الآليات الطائفية السلطوية تكبل السلطة والبلاد

0
0
0
s2smodern

الأزمات الإجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها شعبنا ووطننا، تضاعف الحاجة إلى نهج إصلاحي تغييري حقيقي للسلطة، وإلى ديناميكية مكثفة في عملها وانتاجيتها، والخلاص من آلية عمل تجعلها أشبه بسير السلحفاة في عصر الطائرة والصاروخ. ومع إن المشكلة الأساس هي في جوهر سياسات الطبقة السلطوية البعيدة عن الإصلاح الضروري، فإن المشكلة الأخرى المرتبطة بها، هي آليات عمل السلطة التي استولد نظامها التحاصصي الطائفي، ثالوثاً من المقولات أو الحلقات المترابطة، من الميثاقية، إلى التعددية وبالتالي إلى التوافقية، التي أصبحت في ترابطها، معاييراً تجعل السلطة محكومة بالمرور بها إزاء كل قضية أو موقف.


ومع أن الميثاق الوطني غير المكتوب الذي انبعثت منه الميثاقية، قد نجم عن حالة ظرفية عابرة، عبّر عنها رئيس أول حكومة استقلال عام 1943، قائلاً أنها مؤقتة، فقد تحول المؤقت إلى دائم، ولجأت الزعامات السلطوية الطائفية، خلافاً للغاية من هذا الميثاق، وهي الحرص على العيش المشترك وصيانة الإستقلال، إلى ما يرسخ مواقعها هي في السلطة وتجديد نظامها الطائفي، الذي يتيح استخدام الطائفية وعصبياتها سلماً في الوصول إلى السلطة، ولإختزال حصة كل طائفة بشخص زعيمها، ولتغطية الفساد وتجنب المحاسبة، ولزرع التفرقة داخل الأكثرية الساحقة من الشعب المتضررة من نظامهم وسياساتهم.
ومن رحم طائفيه النظام السياسي هذا، والمنظور الطائفي لتشكل السلطة وبنيتها، وتعميمه في الحياة السياسية، كان نشوء المفهوم الطائفي للتعددية، الذي حدد 6 طوائف أساسية للسلطة، عدا الطوائف الصغرى، وتعيين مواقع كل منها ربطاً بحجمها... أي اعتبار الطوائف كيانات سياسية يتشكل منها كيان لبنان وسلطته... ومع هذا المفهوم الطائفي تصبح التناقضات بين الأطراف السلطوية وكأنها بين الطوائف، وتنعكس سلباً على الميثاقية وفي المجتمع. وبدلا من اعتماد نهج تغييري يزيل العراقيل والتعقيدات في تسيير عمل السلطة والدولة لتلبية القضايا الشعبية والوطنية، جرى التواطؤ بين الزعامات الطائفية، ووساطات ووصايات ودور إقليمي بخاصة، على ابتداع التوافقية بين ممثلي الطوائف الستة الأساسية كقاعدة، في قضايا اساسية مما أدى إلى تعثر متزايد في عمل السلطة وتأخير المعالجات والحلول في قضايا اساسية تهم الشعب والوطن. ألم يكن إبقاء الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية عامين ونصف بسبب ذلك في الشكل على الأقل؟
أو لم تستخدم التوافقية كأحد المعايير الثلاثة، في تأخر إقرار قانون الإنتخاب الجديد، الذي اضافة إلى ما يحتويه من تعقيدات وعيوب، ارتبط بتمديد ثالث جديد للمجلس النيابي 11 شهراً؟
لقد أتاحت ضرورة التوافقية أيضاً اللعب وتوزيع الأدوار بين الأطراف السلطوية، بمجرد أن يكون طرف منهم رافضاً، وآخر يطلب المزيد من الوقت للبحث والإطلاع، فيجري افتعال التأخير والمماطلة كما في شأن سلسلة الرتب والرواتب مثلاً وفي قضايا ومشكلات أخرى مثل موضوع النفايات والبيئة، والكهرباء، واستخراج الثروة النفطية كحاجة ملحة للبنان الذي تجاوزت مديونيته المئة مليار دولار، ولمنع اسرائيل الطامعة بسرقة ما أمكن من هذه الثروة.
والمفارقة الصارخة، أن كل تعقيدات هذه الآليات والتباطؤ في عمل السلطة وتناقضات أطرافها، تسقط دفعة واحدة، ويصطفون معاً ضد التحركات والمطالب الشعبية، وللتسلط والهيمنة على النقابات واستقلاليتها، ولإبعاد ممثلي ورموز النهج النقابي المستقل عن قيادتها. أما تمسك الزعامات الطائفية بنظامهم الطائفي بداعي أو بذريعة الحرص على التعدد، فما هو إلا نوع من التحايل والخداع. فإلغاء الطابع الطائفي في البنية السياسية للسلطة، ليس إلغاء لتعدد الطوائف في المجتمع. وأي إصلاح لا قيمة له ويبقى جزئياً وعابراً، إن بقي تحت سقف نظام المحاصصة الطائفية.
لقد بينت التجربة أن المضمون الطائفي للتعددية والتوافقية والميثاقية في السلطة السياسية، قد أوجد عراقيل لعمل السلطة نفسها، ولم ينتج طمأنة وضمانة لجمهور أي طائفة، بل أبقى على الحواجز بدل الجسور بين المجموعات اللبنانية، وأتاح زرع الحذر والمخاوف لدى كل طائفة حيال الأخرى.. وأن إزالة أسباب الانقسامات العامودية والتنابذ، لا تحققه التوافقية الفوقية العابرة، وإنما إزالة المرتكزات والمعايير الطائفية في بنية السلطة وآليات عملها. فذلك هو السبيل لخلق مناخ ديمقراطي مؤات للحوار والتفاعل الحضاري الرصين، ولجعل لبنان مثالاً فعلياً للتعدد والوحدة، ولبناء وطن ودولة المواطنية على أساس الكفاءة والنزاهة، والإنفتاح على التطور والتغيير الديمقراطي.

  • العدد رقم: 318
`


موريس نهرا