وُجد... ليبقى وينتصر

0
0
0
s2smodern

كثرٌ هُم، من يسعون إلى هزيمة الحزب الشيوعي، وكثيرون جداً حاولوا. إليهم نتوجه بكلماتنا هذه لنطمئنهم، بأن هذا "العصيّ"، لن ينهزم أمام أحد، هو يستطيع الصمود وتحمّل التبعات؛

جلودٌ وصلبٌ، وإن كَثُرت من حوله النوائب فهو لها وقد اعتادها، لن تهزه العواصف ولن تثنيه عن متابعة مهامه ونضالاته، فما يملكه من مقومات تجعله دائم الانتصار، وإن مالت الكفّة أحياناً، ينحني تعباً، لكن لا يهون ولا يتراجع.
هنا الكلام ليس موجهاً إلى العدو الطبقي، فهو يعرف جيداً كيف كانت وكيف ستكون المواجهة؛ شوارع فقراء العالم لم تنس بعد أولئك الذين لا يتعبون، وساحات البؤس والحرمان لا تزال تضجّ بأصوات من انتفض ليلبي نداء الاتحاد، الموجّه إلى عمّال العالم وإلى المضطهدين والفقراء، طلباً للحرية والعدالة الاجتماعية. لم تجف بعد دماء عمال شيكاغو، فهي لا تزال نزيلة الشوارع، شوارع كل العالم وكل البلدان والمدن وملهمتهم من أجل متابعة المعركة. هي كخيط الضوء، يلف العالم ويُنير عقول البشر ويشدّ الهمم... فمن عمال غندور ومزارعي التبغ، إلى شهداء الطبقة العاملة ومناضليها، إلى ذلك الركب، الذي سار في الأول من أيار عام 1925 محتفلاً، ولأول مرة، بعيد العمال في بيروت، ومتحدياً الانتداب وسلطته التابعة، هاتفاً للعمال والفلاحين وحزبهم، وصولاً إلى اليوم، لم تنقطع تلك المسيرة ولم تتوقف، بل استمرت...
وليس إلى الاستعمار أيضاً؛ "فالشيوعيون إلى الأمام" صرخة لطالما هتفت لها قلوب المقاتلين قبل عقولهم، وهم يتقدمون بأجسادهم قبل سلاحهم، عندما تصعب المهام وتستحيل. هي صرخة مدوية، وراية سقط تحت لوائها ملايين البشر، من أجل الوطن الحر والشعب السعيد ولمّا تزل... جابت العالم تنتصر لكل مظلوم بالنضال ضد الظالم، ولأجلها سقط دمٌ غزيرٌ عزيزٌ ولمّا يزل، حرارته تغوص في الأرض لتنبت وروداً وشقائق نعمان... رصاصهم كان قليلاً ثقيلاً لكنه يُصيب دوماً... زرعوا في كل الوطن أجسادهم لتنمو فرحاً ورياحين وعبقاً من حنين إلى وجوه غابت وهي مبتسمة، وإلى أرواح سكنت الأعالي وقلوب الأحبة.
