دينامية الإنتاج الثقافي التحرري *


تردّدتُ كثيراً عندما دُعيت إلى هذه الندوة. فأنا، أوّلاً، أعيش منذ فترة بعيدةً عن الحيّز العام، ما عدا من خلال كتاباتي... ولا أرتاح كثيراً في المناسبات العامّة. ثانياً، صرتُ أشعر بأنّ الكلام باتَ يملأ الدنيا، ولدينا اليوم مليون وسيلة لنشر الكلام، وفي أغلب الحالات لا يوصلنا هذا الكلام إلى أيّ شيء.

لكن، عندما قرأت مانيفستو "تحرير الثقافة"، شعرتُ بجدّية مميّزة في طرح الإشكاليات فتشجّعت، ولمّا تعرّفتُ أكثر على "نادي الروّاد" بكونه جمعية غير مموّلة، أي على عكس كثير كثير من الجمعيات في بلدنا، تشجّعت أكثر. لكن ما دفعني بالفعل للمشاركة هو الطرح الذي نحن بصدده اليوم، أي "تحرير الثقافة": ذلك أنّ هذه الإشكالية هي في صلب عملي الفكري وكتابتي، فقلتُ في نفسي: ربما لديّ شيء أقدّمه في هذه المسألة.

انطلقتُ بدايةً، في مسار تحضيري لمداخلتي اليوم، من مساءلة المفردات والمصطلحات المستعمَلَة: لماذا نطرح مسألة "تحرير" الثقافة؟ ماذا نقصد بالتحرير؟ ومن ماذا أو ممّن نحرّر الثقافة؟ وعندما نستخدم عبارة "تحرير"، فهل لأننا نعتبر بأنّ الثقافة محتلّة أو مستعمَرَة مثلاً؟ ومن قِبَل من أو ماذا؟ وكان لا بدّ أن يجرّ هذا السؤال سؤالاً ثانياً: ما هي الثقافة التي نريد أن نحرّرها؟ ماذا نقصد بمفهوم "الثقافة"، وما بال هذه الثقافة تحتاج تحريراً؟

من هذين السؤاليْن، بدأ يتبلور لديّ مسار للإشكالية أو بالأحرى للإشكاليات التي سأحاول الإضاءة عليها اليوم، وفي ما يلي الخطوط العريضة لمداخلتي:

• كيف استفدتُ أو كيف فعّلتُ ما أسمّيه (بالعربية) "الفكر الاختلافيّ"، الذي عملتُ عليه في أطروحة الدكتوراه، لكي أقاربَ من خلالِه إشكالية إنتاج الثقافة؟
• ما هي الدينامية الاختلافية التي يمكن أن نفهم من خلالها عملية إنتاج الثقافة، وخاصة في لبنان؟
• هذه الدينامية مُصابة بخللٍ في لبنان، وخاصة في مجال إنتاج السينما والتلفزيون، كيف ذلك ولماذا؟ لماذا يكتسب هذا المجال البصريّ أهمية كبرى، وبالتالي لماذا يكتسب الخلل في الإنتاج الثقافي هنا بعداً فائق الأهمية؟
• كيف يؤثّر هذا الخلل بعملية تحرير الثقافة، ومن أين نبدأ إذاً في عملنا لتحرير الثقافة؟

إشكالية أطروحة الدكتوراه
كان موضوع البحث الذي تناولته في أطروحة الدكتوراه: دراسة أو تحليل الشخصية في أعمال الكاتبة الفرنسية مارغوريت دوراس. وهي شخصية لا تنفكّ تمّحي وتغيب (من حيث تمثلاتها الواقعية النفسية والإجتماعية، أي غياب الإسم، التوصيف، التموقع في البيئة الاجتماعية..) في كتابة تمحي هي نفسها. ذلك أنّ الكتابة هنا، فعل الكتابة، يعبّر عن استحالة توصيف وإدراك شخصية تعيش حالة انخطاف، وحالة الانخطاف هذه هي حالة العشق. العشق الذي يسلب الشخص من ذاته.

