علاقتنا بالطبيعة في ظلّ الاشتراكية

 

تناولت المقالةُ السّابقة علاقةَ نمط الانتاج الرأسمالي بالطّبيعة. أمّا في ما يلي فسنحاولُ إظهارَ بعض معالم علاقتنا بالطبيعة في ظلّ الاشتراكية. أشرنا سابقًا إلى أنّ نمطَ الإنتاج الرأسمالي يعجزُ عن وضع حلول للأزمة البيئية العالمية، لأن هذا يتطلّبُ وضعَ حدود لتراكم رأس المال وتوسّعه، والتراكم هو متلازمٌ مع النّظام الرأسمالي الّذي من غيره ينتفي وجوده. من هذا المبدأ بالذات يمكننا استنتاج لماذا أصبحت الاشتراكية ضرورةً. فبأبسط حال، الجوابُ يكون: أيُّ نظامٍ هو مرتبطٌ بكبح رأس المال كالنّظام الاشتراكي؟ أيُّ نظامٍ قامَ على أساس دراسة الرأسمالية تاريخيّاً وعلى دراسة نمط إنتاجها ونمط حياتها والقوانين المحرّكة لها؟ لنوضح الصّورةَ أكثرَ ونذهبَ إلى نمط الإنتاج الاشتراكي.

إنّ الاشتراكية العلميّة تلغي انفصال المنتِج عن وسائل الانتاج من خلال إلغاء ملكيّتها الخاصة، أي ملكيّة الطّبقة البرجوازيةِ لها، وبهذا تصبحُ وسائلُ الإنتاج ملكيّةً عامّة وبالتّالي ينتهي بيع قوّة عمل العمال كسلعةٍ كما لا يعود قانون القيمة هو الموجِّه للنّشاط الاقتصادي أي ارتباط قيمة السلعة بما تحتويه من قوةِ عمل، بل يصبح التوجيه هو بإدارةٍ واعيةٍ وتخطيط السّلطة السياسية التي تصدر عن مجالس الشعب، بهدفِ تحقيقِ خير الإنسان. أي أنّ الشغّيل يصبح قيّمًا على الثّروة الاجتماعية للبلاد وإدارتها وتوزيعها. وربّما تكونُ العلاقةُ بين ما نقول وموضوعنا الأساسي ملتبسةً عند البعض. لذا سنوضّحُ في ما بعد بعض الأمثال العمليّةٍ. لكن كخطٍّ أولي، إنّ ارتباطَ إلغاء توسُّع رأس المال وتدميره للطبيعة بإلغاء الملكية الخاصّة واستبدالها بالعامة أصبح واضحاً.

نمطُ الحياة

لنحاول تتبّعَ طريقنا بالالتفات إلى نمط الحياة الاشتراكي. يقولُ كارل ماركس '' إنّ أسلوبَ إنتاجٍ معيّن هو في الوقت ذاته أسلوبٌ معيّن لنشاط الأفراد، نوعٌ معين لنشاطهم الحيوي، نمط معين لحياتهم، فكما يكون نشاط الأفراد يكونون هم أنفسهم. إلخ''. إذاً اضافةً إلى انتفاء الاستهلاك المفرط نظراً لمفهوم الحاجة البشرية للإنتاج في ظلّ الاشتراكية وإعادة النّظر والجهود في سبيل التطوير المعنوي، يختلفُ كذلك سلوك الأفراد ويُستبدل السّلوك القديم للفرد (ليس هذا من شأني)، إلى مبدأ جديدٍ (أنا مسؤولٌ عن كل شيء) وهذا ما ينطبق على كل جانب من جوانب الحياة بارتباطها (السياسي، الاجتماعي البيئي) *كتاب الشيوعية العلمية. وهنا تجدرُ الإشارة إلى أنّ في الاشتراكية، قياسُ مستوى معيشة الفرد ليس محصورًا بأساسٍ كمّي (أي كمية السلع الاستهلاكية للفرد الواحد. إلخ) بل مرتبطٌ بنوعيٍة المعيشة... فإذا كسر التوسّعَ الإمبريالي نمطُ إنتاجٍ بديل، نمطُ حياة بديل، نقاط أساسية لاشتراكية القرن الواحد والعشرين، تأخذُ بشكلٍ خاص الكارثة الايكولوجية ومعطياتها قيد الضرورة الطارئة، تتّخذُ عندها علاقتُنا بالطبيعة شكًلا مختلفًا. حيث نصبحُ قادرينَ بالفعل لا بالقول، على أن نشيرَ لكارثة التغيّرِ المناخي وإلى حلولها المتاحة، بدلًا من أن نصدر قادةً مهرجين يعتبرونها مجرّد خرافةٍ لكونِ هذه الحلول تضرّ بمصالحهم.

لنأخذ مثال كسر الاعتماد على الوقود الاحفوري. وهو متنفّسٌ أساسيٌّ للشركات الرأسمالية الإمبريالية. هذا الكسرُ سيدفعُ بنا إلى تقليص أكبر ملوّثٍ للأرض ومسبّبٍ للاحتباس الحراري. كما سيمكّنُ من إعادة بسط السيطرة على جزء الاراضي الواسعة التي تحتلُّها الشركات النفطية من التعاونيات الانتاجية وإقامة مشاريعَ بيئيّةٍ بدلًا عنها بإدارةٍ تعاونية. وبهذا الصّدد، لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ النمطَ التعاوني للإنتاج مهما كان بدائيًّا ومحليًّا هو تلقائيًّا صديقٌ للبيئة، وبمثابة رعبٍ للشّركات الكبرى، وأبسطُ مثالٍ على ذلك ولاية سيكيم الهندية، كابوس شركات المبيدات.

وفي العودةِ قليلًا إلى واقع الشركات والتحوّلاتِ السياسية العالمية، تحتلُّ الصين، المركزُ الصناعي العالمي، المراتبَ الأولى مع الولايات المتحدة في انبعاثات الكربون، وللمفارقة وحسب (times magazine) ،٧٢ ٪ من انبعاثات الكربون في الصّين هي لشركات أجنبية مثلاً شركة Nike والتي تنتجُ بضاعتها في الصين وتصدُّرها خارجها، لكن وفي خضمّ صراعها ضدَّ النهب الأميركي الامبريالي، والتّخطيطِ لإخراج البلد من هذه الحالة، أقرّتْ الصّين عام ٢٠١١ قانون الشفافية البيئية و أجبرت كل الشركات على تقديمِ بياناتٍ واضحةٍ وشفّافة عن انبعاث الكاربون، وبهذا تضعُ القيودَ أمام العجلة السّامة. لكنّ كل هذا هو مجرّد محاولة كبحٍ مؤقت، حتّى تتمكّنَ هذه الدولة من أن تصبحَ سيّدةَ اقتصادها الوطني ومقاتلةٍ أساسية من أجل الكوكب، كونها تضع في برنامجها مشروع الاشتراكية الكاملة، ما يفرضُ عليها قطعُ العلاقة السائدة حاليًّا مع الطبيعة.

في خاتمةِ الحديث، لا بدَّ من إعادة الاستنتاج، والوصول إلى الخلاصات الضروريّة والعملية لكلِّ ما يحصل في عالمنا من اصطدامٍ لرأسمالية امبريالية مع حدودها التاريخيّة؛ هو اصطدامٌ يتشابكُ على كل الصّعد الاجتماعية الاقتصادية والبيئية ليشكّلَ ملامحَ واضحة للانهيار القادم، فهل يبصرُ البديلُ النّورَ قريبًا؟