وليس إلى محتل، قاتل ومجرم؛ فنداء " إلى السلاح دفاعاً عن الوطن" لم يأت من فراغ، هو نبْتُ تلك الأرض البكر التي تعطي كل خير، وابن تربة خصبة دافئة تحضن خيار المقاومة ونبضها، يمتد عميقاً إلى الجذور ليمنحها إكسير الحياة الدائمة ونسغها... هي كل روح سكنت تلك الزوايا المترامية في أربع جهات الأرض، هي تلك المسيرة، المباركة لكل امرأة ورجل وشاب وكهل وطفل ولد وآخر سيولد...، والتي بدأت منذ أن حلّ الظلم والاحتلال والقهر ووجد، والتي ستستمر طالما مسببها لا يزال يعيث في الأرض، يقتل ويشرد... هي، ذلك الدم الذي سبق صاحبه، دافعاً ثمن مواقفه وخياراته سلفاً، هي جمول وآباؤها وأولادها، الذين ما بخلوا يوماً عن تقديم المطلوب واعدين بالمزيد... هي أسماء وألقاب انتشرت لتغطي مساحة العالم، ليس بذكراهم فقط وإنما بأفعالهم... هي فلسطين ولبنان وفيتنام وكوبا وأفريقيا وآسيا وكل دسكرة ومكان وَجَدَ فيه محتل موطئ قدم ليستريح مهيمناً سارقاً سالباً، ليس لخيرات البلاد فقط، وإنما لمستقبل أبنائها وأحلامهم. هي تلك الحالة الوجودية الدائمة الحضور، لا تغادر ولا تموت، أبدية خالدة في السلوك والنضال والوجدان والقلوب والعقول... هي كشجيرة "القندول"، تعيش في البراري متحديةً كل عوامل الطبيعة الصعبة، زهرها أصفر جميل، لكن لسعات شوكها مدمية. هو ذلك الثالوث الثابت والدائم؛ ركائزه مغروسة عميقاً في الأرض، حتى لتكاد تلامس نواتها مستمدةً منها الصلابة، لترتكز عليه علّة وجود الحزب الشيوعي وسبب نضالاته.
هي إذن حكايتنا مع الحزب الشيوعي، والذي لم نأت إليه لنيل المناصب ولا للتفتيش عن الامتيازات. لقد أتينا إلى ذلك "المشاكس" من أجل مصالحنا، وللتعبير عن هويتنا كجماعات ومجموعات، وقع عليهم ظلم اجتماعي، فقر وحرمان وفروق طبقية... لم نأت إليه من أجل النياشين ولا للتكريم والمديح، إنما لنكران الذات والتضحية حدّ الاستشهاد، الوحيد الذي يُعلن عن صاحبه ويبيّن صورته. لقاؤنا إيّاه هو التقاء طبيعي بين الواقع والنظرية ليجسدا فعلاً يومياً وأهدافاً تؤسس مستقبلاً من نوع جديد. هو الطموح إلى التغيير في الواقع المعيش واستنباط آليات ذلك التغيير ليصبح عملاً ثورياً تُخاض من أجله النضالات وتوضع له البرامج.
غريب ما أصابنا، هو لا يشبه تاريخنا ولا ما كنّا عليه؛ مرضٌ قاتلٌ ألمّ بنا، الإبراء منه يزداد صعوبة، لماذا أصبحنا لا نشبه أنفسنا ولم نعد تلك المجموعة المميزة في سلوكها وخطابها وفكرها وانفتاحها، وسط غابة الطوائف الفالتة والمتفلّته من كل القيم والمبادئ... لماذا، ونحن قلّة، ومع ذلك نتخاصم، أليس في الأمر شيء يستحق التوقف عليه والتفكير به؟... لماذا ذلك، ونحن ما بخلنا يوماً بتقديم كل ما نملك؛ الدم والتعب والعرق والمال والعمر والعلم... ومع ذلك نتقاذف التهم، نجلد بعضنا بعضاً، نختلف حدّ الخصومة، ونتباين حدّ الافتراق. ألمثل هذه الحالة وصلت بنا الأمور؟
أسئلة لا أحسب أن الإجابات عنها في متناول أي فرد بمفرده؛ ربما الفرد الواحد يدرك بعضاً من إجابة غير مكتملة. ربما البعض يعتقد بامتلاكه الخيوط حيث تتقاطع تلك الإجابات فلا يبوح بها. ربما تختزن ذاكرتنا الفردية أو الجماعية كماً معرفياً، إذا جمعته وفرزته ستصل إلى إجابات، ربما نحن جميعاً بحاجة إليها، أو ربما، وهذا ما أتمناه، أننا فعلاً لا نملكها...
