سورية.. الفقر الذي لم يكن ينقصه قيصر

 يلاحظ المراقب للوضع العام في سورية أن تدهور الأوضاع الاقتصادية جرى قبل دخول قانون قيصر موضع التنفيذ، في 17 حزيران/ يونيو، وذلك حين بدأ سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية بالارتفاع قبل هذا التاريخ بشهرين. غير أن سريان القانون لم يبقه عند حده المرتفع فحسب، بل وفَّر المبرِّر للحكومة إذا أرادت تبرير عجزها إزاء هذا التدهور. ولذا عَمَّ الاستغراب الأوساط الشعبية عن سبب هذا التدّهور، وتساءل كثيرون إن كان الهدف منه تدريب الشعب على تبعات هذا القانون والاستعداد لتحمّل تبعاته (والصمود). وإذ أرجع كثيرون السبب للخلافات التي ظهرت بين رجل الأعمال رامي مخلوف وأركان السلطة في البلاد، إلّا أنه من المرجح أن عدم سلوك الأزمة السورية مسار الحل السياسي، كما كان مأمولاً، ربما السبب لهذا التدهور.

ولوحظ أنه مع أولى إطلالات رجل الأعمال السوري، رامي مخلوف، وحديثه عما يتعرّض له من مضايقات وما تحدّث عنه من تعدّيات على شركاته ومحاولات سحبها من يده، أخذ سعر صرف العملات الأجنبية في سورية بالتصاعد بشكل جنونيّ لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد، ولا حتّى في أحلك ظروف الحرب المندلعة من تسع سنوات. ولم يكن ليحدث هذا الأمر لو لم يكن مخلوف متحكّماً بالاقتصاد السوري، ولو لم يكن الخلاف الذي وقع على تلك الحدة التي أوصلته إلى مرحلة تهديد من يحاول الاستيلاء على شركاته. وفي هذا الوقت كان المواطن السوري هو الضحية بعد تراجع قدرته الشرائية، ومسارعة المقتدرين إلى تخزين المؤن مخافة حدوث مواجهات في دمشق والساحل السوري وفقدان السِّلع، ما أفرغ بعض المحلات التجارية من كثير من المؤن الغذائية لفترة من الزمن.

ومع ذلك لم يظهر أي من المسؤولين السوريين، أو أي مسؤول حكومي أو حتى نائب في البرلمان، ليتحدّث إلى الشعب أو التعليق على موضوع إنهيار الأوضاع الاقتصادية، سوى ما خرجت به المستشارة الإعلامية في القصر الجمهوري، بثينة شعبان، في 5 حزيران/ يونيو، متحدّثة عن "عدم وجود خيار سوى الصمود"، في وقت لا يجد فيه 85% من أبناء الشعب السوري ما يساعدهم على الصمود في وجه الجوع الذي بدأ ينتشر. وكما كان متوقعاً، فمع الأخذ بعين الاعتبار الإحباط الذي أصاب المواطنين بعد حديث المستشارة، وتدهور مستوى المعيشة، وغياب أي أمل في تغيير الواقع، أو حتى غياب أي اهتمام حكومي أو تعليق حكومي على ما يجري من تدهور في اقتصاد البلاد وخروج الأمر عن السيطرة بعد تواتر ارتفاع الأسعار الجنوني، كلّ ساعة، اندلعت التظاهرات المطلبية في مدينة السويداء.

ليس من المعلوم إن كان تفاقم الأوضاع المعيشية وغياب أي اهتمام حكومي بأحوال الشعب، أو حتى إن كان كلام شعبان عن الصمود، هي العوامل التي دفعت أبناء مدينة السويداء إلى الخروج بالمظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، في 7 حزيران/ يونيو، في مدينةٍ معروفةٍ بأنها لم تكن موالية إلى الحدّ الذي يمكن تصنيفها بين المناطق الموالية كما هي حال مدن الساحل وغيرها؛ إذ إنها وقفت على الحياد بين النظام والمعارضة، على الرغم من رفض أبنائها أداء الخدمة العسكرية في الجيش السوري. لكن ربما يكون الظرف العام الذي تمرُّ به البلاد بعد الضائقة المادية وغياب أي أمل، ولا سيما الأمل بالحلّ السياسي الشامل الذي كان أبناء البلاد يعوّلون عليه لاتقاء آلام قيصر، ولإدخال البلاد مرحلة التسوية وإعادة الإعمار، ربما تكون جميعها عوامل دفعت أبناء السويداء للخروج بمظاهراتهم. مع العلم أنّ وكالات الأنباء العالمية، وعدد كبير من المحلّلين، توقّعوا حدوث انفجار حتى في أكثر مناطق النظام موالاة بسبب تدهور أوضاع المواطنين المعيشية، وما شعار "بدنا نعيش" الذي ردّده متظاهرو السويداء سوى دليل على أن عامل تدهور مستوى المعيشة هو أحد أهم العوامل.

ولكن إذا نظرنا إلى الآمال التي كانت معقودة على الحلّ السياسي، يمكننا القول إن جزءاً كبيراً من أبناء الشعب السوري كان ينتظر البدء بإجراءات تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، والصادر أواخر سنة 2015، من أجل إنهاء الحرب وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة اللاجئين الطوعية وإجراء انتخابات نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة والشروع بإعادة الإعمار. وذلك كله من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد والتغلّب على المصاعب الاقتصادية التي وقع المواطن السوري ضحية لها على مدى سنواتٍ تسع. وليس من المعلوم سبب تلكؤ الجميع في البدء بهذا الحل، عبر تنفيذ بنود القرار المذكور.
ومن جهة أخرى، يمكن لتنفيذ القرار أن يحمل فائدة على مستويين؛ إذ يمكن أن يكون كابحاً لبنود قيصر، وسبيلاً لوأدها قبل تكريسها على أرض الواقع، ويمكن أن يكون سبيلاً لحلّ الأزمة الاقتصادية الضاربة. وإن كان النظام يخشى التغيير الذي قد يحمله القرار الأممي، فإنّ الطرف الأميركي على سبيل المثال كرَّر ما يمكن تسميتها تطمينات له وللطرف الروسي، على لسان مبعوث البيت الأبيض الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، الذي قال إن بلاده لا تريد تغيير النظام بقدر ما تريد تغيير سلوكه. كما شدّد جيفري، قبل أيام، في 22 حزيران/ يونيو، على أن "أميركا لا تريد تغيير النظام عبر عملية أميركية أو دولية". وهي تطمينات كفيلة بجعل الطرف السوري يبدأ بخطوات تنفيذ قرار مجلس الأمن، وهو الحل، ربما الوحيد، الذي ينتظره أبناء الشعب السوري في الداخل، وفي مخيمات اللجوء والشتات، من أجل عودة الهدوء إلى البلاد وتحقيق التنمية التي تنتشله من الفاقة والفقر، بعد فقدانه الأمل بأيِّ حلول بديلة، إن توفَّرت.

 

  • العدد رقم: 380
`


مالك ونوس