أن يودع فيه كل عمره. قال لي كلمته الأخيرة: 'لا تبكِ جنازتي إذا مت'. وقلت له وأنا أكتم نبرتي: 'لا ترحل قبل عودتي'. وعدته أن أعود سريعاً، ووعدني هو أن ينتظر."

"لكن الأقدار كانت أسرع من وعدينا. هو لم يفِ بوعده، وأنا لم أستطع أن أفي بعهدي له. بكيته طويلاً، طويلاً لدرجة أنني نسيت أنني قد بكيت قبله أحداً."

"وبعد أن رحل، اكتشفت شيئاً لم أتوقعه: هذا الفراغ الهائل الذي تركه في داخلي، لم أشعر بمثله حين فقدت قبله عشرات الرفاق. هكذا هو مازن، روحه لا تظهر لك بكل بهائها إلا حين تغيب، وحينها فقط تدرك أنك كنت تملك كنزاً، وأن غيابه ليس مجرد رحيل، بل ثقل ساكن يبقى في الروح."

 

الحكيم الهادئ

في أيامه الأخيرة في ذلك البيت الصغير ذي المدخل المنخفض، طلب مازن من زوجته أن تفتح النافذة على شارع بيروت. نظر بعينين تتلألآن ببقايا الحياة، وقال بصوت خافت:

"ما زلت أسمع وقع خطوات الناس في الشارع.. بيروت ما زالت تتنفس.. وهذا يكفيني."

ثم أغمض عينيه ببطء.

وكانت تلك كلماته الأخيرة.

في تلك اللحظة، كانت جومانا تمسك بيده، وكانت وفاء بنته الصغرى تقف حوله باكية. لم يقل شيئاً عن بطولاته، ولم يوصِ بشيء عن ممتلكاته، لأنه لم يكن يملك شيئاً. كانت وصيته الوحيدة هي حب الوطن، والإيمان بأنه ما زال يتنفس، وأن هذا يكفيه.

 

يتابع الرفيق حنا يروي اللحظات الأخيرة على وداع مازن:

في منزله المتواضع تحت الأرض، ببرج أبو حيدر، توقف الزمن هناك. تحلقنا حوله في ساعات الوداع، رفيقات ورفاق وأهل، نمسك يديه الباردتين، وهو يرمقنا بعينين كانتا تكتبان السطر الأخير من أوراق مقاومته. كان وداعاً لجسدٍ أنهكه العطاء، لكنه كان أيضاً إمضاءً على عهد: أن نكمل الطريق. الطريق الذي شاء أن يشعل شعلته الأولى في السادس عشر من أيلول، نحو وطن حر وشعب سعيد.

يبقى مازن في الذاكرة، قدوةً للأجيال الشابة من الشيوعيين والشيوعيات، الذين سيجدون في صدقه الذي لا يلين، وشجاعته التي ترويها الحكايات، ما يمدّهم بالعزيمة على مواجهة الصعاب. لم يرحل، بل تحوّل إلى كلماتٍ تتردّد في صمت المعارك القادمة، وإلى ضوءٍ يضيء درب التحرير حين يخفت كل الأنوار .

ولم يكن مازن يعرف أن مرضه سيكون آخر معاركه، وأن من سيروون سيرته ليسوا رفاق السلاح فقط، بل الجيران الذين لم يعرفوه، والركاب الذين ركبوا سيارته، وابنة صغيرة كانت تراه بطلاً دون أن تدري.

الطبيب الشاهد

يقول الدكتور أحمد عياش:

"كنت أزور مازن في بيته المتواضع، في ذلك الزقاق الضيق حيث يجب أن تحني رأسك عند المدخل. كنت أذهب لزيارته لأخفف عنه، لأزرع فيه الأمل. لكنني كنت أخرج من عنده وأنا الذي تلقيت العلاج، وأنا الذي زرع فيّ الأمل."

يتابع الدكتور عياش:

"في كل زيارة، كان مازن يسبقني بالكلام. كان يسألني عن عائلتي، عن أولادي، عن همومي الصغيرة. كان ينسى أنه المريض، ويتذكر أن من حوله يحتاجون إلى من يهتم بهم. كنت أقول له: 'مازن، أنت الذي يجب أن تهتم بنفسك'. فيضحك ويقول: 'الاهتمام بالنفس يبدأ بالاهتمام بالآخرين'."

