النضال المُجدي: كيف وأين؟(2)

النضال المطلبي ليس الصراع الطبقي ولا حتى جزءاً منه، فلذلك هو غير مُجدٍ لأنّه لا يندرج في السياق التاريخي للصراع. إذا أدركنا ذلك، يا رفيق، أدركنا طبيعة أزمتنا، وبالتالي وجدنا الطريق للخروج منها.

بدايةً، ما هو الصراع الطبقي؟ هو صراع الطبقة العاملة مع البرجوازية على ملكية وسائل الإنتاج، وبالتالي على السلطة. جوابٌ صحيحٌ في غير مكان وربما غير زمان. إنّه الجواب الصحيح في المركز المنتج، أمّا في الأطراف التابعة فهو مختلفٌ تماماً، إنّه صراعُ المستغَل مع المستغِل والمضطهَد مع المضطهِد. في المركز الاستغلال هو استغلال البرجوازية للطبقة العاملة، أمّا في الأطراف، فالاستغلال مزدوج، هو أوّلاً وبالأساس استغلال المركز الامبريالي لشعوب هذه الأطراف عبر الهيمنة والاستتباع، وثانياً استغلال البرجوازية التابعة للقوى المنتجة على أشكالها وذلك نتيجة للاستغلال الأوّل. لذلك إنّ الصراع الطبقي في بنية تابعة، يعطيه، بشكلٍ أساسيٍّ، طابعاً وطنياً ويحدّد حركته كحركة تحرّر وطني من الهيمنة الامبريالية. إنّ السيطرة الامبريالية على شعوب الأطراف وفي بنية تابعة، تتمّ بالطّبع عبر الهيمنة العسكرية والاقتصادية والمالية وبسياسة الإلحاق، ولكن، وبشكل أساسي، عبر تجدّد علاقات الإنتاج التي فرضها الاستعمار والتي تمثّل القاعدة المادية للسيطرة. لذلك لا يمكن الفصل بين حركة الصراع الطبقي وحركة التحرّر من الامبريالية. إن الصراع الطبقي في الأطراف التابعة وطنيٌّ بامتياز ويتحرّك كصراع بين قوى تهدف إلى تأبيد علاقات الانتاج التابعة وقوى نقيضة تهدف إلى إنهائها. إنه صراعٌ وطنيٌّ بين قوى تابعة للامبريالية وقوى معادية.
إنّ حركة الصراع الطبقي في بنيتنا الاجتماعية (أي حركة التحرر الوطني) لا يمكن أن تفعل فعلها إلّا في ظلّ رؤية شاملة ومترابطة، تضعها في مواجهة مجدية مع الامبريالية وقواها التابعة من أجل التحرّر وإقامة البديل الاشتراكي. لا يندرج النضال المطلبي إطلاقاً في سياق هذه الرؤية. فهو يتعامل مع مجموعة قضايا مطلبية مفككة، لا وجود لرابطٍ واضح بينها سوى اعتبارات رومنسية وأخلاقية.
إنّه نضال من داخل النظام الرأسمالي وليس عليه، ويُظهِر الفئات الاجتماعية المطالِبة غير معترضة على هذا النظام بل على حصّتها منه.
إنّه نضال يتصدى للنتيجة بدل التصدّي للسبب. فكما ذكرنا سابقاً، الطائفية والفساد والهدر وغيرها.. هي البنيان الفوقي لعلاقات الإنتاج التابعة، إنّها النتيجة وليست السبب لتخلّفنا وأزماتنا. لذلك، ولأن الحراك المطلبي يرى النتيجة بدل السبب الأساسي فهو يدفع بقوة في اتجاه الداخل وتناقضاته عوضاً عن الدفع في اتجاه الانخراط في المعركة الكبرى مع الامبريالية. إنّه نضالٌ يتعامل مع البرجوازية التابعة (السلطة) بشكلٍ نمطيٍّ مستنسخٍ بمفاهيم قيمية مركزية من صنيعة الامبريالية نفسها.
قال لي أحد الرفاق في معرض النقاش: ماذا تريد، يا رفيق، أن نبقى دون تحرك أمام السياسات الحكومية الظالمة والجائرة والمستَنكرة؟ أهذا فعلاً ما تريده؟ أليس ذلك عبثياً؟
كلّا يا رفيق، ليس هذا ما أريده. أريد فقط أن يكون حراكنا من ضمن حركة الصراع الطبقي لا النضال المطلبي. أريد أن يكون اعتراضنا قوة تغيير فعلي لا حركة احتجاج غير مدركة لطبيعة الصراع.
أريد، أمام زيادة ألف ليرة على صفيحة البنزين، أن لا نعترض دوماً على هذه الزيادة ونعتبر تخفيضها، في أحسن الاحوال، إلى الخمس مئة ليرة مكسباً، بل أنْ نواجه وبشدة ودائماً نهب ثرواتنا النفطية واستخدامها في الحروب والمؤامرات علينا، بدل أن تساهمَ هذه الثروات في إنمائنا. وهذا في صلب الصراع الطبقي.
أريد بدل المطالبة برفع الضريبة على فوائد البنوك من 7 إلى 10 بالمئة كجزء من خطة "الإنقاذ" أن نعترض وبشدة على دور البنوك التآمري على الدولة والشعب والمقاومة ومشاركتها في تنفيذ التعليمات الأميركية في إحكام الحصارعلى لبنان. أريد أن يكون لنا الجرأة بالمطالبة بإلغاء الدين العام وليس فقط جدولته، وخاصةً أنّ هذا الدين هو أداة للضغط علينا من أجل الهيمنة على قرارنا واستتباعنا. هذا أيضاً في صلب الصراع الطبقي.
أريد بدل المطالبة بحقوق أساتذة التعليم الرسمي أنْ نناضلَ من أجل تحصين وتحسين التعليم الرسمي وأنْ يكونَ لنا الجرأة في المطالبة بصوتٍ مرتفع بإلغاء بعض الامتيازات التي يتمتّع بها موظفو القطاع العام ومنهم الأساتذة، كالمنح المدرسية التي تذهب إلى المدارس الخاصة. إنّ النضالَ من أجل تعزيز التعليم الرسمي الثانوي والجامعي على حساب دكاكين المدارس والجامعات الخاصة، التي هي إحدى ادوات الهيمنة الامبريالية عبر المؤسسات الدينية المرتهنة، هو جزء من الصراع الطبقي في مفهومه التحرّري الوطني.
أريد بدل المطالبة بتوزيع الريع بشكل "عادلٍ" والدفاع عن مكتسبات فئات وقطاعات اجتماعية معينة أنْ نقومَ بطرح خطة لبناء اقتصادٍ منتجٍ بديل، وأنْ يكونَ لنا الجرأة في القول إنّ فك التبعية وبناء هذا الاقتصاد المنتج غير ممكن في جغرافيا جزأها الاستعمار وفقاً لمصالحه، وزرع فيها كياناً غريباً غاصباً له دور وظيفي مانع لوحدتنا ومُحِدّاً لتقدمنا، وأنْ نضعَ البديل الذي هو النقيض المتمثّل في بناء مشروعٍ مشتركٍ جامعٍ لشعوب المنطقة.
إنّ النضال المجدي لا يمكن أن يكون إلّا عبر حركة الصراع الطبقي الذي هو حركة التحرّر الوطني وفي جغرافيا جامعة تضعنا في قلب الصراع الدائر وفي حركة التاريخ عِوَض أن نكونَ على الهامش. أهذا عبثيٌّ؟

 

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل