في الوحدة سرٌّ خفيّ

0
0
0
s2smodern

سؤال يطرح في ظل تأزّم تطبيق القانون رقم 46 تاريخ 21/8/2017 المتعلق بسلسلة الرتب والرواتب. ما هي الأدوات المطلبية المتاحة أمام معلّمي الخاص؟ كيف يمكن لهذا الجسم التعليمي الكبير أن يفرض مطالبه ويحافظ على حقوقه؟


للحقيقة استطاعت مسيرة إقرار القانون رقم 46، توحيد ولو بشكل خجول معلّمي الخاص، وذلك من خلال مشاركة نقابة المعلمين في هيئة التنسيق النقابة، مما أدّى إلى إنخراط عدد لا بأس به من المعلمين في التحركات المطلبية، إضراباً و تظاهراً، رغم الصعوبات الجسيمة التي واجهتهم مع بعض إدارات المدارس التي رفضت إعطاء الهيئة التعليمية الحق بالإضراب، وسارعت إلى التأكيد... "غداً يوم تدريس عادي ".
بعد إقرار القانون، ظهر شبح آليات تطبيقه، فدخل المعلمون في دوامة من النزاع. تكمن الإشارة للتنوّع الهائل الحاصل في أنواع المدارس الخاصة في لبنان، من المدارس شبه المجانية الى المدارس الكبرى (إرساليات دينية، مدارس أجنبية فرنسية-إلمانية- أميركية) من هنا يأتي الالتباس في تنظيم وتطبيق القوانين، من غير الواضح للجميع أن القانون يفرض وحدة التشريع بين الخاص والعام بالتالي، تتبع هذه المدارس أساس الراتب حسب جداول الدولة وتصرّح عنه للصندوق، لكن هناك بعض المكتسبات التي حصل عليها معلّمو الخاص بالتنسيق بين ادارة المدارس ولجان الأهل وذلك مقابل الجهود المضنية ودوامات العمل الطويلة والنشاطات اللاصفية، التي أصبحت جزءاً أساسياً من العمل. كما أن بعض المدارس تتغاضى عن تطبيق القانون من حيث دفع العطلة الصيفية والحق بتعليم الأطفال مجاناً وغيرها.
من المسؤول عن ملاحقة المدارس المتمنّعة عن إنصاف المعلمين؟ ما دور نقابة معلمي الخاص؟
من المعلوم أن جزءاً كبيراً من المدارس الخاصة في لبنان هي عبارة عن سلطة دينية وسياسية، تمارس على المعلمين نوعاً من الإرهاب الخفي، أدواته القمعية تكمن في السلطة الدينية بشكلٍ خاص، تحاول هذه المدارس الحؤول دون تنظيم المعلمين صفوفهم.
أولاً، من خلال إبعادهم ومنعهم من الانتساب إلى نقابة معلمي الخاص (القانون لا يلزم الانتساب كشرط لمزاولة المهنة)، وصولاً الى تعيين لجان المعلمين (غياب قانون ينظم آليات الإنتخاب وصلاحيات هذه اللجان) وضمان لجان الأهل إلى جانب الادارة.
ثانياً، هناك لائحة إجراءات خفيّة خاصة لكلّ مؤسسة تفرض عند توقيع العقود، والتفاصيل تكمن في هذه الإجراءات الداخلية، حيث يتم فرض قوانين مهينة وتعسفية في بعض الأحيان تسعى إلى إذلال الأستاذ وإخضاعه.
ثالثاً، المادة 29 التي تشير إلى أنه يحق لصاحب المدرسة صرف الأستاذ دون وجود أي سبب ولكن قبل تاريخ 5 تموز/ يوليو، ويتوجب هنا دفع التعويض الأساسي والإضافي.ِ
