مجد وجدو لينين

0
0
0
s2smodern

"بين مجد وجدّو لينين حكاية بسيطة؛ هو ابن الأربع سنوات ونصف السنة، تعرّف إلى لينين من خلال جملة قالها له أبوه، عندما كان مسافراً إلى روسيا لحضور تخرّج ابنة عمّه في كلية الطب، "لا تنس أن تزور جدّك لينين". "أنا ما عندي جدّ إسمو لينين، فجدي إسمو حسين"، هكذا كان جوابه.


ما بين السؤال والجواب، والجدّ والأب ومجد، مسيرة أجيال عديدة، وأحلام كبيرة، جابت العالم تهتف لهذا القائد العظيم ولأفكاره الثورية، بعض منها مضى وبعض آخر ينتظر وما بدّلوا تبديلا. المهم أن مجداً زار الضريح والتُقطت صورٌ له بجانب كل التماثيل المشابهة أينما صادفها، ليؤكد للأب بأن طلبه كان مجاباً. لكن الملاحظة الأهم عنده كانت، أنه عند التقاطه صورة بجانب أي تمثال كان يسأل عن صاحبه، فيأتيه الجواب: لينين، ماركس، غاغارين، ستالين... وعندما يسأل أين هم؟ يأتيه الجواب بأنهم جميعاً رحلوا إلى السماء، ما جعله يتفوه بتلك الجملة "بأن جدو لينين وكل رفقاتو ماتوا". قالها بصيغة الجمع وبشيء من الحسرة لأن ما وعد به أباه لن يكتمل، فهو لن يرى ذلك الجدّ، الذي استجد على وعيه، ولن يحادثه.
لا أدري بماذا فكّر مجد، أو كيف قارب الأمر في تلك اللحظة، وبأي طريقة. فالأطفال في بديهيتهم يأخذون أي شيء كما لو أنه حقيقة دامغة، إلى أن يثبت عكسها، أو أن يأتيهم جواب أو تصحيح من أحد آخر، يكون موضع ثقة بالنسبة إليهم. لكن، من المؤكد، أنه أدرك حقيقة هي، أن تلك التماثيل، ليست إلّا تجسيداً مادياً لأشخاص غادروا عالمنا الحيّ إلى حيث الخلود؛ هنا القضية تصبح مسألة قناعات وإيمان عند كل شخص، بمآل الذاهبين إلى ذلك العالم الماورائي، أين يكون وما هو... وهنا وجب التمييز ما بين الواقع المعيش والآخر الافتراضي، لفهم مسار الأشخاص، واستكمالاً الأفكار والقيم والمبادئ التي وضعوها، وسارت عليها أمم وشعوب، دفعت ما دفعت من أثمان باهظة بسبب اعتناقها لها والعمل بهديها. وهنا، ليس لمجد، أقله الآن، الغوص في أعماق لجتها لسبر أغوارها وفهمها.
التمثال يماثل شخصاً بشكله وهيئته، ويكون استحضاراً له في عالم الوجود المادي، أو بمعنى آخر "بدلاً من غائب"، وهنا الكلام لا يزال عن الوجود المادي المحض. فذلك الحضور الجامد يأتي دوماً كتكريم لغائب بإعادة إحضاره إلى الواقع، سواء في الساحة أو الشارع أو المتحف... والهدف أن تتناقل الأجيال، صورته المادية وتحفظها. لكن ماذا بعد؟ هو ذلك السؤال الذي لا بدّ وأن يُطرح باستمرار، حول القيمة المتوخاة من تلك التماثيل وذلك الاستحضار. مصيب مجد في ملاحظته حول تلك التماثيل، لكن هل تقف الأمور عند هذا الحدّ؟ الجواب البديهي بأن لا حدّ مرسوماً ونهائياً لأمور كهذه. فتجسيد الشكل هو مقدمة لتكريس الفعل، وبهذا المعنى يصبح الاستحضار الدائم هو أساس انطلاق الوجودين: المادي و"القيموي" (من قيمة) وتثبيتهما. وهذا الفعل يجب أن يتقدم. فالشخص، بحكم الطبيعة، مندثرٌ جسداً وقالباً، والتمثال تمثال سواء أكان حجراً أو معدناً، لكن الفكر والسيرة والتاريخ وجدت لتبقى وتستمر، بغض النظر عن الرأي الآخر للناس، الموافق أو المعارض. من هنا تصبح العلاقة الجدلية، بين الواقع والافتراض أو بين الوجود والاستحضار، مقياساً للاستمرار: فالشخص والتمثال والمبادئ، والوجود والواقع والحياة مسارات لحالات تؤسس لبناء أسطورة الخلود والتناقل عبر الأجيال، وهذا مقياس كل عنصر من تلك العناصر.