كان السؤال المنهجي النقدي هنا إذاً: كيف ندرس ما هو غائب أو ممحيّ، وبأي أدوات نقدية معرفية؟ فالسيميولوجيا، أي دراسة العلامات، والتي بلورت نظرية لتحليل الشخصية (سيميولوجيا الشخصية) تتطلّب وجود هذه العلامات، فكيف ندرس علامات غائبة ممحيّة؟

هنا، دخلت المنهجية السيميولوجية التي كنتُ أعتمد في أزمة: كيف نقارب اللا تمثّل، الصمت، الغياب، الإمّحاء، الفجوات؟ لا يمكن أن نقارب هذا النص بأدوات المناهج النقدية التحليلية التقليدية، التي تعتمد كلّها على وجود علامات وتمثّلات لكي تحلّلها.

وجدتُ في تيار فلاسفة ومفكّري ما يُعرف بالتفكيك (من أبرزهم دريدا، نانسي، ليوتار) سبيلاً لمعالجة هذه الأزمة المنهجية: إذ كان لا بدّ من إنتاج لغة نقدية جديدة أو مغايرة لمواكبة كتابة تعتمد الغياب والإمحاء واللاتمثّل في مقاربتها للشخصية. ما معنى ذلك وعلى ماذا يدلّ؟

إنّ اللغة النقدية المنهجية وأدواتها، بما هي إنتاج معرفيّ للنصّ الذي تدرسه، لا بدّ لها أن تتأثّر بهذا النصّ، هذا النص التي يحاول النقد إنتاجَ قراءةٍ به.

بمعنى آخر، إنّ المادّة (النص بالمعنى العام) التي نحن بصدد دراستها تحليلها، تحدّد الأدوات النقدية المعرفية التي تقاربها. وإنّ الفكر (هنا النقد) يُنتج معرفةً بمادّة (هنا النص) تُنتج هي بدورها معرفةً به.

هذه العلاقة ذات الاتجاهين (ذهاب وإياب) التي قد يسمّيها البعض جدلية، أفضّل أن أسمّيها "اختلافية": أي علاقة بين اثنين (هنا، النقد بما هو إنتاج معرفة، والنصّ) يُنتج الواحد فيها الآخر فيما الآخر يعود لينتجه بدوره.

وهذه العملية الإنتاجية المزدوجة تُنتج هي نفسها اختلافاً: فنصّ مارغوريت دوراس أجبر أو دفع النقد إلى تغيير ذاته فيما النقد أنتج فهماً مغايراً للنصّ : النصّ جعل النقد يختلف في أدواته وفي مقاربته، فيما النقد جعل النص يختلف بدوره، في معانيه ودلالاته.

إشكالية تحرير الثقافة
يمكن أن نقارب الإشكالية المطروحة اليوم، أي تحرير الثقافة، بنفس هذا المنطق: إنّ الثقافة بمعناها العام هي مجمل ما ينتجه مجتمع معيّن ليس فقط من بنى "فوقية" أي أفكار وخطاب، بل كل ما ينتجه من زراعة وصناعة وهندسة معمارية وحرَف وأزياء وموروثات شعبية شفوية.. لكن هذه الإنتاجات المتنوعّة التي نسمّيها ثقافة هي ليست فقط ما يبدعه أو ينتجه مجتمع معيّن أو ذات جماعية. بل هي أيضاً، وفي الإتجاه المعاكس، كلّ ما يعود ليساهم في تشكّل هوية محلية خاصة بمجتمع معيّن، بل كل ما يشكّل وعياً وفهماً ونظرةً إلى الذات، الذات الجماعية (ومن ضمنها الذات الفردية). بمعنى : هذه الذات تنتج ثقافة تعود بدورها لتنتج هذه الذات في فهمها ووعيها لهويتها ولذاتها : مجتمعٌ (ذاتٌ جماعية) تنتجُ ثقافةً تنتج مجتمعاً.