يعيش أساتذة المدارس الخاصة في جوٍّ من الخوف بعيداً عن أي شعور بالأمان الوظيفي، يخضعون لمزاجية مدير المدرسة الذي يتحكّم بتفاصيل حياتهم، وصولاً الى إعطاء الموافقة إذا ما قرّرت معلمة الحمل وإنجاب الأطفال. يضاف إلى ذلك التهديد المتواصل بحرمانهم من حق تعليم أطفالهم وبالصرف الوظيفي. لكي تكتمل المعانات جاء القانون رقم 46 ليضيف الكثير من الالتباسات لصالح المدارس، التي سعت إلى إذلال المعلم بوضعه في مواجه مباشرة مع الأهل، حيث تمنّعت الإدارات عن تطبيقه إلا بحال دفع الأهل زيادات مبالغة وغير منصفة. واستعملته سلاحاً فتاكاً لإعادة ترتيب وضع المعلمين من خلال إلغاء بعض المواد، ودمج الصفوف، والإستغناء عن المعلمين القدامى، وصولاً إلى التهديد المستمر بالصرف وبالايحاء إلى العجز المادي للمدرسة، الذي فرضه تطبيق القانون. تجدر الإشارة إلى أن بعض المدارس استطاعت إنصاف معلميها مع زيادات خجولة وعادلة.
في ظل الواقع الحالي، حاولت النقابة، على رغم الضغوطات وبرغم تركيبتها الهشّة، متابعة الكم الهائل من المشاكل التي تم افتعالها من قِبل اتحاد المدارس الخاصة من جهة، وعدم حسم وزير التربية من جهة أخرى، للتملص من تطبيق القانون رقم 46. لكنها للأسف تفتقد النقابة إلى السلطة القانونية الملزمة. والحق يقال على المعلمين التفكير الجدَي في إيجاد صيغ جديدة لتمثيلهم ولحمايتهم، ربما البدء بإلزامية الانتساب إلى النقابة، وإخراجها من هيمنة المؤسسات التربوية وتحييدها عن التحاصص الطائفي والسياسي. نحو نقابة جامعة تسعى إلى حماية وتمكين معلمي الخاص.
بالرغم من كلّ هذه الضغوط استطاع بعض المعلمين من تنظيم صفوفهم والمطالبة بحقوقهم. ففي الوحدة سرٌّ خفي، يبدأ من انتخاب هيئة تعليمية شجاعة تستطيع المواجهة والحوار، تأخذ القرارات بالاجماع في الجمعيات العامة، وصولاً إلى التنسيق مع النقابة. وهي تجربة غنية جديرة بالإحترام والمراقبة. ففي المدارس الفرنسية حيث هناك هامش ما من الديمقراطية، استطاع المعلمون من ممارسة الضغوط والإضراب بشكل متقطّع وصولاً إلى فرض تطبيق القانون 46، التي تمنعت الإدارة عن تطبيقه على رغم اعترافها بأحقيّته، متذرّعة بالعجز المالي الذي سببه رفض الأهل عن دفع الزيادة واللجوء إلى القضاء المستعجل للفصل، بعد انقطاع سبل الحوار بين الطرفين.
من اللافت في نفس الوقت الضغط الكبير الذي مورس على الأهل وعلى الهيئة من أجل وقف الإضراب، بحيث أن وزير العدل شخصياً تدخل كوسيط بين الأطراف الثلاثة وهو مشكور، لكن ألم يكن الأجدى تدخل الدولة من قبل وزير التربية لحسم النزاع وفرض تطبيق القانون على كل المدارس وبالأخص الدينية حيث الحركة المطلبية والهيئات التعليمية عاجزة عن المطالبة بحقوقها. مراقبة موازنات المدارس بشكل جدي والإسراع بتشكيل المحاكم للبت بالمشاكل العالقة بين الأهل وادارات المدارس ولرفع الضرر وحفظ الحقوق، وسط تعطيل متعمّد لغالبية المجالس التحكيمية التربوية، المرجع القضائي الذي يفصل، بحسب قانون تنظيم الموازنات المدرسية 515 /1996، في النزاعات بين الأهل وإدارات المدارس ويبت بمدى قانونية الموازنة المدرسية وصحة أرقامها.
المسؤولية كبيرة وتطال الجميع. العام الدراسي المقبل في خطر، ولن يتحمل دورة جديدة من المشاحنات. فعلى الدولة ان تتحمل مسؤوليتها، من حيث مواجهة ومحاسبة المدارس الخاصة، وعلى المعلمين التكاتف لمتابعة النضال لنيل الحقوق، والضغط على النقابة لحماية الجسم التعليمي بكلّ الوسائل المتاحة، والدعوة إلى حوار لتبادل التجارب وتوحيد العمل النقابي والتفكير نحو تغيير حقيقي في شروط مهنة التعليم في قطاع الخاص.