لم يعد مشوار الحياة، من المبتدأ إلى المنتهى، كافياً لصوغ مسار جديد، ولا غمد الأيام المتهالكة، المتوارثة تباعاً من حين إلى حين، ومن تداول إلى آخر، يتسع لمسيرة أخرى أو خيار بديل. فما دفعناه في المسير الأول كافياً لأن يرصف الدرب بأسباب السير عليها، دون مشقة، فلماذا إذن نغشى النظر بالرغم من نور الشمس الساطعة؟ ولماذا نخطئ الهدف وهو واضح، جليٌّ، وعلى مرمى العين المجردة؟
هل ثمة وهمٌ نعيشه ونعتقده حقيقة؟ ربما أصيبت بصيرتنا قبل بصرنا بداء السراب الدائم، نرى أوهاماً ونتصرف على أساس أنها حقائق! ربما أصاب القحط منابع تفكيرنا فجففها، فباتت أثراً بعد عين؛ نوردها ظمأى، ونعود عنها كما وردناها. دوامة لا متناهية هي، تحسبها مصعّدةً وأنت تنظر إلى الأعلى، فتجد نفسك في قعر الجبّ، تتلمس مخرجاً من ثقب إبرة. تهوى القمم وأنت في أسفل الوادي، ومتى قررت الصعود تريده قفزة واحد، وإن تعذرت، يبدأ اللطم والندب والحسرة والأسف...
درب الحياة ليس ميسراً دوماً، بطبيعته مليء بالأشواك. فكيف إذاً، درب من يسعى لتغييره؟ في الحصيلة الطبيعية، سيراكم الواقع أشواكاً فوق أشواك. أليس ذلك مدعاة لأن نمعن النظر والبصر والبصيرة في كيفية إزالة تلك الأشواك؟ أخمّن الجواب بديهياً، وبائناً كقرص الشمس وهي تغطس، في لجة البحر الأزرق. قرصٌ مستديرٌ، يسهل النظر إليه، وبيسرٍ كبير. لكن ما العمل، إذا لم تره؟ سؤال يبدو بسيطاً في الاتجاهين: الأول، عن عدم الرؤية، والثاني عن جوابه المفترض. ألهذا الحدّ وصل بنا الأمر؟ نعم يمكن أن يكون أبعد من ذلك. فإذا انتفت القضية انتفى الجهد والعمل، وبانتفائهما لا مبرر للكلام، لأنه سيصبح ترديداً لأصوات لا يُسمع إلّا صداها.
لم ننته بعد من تعداد خسائرنا. نحسبها، ونعيد الحساب. نجدها كبيرة؛ مسيرة دربنا كانت مكلفة جداً، تساقط أوراق العمر كان عظيماً... وعورة المسالك وصعوبة الخيارات، لم تترك لنا متسعاً من الحيلة للتغلب على الحواجز التي كانت عديدة ومتنوعة، قاربناها أفراداً ومجموعات، لامسنا أساساتها، اهتز قسم منها وكاد يسقط، وسقط بعضها ولكن علينا، والآخر بقي معانداً. لم نعد نستطيع التفريق بين تلك الخيارات، التبس علينا مدى الرؤية ومجالها، بتنا نتطلع إلى أبعد من المدى المبسوط أمامنا، لكن لم نجد إلّا فراغاً مطبقاً. أمعنا النظر إليه أكثر، فازداد الفراغ فراغاً، زاغ بصرنا وتوهم أنّ ما يراه حقيقة.
نحن الآن على مفترق اتجاهاته متعددة، لكن من دون إشارات ترشدك إلى الأمكنة والقصد. هناك استحالة في الوقوف لأنه ممنوعٌ وخطر... واستكمال الطريق يحمل غير خيار، يمكنك أن تأخذ واحداً منها، لكنه سيكون حتماً غير مضمون النتائج ولا معلوم المنتهى. هي ليست أحجية وإنما معضلة، ضرورة حلها مطلب ابتدائي، إذا كنت تريد الوصول إلى حيث الهدف. فما العمل إذاً؟ سؤال لا يقل تعقيداً عن الورطة التي وقعت فيها. الحيز يزداد ضيقاً والوقت يُهدر جله. إمّا أن تبادر وإمّا أن تغادر. لا تبقى في وسط الطريق دون حراك، بل افسح المجال لغيرك، لعله أقدر منك على المبادرة.