إذا جرت العملية الإختلافية ضمن المنطق الذي تحدّثنا عنه، لا بدّ أن تُنتج اختلافاً: في الثقافة التي ينتجها المجتمع (الذات الجماعية)، وفي المجتمع الذي تعود الثقافة لتنتجه بدورها.

فلنعطِ مثالاً لبنانياً فعّالاً لكن استثنائياً عن هذه العلاقة الاختلافية في إنتاج الثقافة، وهو مسرح وأغاني زياد الرحباني. لقد أخذ زياد الرحباني طريقة حكينا فأبدعها في اختلافها عن ذاتها: هكذا رأينا في أعمال زياد الإبداعية، رأينا ذاتنا المغايرة، المختلفة عن ذاتها، ذاتنا المُبدَعَة. وقد أضافت هذه الذات المُبدَعَة المختلفة عن ذاتها إلى ذاتنا الجوهرية فاختلفنا نحن: صرنا نحكي مثل زياد أو مثل شخصياته. طرأ إذاً اختلافٌ في لغتنا وعباراتنا وطريقة حكينا نتيجة هذه العملية الإنتاجية الاختلافية. كما أنّه طرأ، وبلا شك، تغييرٌ في وعينا لذاتنا الجماعية نتيجة ذلك: فصرنا ننظر إلى أنفسنا وقد أُضيفت إليها شخصيات وكلام وأغاني زياد، أي ذاتنا التي أُعيد إبداعها أو إنتاجها.

لكنّ هذا المثل يبقى استثناءً في لبنان. ذلك أنّ ثمّة خللاً أو خلليْن اثنيْن يصيبان طرفيّ العلاقة التي تحدّد الإنتاج الثقافي في بلدنا: ثمة خلل في إنتاج الثقافة من قِبَل الذات الجماعية أو المجتمع، وخلل في ما تعود هذه الثقافة لتنتجه من صورة للذات الجماعية، وهذان الخللان مرتبطان طبعاً.

صورتنا عن ذاتنا في مجاليْ السينما والتلفزيون
لا شكّ أنّ أكثر مكان يتجلّى فيه هذا الخلل المزدوج هو الفنون البصرية أي السينما والتلفزيون، ذلك أنّه مكان معنيّ بالدرجة الأولى بإنتاج صورة عن الذات، أي هو مكان من المفروض أن نرى فيه أنفسنا. أن نرى ذاتنا ممثلّة في السينما أو التلفزيون مسألة بالغة الأهمية، فهي فعل تحرريّ بامتياز.

للتدليل على هذا الخلل المزدوج يمكن أن نبدأ بالسؤال التالي: كم مرّة شعرنا بأنّ شخصية سينمائية أو تلفزيونية لبنانية هي نحن، هي أنا؟ ليس فقط شخصية تشبهنا في عيشنا وفي طريقة كلامنا، بل شخصية يمكن أن نضع أنفسنا مكانها، فنحزن لأحزانها ونضحك معها ونبكي؟ أي نتماهى لا شعوريّاً معها؟ أشكّ في أن نستطيع ذكر كثير من هكذا شخصيات. بالمقابل أعتقد بأننا تماهينا مع شخصيات من أفلام أجنبية، خاصة هوليوودية.

هنا يكمن الخلل الأوّل: إنّ من نراهم على الشاشة اللبنانية، من الصعب جداً أو من المستحيل أن نتماهى معهم بمعنى أن نسكنهم ويسكنوننا. بهذا المعنى فإنّ عملية الإنتاج الثقافي هنا "مضروبة": من كتابة الأفلام أو المسلسلات إلى التمثيل إلى الإخراج، أي أنّها "مضروبة" على المستوى الفنّي. لكنها، برأيي، هي "مضروبة" أساساً من حيث الحكاية، حكاية الذات الفردية والجماعية: لماذا لا نستطيع أن نكتب ونصوّر حكاياتنا، أي ذاتنا؟
وكيف لهذه الذات "المضروبة" التي نراها أن تعود لتشكّل نظرتنا المختلفة المبدَعَة عن ذاتنا (كما فعل زياد الرحباني)؟ هكذا فإنّ الخلل الأوّل، الخلل في إنتاج الثقافة، هنا الأفلام والمسلسلات التي لا تمثّلنا، لا بدّ أن ينتج عنها الخلل الثاني أي خلل في رؤيتنا وفهمنا ووعينا لذاتنا.

