ثلاثية النظام والدولة والمجتمع

مثّل اتفاق الطائف زواجاً مارونياً بين برجوازية صاعدة بعد الحرب الأهلية مع أمراء الحرب والميليشيات. بهذا المعنى، فإنّ النظام السياسي اكتسب قوّته ليس من صلابة الدولة بمفهومها المركزي القويّ، بل من مدى تجذّر "الدولة العميقة" فيه. لطالما كان كيان الدولة في لبنان ضعيفاً وهشّاً أي منذ إعلان دولة لبنان الكبير وحتى تاريخ ولادة الجمهورية الثانية.

شكلّت الطوائف العمق المادي للدولة، وقامت مؤسساتها بلعب دور رمزي في اصطناع شكلٍ وجوديّ لها. الدولة في لبنان تشكلّت على دفعات، من نظام القائمقاميتين مروراً بمتصرفية جبل لبنان وليس انتهاءً بدولة لبنان الكبير. الدولة في لبنان مستلبة لصالح نظامٍ هو أقوى منها. هذا النظام ابتلع الدولة لأنه يعتبر فائض قوّتها فكان أن ضمّ وعاءً كبيراً احتوى على عددٍ من المؤسسات الموازية، كالمؤسسات التربوية والاجتماعية والإعلامية التابعة للطوائف، بالإضافة إلى حيتان المال والذي يضمّ طيفاً واسعاً من كبار المصرفيين، كبار الإداريين، أصحاب الاحتكارات، الشركات العقارية، ... إلخ. الدولة هنا بمفهومها الدستوري والمؤسّساتي تكاد تختصر صورتها بمؤسّسات عامة رسمية ليس إلاّ. الدولة في لبنان لا هيبة لها ليس لأنّ المواطن يساهم في تغذية هكذا شعور إنّما بسبب قوّة النظام بالمقارنة مع قوّتها. لا داعيَ لمحاججة أحد أنّ هيبة الدولة في لبنان مفقودة من شرطي المرور وصولاً إلى أرفع قاضٍ في السلطة القضائية. إذاً، وإذا كان النظام في لبنان قد ابتلع الدولة فما كان من الدولة بالتالي إلّا أنْ جوّفت المجتمع.

ونقصد بالمجتمع هنا "المجتمع المدني"، وقواه الحيّة كالأحزاب والنقابات والمنظّمات الطلابية والشبابية والجمعيات. أفرغت الدولة الأحزاب من خطابها السياسي وأضحت أحزاباً طائفية - مذهبية شكلّت استمراراً للحرب الأهلية وموروثاتها فاختفى معها أيّ أثر لحياة سياسية سليمة. الانقضاض على الحركة النقابية كان مطلب قوى السلطة في مرحلة ما بعد الطائف إذ أنّ هذه المساحة كانت المساحة الوحيدة للعمل المطلبيّ بعد انتهاء الحرب الأهلية. فسيطرت الدولة على الاتحاد العمالي العام عبر تفريخ نقابات وهمية وأنشأت اتحادات نقابية عديدة للسيطرة على المكتب التنفيذي للاتحاد واستطاعت تطويعه بالكامل عام ١٩٩٧. أمّا بالنسبة إلى الحركة الطلابية، فإنّ ضرب الجامعة اللبنانية خلال حقبة ما بعد الطائف وإلغاء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية - الذي كان إطاراً نقابياً لعب دوراً طليعياً في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي- صبّ في تذويب الحركة الطلابية العابرة للطوائف والمناطق التي استطاعت أن تفرض واقعاً سياسياً مغايراً طبع المشهد السياسي خلال تلك الحقبة.