ويتذكر الدكتور عياش تلك اللحظة التي قال فيها مازن كلمته الشهيرة عن الموت:

"في أحد الأيام، إذ تمكن المرض من جسده أكثر، نظر إليّ بعينين لا تعرفان الخوف، وقال بصوته الذي لم يخنقه الوهن: 'لا تحزن يا دكتور.. الموت أمر عابر، أمر عادي جداً. لم ترعبنا طائرات العدو ودباباته، أفيرعبني سرطان جبان؟'"

ويختتم الدكتور عياش مذكراته بكلمات مؤثرة:

"كنت أظن أن واجبي أن أزرع فيه الأمل، فإذا به يسبقني إليه. كان يقدم لي الأمل كما يقدم فنجان القهوة، ساخناً، مرةً كالصبر، وحلوةً كاليقين. خرجت من عنده في آخر زيارة وأنا أعرف أنني لم أفقد مريضاً، بل فقدت معلمًا. لم أفقد إنساناً، بل فقدت مدرسة في التواضع والإنسانية."

"في اليوم الذي توفي فيه، كنت أفكر في كلماته: 'الموت أمر عابر'. كان حقاً عابراً بالنسبة له، لأنه كان يعيش كل لحظة وكأنها أبدية."

 

سهى بشارة: صوت الحياة من بعيد

تقول جومانا، زوجة مازن، وهي ترتب الغرفة في أحد أيام المرض القاسية:

"في أصعب أيام مرضه، كنت أرى جسده ينهار، لكن روحه كانت تنتعش كلما رن الهاتف وقالت السماعة: 'سهى تطلب مازن'."

كانت سهى تلك الرفيقة التي تابع مازن تدريبها لتكون إحدى مقاومات الجبهة، تبعث في قلبه دفئاً لا يشبه دفء الأدوية. كانت سهى تتصل لتطمئن عليه، تسأله عن صحته. وفي كل مكالمة، كانت ضحكة مازن تعود خفيفة كصوت طفل، وترتفع معنوياته كأنه يستعد لمعركة جديدة.

كانت جومانا تبتسم من بعيد، وهي تراه ينسى ألمه حين يسمع صوت تلك الفتاة التي واكبها منذ بداية التحاقها بالجبهة، والتي أصبحت اليوم أسطورة وأيقونة المقاومة بوجه الاحتلال. كانت تعلم أن مازن لا يحتاج إلى دواء لشفاء جسده فقط، بل إلى صوت الحياة التي زرعها في الآخرين، لتعود إليه حين يحتاجها.

 

 

في قاعة المؤتمر

في قاعة المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي، حيث تتسع لأكثر من ثلاثمائة عضو، جلس مازن في صفوف الخلف، بعيداً عن الأضواء، مرتاحاً خلف قامات رفاقه. لم يأتِ ليُرى، بل جاء لأن قيادة الحزب أصرت عليه أن يكون مندوب شرف، تكريماً لدوره النضالي، لكنه فضل أن يبقى في الظل، كما اعتاد طوال حياته.

مرت أيام المؤتمر، وتتابعت الكلمات والبيانات والقرارات. كان مازن يصغي، يدوّن ملاحظاته، يهمس أحياناً برأي لرفيق بجانبه، ثم يعود إلى صمته. لم يتوقع ما سيحدث في اللحظة الأخيرة.

عند ختام المؤتمر، وقف رئيس الجلسة، ورفع صوته:

"الرفيقات والرفاق، قبل اختتام أعمال مؤتمرنا، يسعدني أن أعلن قرار الهيئة الرئاسية، الذي نال إجماع جميع الأعضاء، بترشيح الرفيق مازن... عضواً فخرياً في اللجنة المركزية."

سكتت القاعة للحظة، ثم انفجرت بتصفيق حاد. وقف الجميع، يصفقون وقوفاً، تحيةً لهذا الرجل الذي لم يعرفوا عنه سوى أفعاله، ولم يروه في المؤتمر إلا جالساً في الخلف، يحاول أن يخفي وجهه خلف الآخرين.