بدل أن تنتج الأفلام والمسلسلات (والانتاج الثقافي عموماً) ذاتنا المختلفة المبدَعَة لتعود هذه وتبدعنا نحن في اختلافنا عن ذاتنا، فهي تنتج صورة ممسوخة عن ذاتنا فتعود هذه الصورة لتضرب وتمسخ ذاتنا. هكذا، وبدل أن تكون عملية إنتاج الثقافة عمليةً اختلافيةً خلّاقةً للإبداع وللذات، تصبح عمليةً هدّامةً للإبداع وللذات، وبالتالي تصبح صورتنا عن ذاتنا صورةً مهشّمة محطّمة دونية.

لماذا؟ ربما لأنّ علاقتنا مع ذاتنا الفردية والجماعية هي نفسها المضروبة المختلّة المهشّمة الممسوخة. ثمة خلل أساسيّ في رؤيتنا لذاتنا. فكيف لمن ينظر إلى ذاته بهذه الطريقة أن يبدع فناً وثقافة؟

هنا يأخذ طرح "تحرير الثقافة" الذي نحن بصدده اليوم معناه بالنسبة لي: تحرير الثقافة كما أراه هو تحرير رؤيتنا لذاتنا الفردية كما ولذاتنا الجماعية. ذاتنا كلبنانيين وكشعوب ما كان يسمّى بالعالم الثالث (قبل أن يتلطّفوا علينا ويسمّوه "بلدان نامية") : ذاتنا هذه التي بنينا معرفتنا ووعينا وفهمنا لها من خلال المعرفة التي بناها المنطق الغربي الإستعماريّ عنا. فصورتنا الحديثة السلبية والدونية عن أنفسنا هي في معظم جوانبها صورة بناها عنا الغرب وتأثّرنا بها بل وتبنّيناها في أغلب الأحيان. بل لقد سمحنا للآخر "المنتصر" بأن يكتب تاريخنا.

كيف لمن لا ينتجُ تاريخه وفكر هذا التاريخ، أن ينتجَ ثقافةً؟ وهل يمكن إبداع الثقافة أو الفنّ بمعزل عن الفكر الحامل لها؟

كيف السبيل إلى تحرير الثقافة؟

تحرير الثقافة هو تحرير رؤيتنا لذاتنا التي تبدأ من تحرير قراءتنا لتاريخنا. علينا إذن إعادة بناء صورةٍ إيجابيةٍ بنّاءةٍ عن أنفسنا وعن تاريخنا الحديث. وهذا يتطلّب إعادة قراءة، أي إعادة تأويل لهذا التاريخ. وربما للراهن نفسه.
إنّ تحرير العقل يؤدّي بنا إلى هذه القراءة الإيجابية لتاريخنا. إنّ هذه القراءة الإيجابية لتاريخنا تؤدّي بنا إلى تحرير عقلنا. هذه هي الدينامية التحررية التي تنسف المنطق والمنظور الإستعماري الذي احتلّ عقولنا وتبعاته الانهزامية على بنيتنا النفسية، وبالتالي على إنتاجنا الثقافي.

* كلمة أُلقيَتْ في ندوة تحت عنوان «تحرير الثقافة» نظّمها «نادي الروّاد للثقافة والفن» «بتاريخ 14 آب 2019

 

 

 

 

 

 

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 363
`


ليلى الخطيب توما