تحرر من أنانيتك المفرطة واذهب إلى حيث يجب أن تكون؛ "أنا أو لا أحد" هي لمن طغى وتجبر، والذي لا تجوز عليه إلّا الرذيلة. هي فعل أشخاص عاثوا في الأرض قتلاً وظلماً، وديكتاتوريات صبغت التاريخ بالدماء ولطّخت مسيرة البشرية جمعاء. وجودك في هذا الحزب أو في رحاب هذا الفكر هو لتحرير البشرية من ظلامية تلك الأفكار القاتلة والهدّامة. وما علّة ذلك الوجود إلّا لنشر غيضٍ من فيض المبادئ التي آمنت بها وانتسبت لأجلها إلى ذلك المشاكس؛ تتقاسم أفكاره وتتبنى مبادئه وتناضل من أجله، وهو من جمع ملايين البشر على قولٍ واحد وفكر واحد. فلماذا إذن الإفراط والتمادي في ذلك السلوك غير السوي والهدّام؟
هو سؤال لا أحسبه صعبَ الإجابة؛ فهي واضحة، ما دام السلوك على ذلك النحو. وهنا سأبادر إلى الإجابة، ومن باب الحرص: إذا التبست عليك مجالات الرؤية، وقلّت الخيارات أو زاغت، فما عليك إلّا أن تنظر إلى حيث اتجاه القمة واسعَ لبلوغها. لا بدّ وأنه سيمنحك متسعاً من الوقت للتفكير واتخاذ القرار المناسب، الذي يمنحك مدىً للرؤية لا متناهياً وهواءً نظيفاً لا تشوبه شائبة، يرشدك إلى الصحيح ويبعد عنك الوقوع في الخطأ. تحرر من "ذاتية قاتلة" وانطلق إلى مدى أرحب، لا تجعل "الأنا" مقياس مقاربة بل استبدلها "بالنحن"، فهي أجدر بالجهد لأنها ستكون أنتج وأكثر إفادة... فمتى اتسعت الرؤيا ونظُف الهواء، تُفتح أمام العقل مسارات جديدة ليسبر أغوارها... عند ذلك الحدّ يستوي الأمر على وجهة، ومهما كانت، فإنها ستكون أقل كلفة من جسم جامد هامد في مكانه، ينفخ فيه الهواء فيتطاير في السماء هباءً منثوراً، وساعتئذ يكون قد فات الأوان، وبلغت ساعة الندم حداً لن يعود بصاحبه إلّا إلى الوراء...
هي خيوط تتجمع، وطرقات تتوزع ومسارات تتفرع، انتقِ منها الأفضل واترك الباقي... ابقَ في النور وارذل الظلمة، انظر إلى الأعلى وتقدم دوماً... ساعتئذ ستثبت بأن الحركة إلى الأمام هي الخيار الوحيد... نظّف جسدك من الأشواك العالقة به نتيجة السكن في عتمة الوديان، واجعل من قرص الشمس شاخصاً ثابتاً لاتجاه أهدافك. فلن يُهزم ذلك "العصيّ"، وإنما حتماً سينتصر، بقضاياه ومناضليه...
فالعمل والقول في وضح النهار أجدى وأفعل من البقاء في الغرف المظلمة مع الخفافيش، التي لا تعرف معنى الحرية، لأنها لم تعرف ضوء النهار كونها لا تدركه. فلماذا التمسك بالسراب ما دام الواقع متاحاً؟ أهو مرضٌ أم عنادٌ أم تخريبٌ...؟ أتوقع أن الجميع يدركون الجواب. فكما قيل لموسى "فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ"، نقول الآن: "فلنخلع كل أنانية ووصولية وانتهازية، إنه الحزب الشيوعي".