هجمة سعودية اقتصادية على لبنان: تحسين أوراق التفاوض في زمن التسويات!

0
0
0
s2smodern

في وقت يشتدّ فيه الخلاف السعودي الايراني في الإقليم، المشتعل أصلاً على وقع الحروب في سوريا والعراق واليمن، "مُقيلاً" في طريقه الحكومة اللبنانية، في ظلّ بحث المملكة العربية السعودية عن أوراق قوة لتحسين موقعها التفاوضي في التسوية المتوقّعة في الربيع المقبل، فوجئ زوار واشنطن بالتشدّد الأميركي المستجدّ تجاه حزب الله ومن خلفه إيران، وبحجم التنسيق الأميركي السعودي الذي وصل الى درجة بات فيها المسؤولون الأميركيون يستخدمون التعابير ذاتها التي يصف بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان حزب الله، كـ"حزب الشيطان"، و"الغدّة السرطانية" وما شابه.
وفي ظلّ الحديث المستمرّ عن عقوبات أميركية جديدة تستهدف حزب الله ومن خلفه لبنان، والتهديدات الأميركية والخليجية المتزايدة للحزب، إعتبر مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي، في حديث أمام وفد لبناني، كما أمام ثلاثة ضيوف زاروه فرادة خلال الفترة الماضية، أنّ الإدارة الأميركية السابقة كانت متساهلة في تطبيق العقوبات المفروضة على حزب الله لجهة منع تمويله، حيث أنّ "التزام تطبيق القانون القديم كان يمكن أن يعود بنتائج أفضل، لأنّه كان بالإمكان تفادي كافة الهوامش والتفاصيل الصغيرة لو طُبِّق القانون بحذافيره، فما بالك في ظلّ القانون الجديد الذي سيصدر قريباً؟".
أمّا الحدث الجديد والنوعي، فكان تأكيد بيلينغسلي أنّ همّ تطبيق العقوبات بشكل صارم على حزب الله تحوّل اليوم من همّ أميركي وإسرائيلي، الى مطلب خليجي بشكل عام، وسعودي بشكل خاص. ولعلّ تكرار رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري خلال بيان إستقالته لعبارة "العقوبات" ثلاث مرّات خير دليل على أهميّتها في القاموس السعودي اليوم، لا سيما إثر ربطها مع حديث النائب عقاب صقر المقرّب من الحريري، لوسائل إعلام لبنانية، أنّ "لدى الحريري معلومات عن أننا سنتعرّض لعقوبات أو عمل عسكري إذا استمّرينا بهذا النهج".
وفي ظلّ المعلومات التي كشفها مساعد وزير الخزانة الأميركي أمام زواره حول إفتتاح مركز في الرياض، تحت شعار مراقبة أنشطة ايران وأذرعتها المالية، يهدف بالدرجة الأولى لمراقبة تنفيذ العقوبات على حزب الله، تبدو تهديدات الوزير السعودي ثامر السبهان مقدّمة جدية لإفتعال حرب إقتصادية شعواء بدأت ملامحها تلوح.
غير أنّ مصادر إقتصادية لبنانية عليمة تشير لـ"النداء" أنّ ما تقوم به السعودية اليوم ما هو إلّا "إعلان واضح وصريح للحرب الإقتصادية التي تشنّها على لبنان منذ بيانها الشهير، عام 2015، حين طالبت لبنان بتسديد قيمة وديعتها لديه، علماً أنّ ما كان قد بقي منها حينها لم يتجاوز الـ 100 مليون دولار، مع ما ترافق من ضغوط لسحب الودائع ودعوات لعدم زيارة البلاد".
وترى المصادر أنّها ليست المرة الاولى التي تستخدم فيها السعودية سلاحها النقدي بوجه لبنان، فقد كانت أولى المحطات الأسبوع الأخير من حرب تموز عام 2006، بعد أن كان الجميع قد أيقن أنّ المقاومة لن تهزم، فطالبت السعودية حينها بوديعتها، وهدّدت بطلب سحب كافة الودائع العربية. لكنّ لبنان إستطاع إحتواء الهجمة حينها لسببين: أولاً، قدرة مصرف لبنان على الحفاظ على ثبات سعر صرف الليرة، نتيجة التحول النوعي في الوضعية النقدية، بعد أن كان الاعتقاد السائد أنّ الاقتصاد اللبناني مرتبط عضوياً بالخليج العربي. وثانياً، رغبة الولايات المتحدة بالحفاظ على الحدّ الأدنى من الإستقرار في البلاد، وبالتالي إستطاعت لجم السعودية عن مغامرتها النقدية المدمّرة.
المجاهرة السعودية أمس بإعلان الحرب على لبنان، من الصعب بمكان ترجمتها بالحرب العسكرية، غير أنّ كافة الترجيحات تصبّ في صالح الحرب الإقتصادية والمالية، وهي ورقة قوة سعودية أساسية. ولكن إستنفاذ المملكة معظم أدواتها في حربها السرية المتواصلة منذ سنتين، بالإضافة لقدرة لبنان المتعاظمة في المجالين النقدي والمالي، وسط خطوط حمر لا تزال مرسومة، تنبئ أن مصير هذه الحرب هو الفشل.
ما يجري اليوم قبل أقلّ من ستة أشهر على الربيع الذي تشير كافة المؤشرات أنّه سيعلن بدء مرحلة التسويات الكبرى، هو تجميع لأوراق التفاوض بشتى أشكال الأسلحة والحروب، وفي القلب منها الحرب المالية والإقتصادية. ولعلّ السعودية التي كادت تُستبعد عن طاولة التفاوض تحاول من خلال الإعلان عن حربها على لبنان والمقاومة، تحسين شروطها التفاوضية وحجز مقعد لها في مقابل إيران وحلفائها، وأولهم حزب الله.
في المقابل، تتوفر للبنان اليوم قوة وقدرة لم يعرفها طوال التجارب السابقة وسنوات المحنة، والدليل الإحتياطات النقدية الهائلة التي إستطاع مصرف لبنان تجميعها، والتي تسمح للبنان بالحفاظ على إستقراره النقدي، على الأقلّ حتى الإنتهاء من التسويات، شرط إستمرار توفر عناصر الإدارة الهادئة والحكيمة، والتي برزت منذ الدقائق الأولى "لإعلان الحرب" ضد لبنان السبت الماضي من السعودية.

  • العدد رقم: 325
`


فراس مقلد