كان هواء صيدا المُحرَّرة لا يزال يعبق برائحة الحرية الهشة، ممزوجةً برائحة الغبار والدخان والرطوبة. في غرفة خلفية من أحد البيوت المتواضعة، حيث يتسلل نور خافت من خلف ستارة سميكة، كان الرفيق "ع" يدقّ بأصابعه على طاولة خشبية، نظراته ثاقبة تسبق كلماته.
"العدو انسحب من هنا، نحن بحاجة إلى إيصال مواد ضرورية وبشكل مستعجل إلى مجموعة في منطقة النبطية. قالها وهو يمرر لي ظرفًا رفيعًا. "المواد كانت في عهدة الرفيق 'حازم'، لكن الطريق إلى الداخل محفوف بالمخاطر. الطريق الوحيد هو معبر 'زفتا'. عليك اختيار رفيق واحد لهذه المهمة. يجب أن يكون الأفضل."
لم تكن الصورة تحتاج إلى تفكير طويل. في ذهني، تشكّلت صورة الرفيقة "س" فورًا. لم تكن مجرد مناضلة، بل كانت من الرفيقات المميزات في مجال العمل القتالي، ضمت إلى التنظيم السري للحزب قبل اجتياح عام ١٩٨٢، كان لديها خبرة واسعة، وتدريب عال. كانت هادئة كالبحر العميق قبل العاصفة، سريعة كالبرق، وتستطيع أن تقرأ لغة الخطر في نظرات الجنود. وكانت تقود السيارة كما لو كانت تمتطي صهوة حصان بري.
في شقة آمنة، جلستُ أمام "س". لم أكن لأهدر وقتها بالتفاصيل غير الضرورية. "المهمة إلى النبطية. عبر حاجز زفتا. ستلتقين بالرفيق 'حازم'، وسيسلّمك مواد ووسيلة نقل. ثم إلى هذا العنوان." مددت لها ورقة صغيرة، التهمتها عيناها في ثانية واحدة ثم أحرقتها. "كلمة السر للتعارف مع حازم' “. أومأت برأسها، عيناها العسليتان لا تعكسان خوفًا، بل تركيزًا حادًا، كصقر يحدد هدفه قبل الانقضاض. "التغطية: ذاهبة لزيارة والدتك المريضة في إحدى قرى النبطية. احفظي كل تفصيل. ستذهبين بسيارة أجرة إلى الحاجز، والباقي عليك". لم تسأل إلا سؤالاً واحدًا: "متى أنطلق؟" "خلال ٢٤ ساعة. كوني جاهزة."
في الصباح التالي، انهمر المطر بغزارة، وكأن السماء كانت تغسل أتربة الحرب. وقفت "س" على بعد أمتار من الحاجز، تدفع لسائق الأجرة وتترجل. كانت تلبس ثيابًا بسيطة، تحمل حقيبة صغيرة، لا شيء يلفت الانتباه، إلا عينيها اللتين تلمعان.
لكن المشهد لم يكن طبيعيًا. الحاجز كان مغلقًا بسلسلة حديدية. مجموعة من الناس يتجمعون في البعيد يهمسون. سمعت أحدهم يقول: "امرأة... رصاصة ... استشهدت هنا قبل ساعة."
قلبها اشتعل، لكن قدميها لم تتراجعا. تقدمت حتى منتصف الطريق الموحل وتوقفت. وقفت هناك، تحت المطر، ساكنة، صامتة. كانت تدرك أن أي حركة مفاجئة أو تراجع سيكون مشبوهًا. كانت تلعب لعبة نفسية خطيرة.
الدقائق تمرّ بطيئة كالرصاص. عشر دقائق وهي واقفة، الماء يتساقط على وجهها، تنظر باتجاه الجنود الذين يتجمهرون حول آلية عسكرية، يرمقونها بنظراتٍ بين الفضول والريبة.