أما مازن، فقد فُوجئ بالقرار تماماً. أحمرت وجنتاه خجلاً، وقف متلعثماً، لا يعرف أين يضع يديه. حاول أن ينزوي خلف رفيق أمامه، لكن التصفيق كان يطارده. وقف يصفق معهم بخجل، كطفل صغير فوجئ بهدية في عيد ميلاده.

كانت يداه ترتجفان قليلاً، وعيناه تبحثان عن مخرج من هذا الموقف المحرج، الذي كان في نظر الآخرين لحظة فخر، وفي نظره هو لحظة إحراج لم يعتدها. رفاقه حوله احتضنوه، وربتوا على كتفيه، وهم يضحكون من ارتباكه. كانوا يعرفونه جيداً، يعرفون أنه يقاتل في الميدان بشجاعة لا تعرف الخوف، لكنه في مواقف التكريم يصبح كطفل يختبئ خلف أمه.

في ذلك اليوم، وقف خلف رفيقه، يحاول أن يخفي دمعة فركضت في عينيه، ليس لأن التكريم أسعدته، بل لأنه كان يفكر: "لماذا كل هذا؟ أنا فقط فعلت ما كنت أظنه واجبي."

وهكذا كان مازن: بسيطاً في عظمته، وعظيماً في بساطته.

 

الوصية الخالدة

كان يحمل في قلبه دائماً هذه الكلمات، دستوره في الحياة، التي اقتبسها من منحوتة وضعت عند مدخل مركز الحزب الشيوعي الكوبي:

"إذا لم تأتِ لتعطي الوقت، القلب، والحياة.. فلا تدخل. هذا المكان يعلّمك حب التضحية. هنا يجب أن تكون آخر من يأكل، وآخر من ينام، وآخر من يملك.. وأول من يموت."

عاش مازن مبدأ الشهيد مهدي عامل: "لست مهزوماً ما دمتَ تقاوم".

ومضى كما عاش، متحدياً المرض كما تحدى الاحتلال، كمن يعرف أن الحياة تُوهب مرة واحدة، فيجب أن يعيشها بلا ندم ولا عار.

 

البطل الذي لم يعرف أنه بطل

في بيت مازن الضيق، ذي المدخل المنخفض، كانت تتسع كل المعاني: التواضع الذي يعلّم القادة كيف ينحنون للعابرين، والأمل الذي يقدمه المريض لمن يعوده، وصوت فتاة مقاومة تعيد إليه روحه، وموقف من الموت يسخر من الدبابات التي هزمها ومن السرطان الذي لم يهزمه.

تلك المفارقة هي ما تجعل سيرة مازن خالدة: أنه كان أكبر من أن يحتميه مدخل بيته الضيق، وأعظم من أن تدركه صفة "بطل" في حياته، لأنه كان مشغولاً بالبحث عن رزقه ورزق من حوله، متناسياً أنه هو نفسه كان رزقاً للوطن.

لم يكن مازن بطلاً في الميدان فقط، بل كان بطلاً في تفاصيله اليومية: في قهوته، في مدخل بيته، في صباحاته مع جاره، في ضحكته مع سهى، في كلماته الصادقة التي لا تجرح، وفي نظره إلى الموت كأنه مجرد عابر سبيل.

تلك هي ملحمة مازن: ملحمة رجل عادي فعل أشياء غير عادية، ثم عاد ليكون عادياً، فكانت عظمته في عاديته.

مازن لم يكن بطلاً لأنه قاتل، بل لأنه أحب الحياة. أحب بيروت، وأهله، ورفاقه، والتفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة جميلة. وكان مستعداً أن يموت من أجل أن تبقى هذه التفاصيل حية.

تعلمنا منه أن التواضع ليس ضعفاً، والصمت ليس جهلاً، والبطولة الحقيقية لا تحتاج إلى تصفيق. تعلمنا أن الرجال الحقيقيين لا يموتون، بل يتحولون إلى قصص تُروى، وإلى أسماء تُكتب بالذهب في ذاكرة الأجيال.

 

"وما زالت بيروت تتنفس... وهذا يكفيه."

"تُدوّن هذه الشهادات في الذكرى الرابعة على غياب القائد مازن، تخليداً لسيرة رجل عاش للوطن ومات من أجله، وترك في قلوبنا درساً في العطاء دون شرط، وفي التواضع دون ضعف، وفي البطولة دون ادعاء."

رفاق وأصدقاء مازن عبود