في حالة لينين وتماثيله، الكثيرة والمنتشرة في أربع أصقاع العالم، نرى أن الفرق بين الصورة وتجسيدها واقعاً أو بين الفكر وتجسيده عملاً وفعلاً نضالياً، يتضاءل إلى حد التلاشي؛ فالفكر الذي قام على التفتيش عن سعادة الإنسان والعمل عليها، وحقه في التحرير والتحرر والعلم والعيش والتطور والمساواة والحرية... لا يمكن أن يندثر طالما أن نقيضه موجود. رقعة الظلم تتمدد، والتبعية تتعمق والهيمنة أصبحت نهجاً وممارسة وكذلك الجوع والفقر والجهل والظلام... حالات تملأ الدنيا وتشغل البشر. رأسمال متوحش، يعيث في الأرض ظلماً، ناهباً وسالباً كل ثرواتها، نظم سياسية قاتلة ومجرمة، تتاجر بالحرية والديمقراطية، تقتل وتدمر من دون رادع أو وازع... واقع ينتقل من سيّئ إلى أسوأ... وتقول لماذا تماثيل لينين لاتزال محجة كل حرّ في هذا العالم؟
فإذا كانت الأفكار تخلّد صاحبها أو تقتله، إلّا أنها تظل باقية، حتى ولو رحل. هنا المقاربة لا تبتعد كثيراً عن موضوعنا؛ فالانتصار للفقير على من ينهب أمواله، أو العامل على من يسرق جهد عمله، أو المزارع على من يأخذ إنتاجه، أو المواطن على من يسلب حريته... هو فعل ثوري دائم. فالقضايا الكبرى يلزمها أفكار كبرى. فإذا كان الهدف هو سعادة البشرية، عندها سيصبح الثمن قليلاً مهما علا شأنه. هو مسار لم ينته بعد ولن ينتهي، يتجدد باستمرار كما آليات السيطرة التي تزداد توحشاً على الدوام... هنا التماثل يصبح ضرورة موضوعية ما بين الواقع الحقيقي والمطلوب عمله، إذ لا فرق بين الفكر وصاحبه والعمل وفاعله وإن لم يلتقيا مادياً أبداً. الاستحضار للفعل الثوري يصبح، بجوهره، أمراً بديهياً منطلقاً من حاجة موضوعية موجودة.
هنا تستوي الصورة على حقيقة واحدة هي: أن لا خيار أمام من اتخذ من تلك "المعضلة" الإنسانية خياراً يُعمل به؛ فهو يقع بين نقيضين لا يلتقيان، وإن التقيا فسيكون ذلك في ساحة المواجهة. لا مجال للتراجع أو الإنكار أو الانهزام؛ فإذا كنتم، أو قررتم الالتحاق بركب صاحب تلك التماثيل الكثيرة، فما عليكم إلّا أن تخلعوا عنكم ثوب الانتهازية والوصولية وتستبدلوها بنور الفكر الذي أنار عقولكم قبل دروبكم، والانعتاق من المصلحة الخاصة والامتيازات الضيقة والانطلاق نحو القضية الأهم، قضية بقاء بقية من العدل في هذا العالم، المتكسرة أمواجه على صخور الاستبداد والطبقية والظلم والاضطهاد والتبعية والاستلاب. هنا التحدي، وعلى من اتخذ قرار المواجهة أن يتجهز لدفع الأثمان وهي ستكون باهظة ومكلفة؛ فبين يديه كرة نار ملتهبة، إن بقيت مكانها فستحرقه، فما عليه إلّا أن يقذفها إلى حضن خصمه. اجعلوا من روح الأفكار التي آمنتم بها دليلاً لانتقاء الخيار الصحيح والقويم للوصول إلى الهدف المطلوب والمرجو. لا تجعلوا من حب الذات والمصالح الآنية عنواناً لسلوك سياسي أنتم أبعد ما تكونون عنه بحكم الفكر الذي انتميتم إليه.
وعليه، فإن استوى العقل والقلب والفكر والممارسة على مسار واحد، واضح وجلي، ساعتئذٍ ستصبح تلك التماثيل استحضاراً محفزاً للمتابعة ولجني ما نتوخاه منها، بدل أن تُركن في المتاحف. وعندها سأصرّ على مجد – الذي أعجبته ثلاثة أشياء في موسكو: متحف النصر ومدينة النجوم والساحة الحمراء، وهي، بدلالتها، من أهم نتاج ثورة لينين التي هزت العالم في عشرة أيام ومن شواهد عظمتها – بأن لا يكتفي بزيارة جدّه لينين، وإنما الانتماء إلى ذلك الفكر، الذي أنار لينين كثيراً من جوانبه، والذي أضاء أمام البشر دروباً ومسالك أدّت وستؤدي حتماً بهم إلى العيش في وضح النهار، تحت نور الشمس، يتنشقون هواءً نظيفاً خالياً من أوبئة الرأسمالية ومضارها، مناضلين مقاومين منتصرين لكل مظلوم في هذا العالم، وحلفاء لكل حرّ ومقاوم. هنا، وهنا فقط، تستوي الأمور وتتواصل، من الجدّ إلى الأب إلى الابن، ليس توارثاً وإنما استمرارٌ...