غير أن هذا الواقع قد بدأ يتغيّر بالفعل لأنّ انتفاضة ١٧ تشرين الأوّل قد فتحت الأفق أمام ولادة أطر سياسية ونقابية وإعلامية وثقافية عديدة. على المستوى النقابي، ولد في رحم الانتفاضة "تجمع مهنيين ومهنيات" وهو تجمع يضمّ أفراداً يعملون في قطاعات الصحة والهندسة والتعليم والمحاماة والصحافة والثقافة والفنون. إضافة إلى ذلك، برزت مساعٍ لإنشاء نقابة للصحافة البديلة وإطار تنسيقي للعاملين في المنظّمات غير الحكومية. الجدير ذكره أنّ الواقع النقابي شهد عام ٢٠١٨ تأسيس نقابة العلوم المعلوماتية التي استطاعت ترسيخ اسمها بفعل جهود فردية مضنية من قبل عدد من العاملين في هذا المجال. على المستوى الثقافي والإعلامي، برزت مطبوعتان تعكسان روح الانتفاضة وديناميتها العديدة، إحداهما صحيفة "١٧ تشرين" التي يعتزم مؤسّسوها إصدارها شهريّاً، ومطبوعة أخرى متخصّصة بالشّعر أُطلِق عليها اسم "نيزك". على المستوى السياسي، أعادت الانتفاضة تنشيط مجموعات سياسية كانت موجودة سابقاً وولدت في خضمّها أيضاً مجموعات طلابية وسياسية جديدة وإن كان من غير المستبعد أيضاً أن يُصار إلى تأسيس أحزاب سياسية جديدة تكون بديلاً للحياة السياسية المستلبة والمسروقة، فالتغيير السياسي هو بالضرورة ما تصبو إليه هذه الانتفاضة ولن يتحقّق إلّا بأدوات سياسية واضحة.

هذه الانتفاضة بحراكها المستمر تحمل في طيّاتها بُعديْن. البعد الأوّل يكمن في بناء الوعي والثاني استعادة الحيّز العام. هي انتفاضة على المنظومة القيمية التي جذّرها النظام بفعل قنوات وآليات ومؤسسات عديدة، وكما أن الانتفاضة هي فعلٌ تأسيسي، فهي بهذا المعنى تؤسّس للهدم في المنظومة القيمية بهدف استبدالها بمنظومة أخرى. البعد الثاني متعلقٌ حكماً بالأول، وهو استعادة الحيّز العام، وليس المقصود منه فقط الواقع المكاني والجغرافي ولا السياسة بمفهومها التقليدي- الكلاسيكي، بل استعادة "السياسة" بمفهومها المرتبط بالاجتماع والاقتصاد والثقافة، بما هي بنى تحتية للوعي المرتبط فيها. وهذا سيكون حتماً عبر استيلاد آليات وأطر ومنابر كفيلة بأنْ تُستردّ من خلالها الحياة السياسية ومعها مجمل الخطاب السياسي، فالمعركة الأولى المتمثّلة بـ"بناء الوعي" ضرورةٌ حتماً للعبور نحو المعركة الثانية "استعادة الحيّز العام". هي انتفاضة بمضامين جذرية عديدة وإنْ كنّا لا نستطيع تلمّس أثرها الاجتماعي الآن، إلّا أننا سنلمسها على المدى البعيد.

تأسيساً على ما تقدّم، وإذا كان مقالنا يحاجج بأنّ النظام ابتلع الدولة، وأنّ الدولة بالتالي جوّفت المجتمع فإنّ انتفاضة ١٧ تشرين ستعيد إحياء المجتمع لكي يستعيد فعاليّته. وبعد استعادة عافية المجتمع، سيُتاح المجال نحو استعادة الدولة. وبعد استعادة الدولة، تُشرّع الأبواب لتغيير النظام. أعتقد أنه وعبر هذه الآلية وبواسطة هذه الدينامية، سيتحقّق شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". هي معركة مستمرّة إذاً لاستعادة المجتمع والدولة بوصفهما كيانيْن يقعان جوهريّاً في صلب النظام المُراد تغييره بدل كونهما الآن مُبتلعيْن من قبل النظام.

أخيراً، ستفتح انتفاضة ١٧ تشرين الأفق نحو ولادة مجتمع جديد وهذا ما سيؤسّس حتماً لتغيير جذري يطال القيم والمفاهيم والممارسات وسيُعبّر عنه من خلال ولادة أطر وتجمّعات جديدة. هنا سيمارس القطع مع الماضي وتالياً يصبح التمسّك بثلاثية المجتمع والدولة والنظام ضروريّاً لإسقاط النظام!

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 370
`


عطالله السليم