أخيرًا، انفصل عن المجموعة جنديان، ثم تبعهما ضابط شاب، قسوة الحرب مرسومة على محياه. "تعالي إلى هنا!" ناداها بصوت خشن. تقدمت بخطوات ثابتة. "لماذا أنت هنا؟ المعبر مغلق. ارجعي من حيث أتيت." بحزنٍ مدروس، شرحت له: "والدتي مريضة جدًا في النبطية. أتيتُ من بيروت عبر صيدا لأراها. لا يمكنني العودة." نظر إليها مليًا، ثم سألها السؤال المخادع: "صيدا... كيف الأوضاع هناك بعد أن رحلنا؟" لم تتردد. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "بخير. الحياة تعود إلى طبيعتها، والحمدالله." كانت الإجابة المحايدة والآمنة. صمت الضابط لحظة، ثم قال وهو يدعوها للمشي نحو نقطة التفتيش: "سأفتشكِ ثم أمرركِ. رغم أن عندي إحساسًا أنكِ لا تحملين قلبًا أمينًا." كان يقصد بكلمته "مخربة". "أمي تحتاجني، هذا كل ما أحمله في قلبي." أجابت بنبرة طبيعية.
بعد تفتيشٍ سريعٍ ومذلّ، وجّهاها للعبور. سارت في الشوارع الخالية، قلوب الناس هناك لا تزال تنبض تحت رحمة البنادق. طلبت سيارة أجره نحو المدينة، وجدت المنزل، دقت الجرس باتفاق مسبق.
فتح الباب رجل في الأربعينيات من عمره، نظاراته سميكة، يخفيان عينين متعبتين لكنهما حادتان. قبل أن يتكلم، همست "س" بكلمة السر: "جاءت الربيع تحمل أخبار العاصفة." أجاب على الفور: "والعاصفة لا تبقي على شيء. أدخلي." كان هو الرفيق "حازم". داخل البيت، الجو كان ثقيلاً. الجدران عارية، والأثاث قليل. "المواد؟" سألته بعد أن شربت جرعة ماء. "جاهزة. لكن لا يمكن نقلها نهارًا. انتظري حتى المساء." أرادت أن تستعجل، لكنها أدركت حكمة كلماته. نامت قليلاً على سرير متواضع، لكن نومها كان خفيفًا.
عند الغسق، عاد "حازم" وبيده طعام بسيط. تناولاه في صمت. ثم أخذا إلى مرآب صغير. هناك، كانت سيارة قديمة. "المواد في تجويف سري داخل المقعد الخلفي. لا تفتحيه إلا عند التسليم. خذي الطريق الترابي حول التلة، فهو أأمن." سلمها المفاتيح. في عينيه نظرة قلق لم يستطع إخفاءها. "أنتظر عودتك."
قادت "س" السيارة في طرقاتٍ مظلمةٍ ومليئةٍ بالمطبات، عيناها لا تفارقان المرآة، تبحثان عن أي ضوءٍ أو حركةٍ مشبوهة. وصلت إلى القرية، التقطت أنفاسها وبدأت تبحث عن العنوان.
رأت شابًا يمر، ففتحت النافذة وسألته باسم العائلة بلهجة محلية. "هنا، في هذا البيت." أشار. دقت الباب بالإيقاع المتفق عليه. فتحت فتاة في مقتبل العمر، لا تتجاوز العشرين، عيناها واسعتان مليئتان بالخوف والأمل. "جاءت الربيع..." همست "س". "...تحمل أخبار العاصفة." أكملت الفتاة بلهفة.
سحبتها "س" إلى داخل البيت. بسرعةٍ وخفة، أزالت بعض الغرز من بطانة معطفها وأخرجت رسالة صغيرة، وسلمتها للفتاة التي قبّلتها وكأنها كنز. ثم خرجتا إلى السيارة. تحت جنح الظلام، وبحرصٍ شديد، فتحتا المخبأ السري وأخرجتا الحقائب الصغيرة والمواد ونقلتهما إلى داخل البيت في دقائق معدودة. لم تتبادلا كلمات كثيرة. نظرة عرفان، وهمسة "شكرًا" كانت كافية.
قادت "س" السيارة عائدةً إلى "حازم". كان في انتظارها، وجهه شاحب، يدخن سيجارة تلو الأخرى. عندما دخلت، ارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح نادرة، كشمس تشرق بعد إعصار. "الحمدالله على السلامة." "المهمة أنجزت." قالتها ببساطة. أعطاها كوب شاي ساخن. "ارتاحي قليلاً. سنعود إلى بيروت قبل الفجر. لقد كنتِ رائعة "
جلست، وأخيرًا استطاعت أن تتنفس بهدوء. نظرت من النافذة، المطر قد توقف، والنجوم بدأت تظهر خلف السحب. كانت تعلم أن الحرب لم تنتهِ، لكن كل مهمة ناجحة كانت نجمةً جديدةً تضيء طريق الحرية الطويل. وكانت هي، بتلك الوقفة تحت المطر، قد أضاءت واحدةً منها.