حِلْفُ الأكاذيب

0
0
0
s2smodern

تَسْتَخْدِمُ الصّحافةُ البرجوازيّةُ، بشكلٍ دائمٍ وفي كلِّ البُلْدان، أسلوباً شائعاً شديدَ الفعاليّةِ هوَ الكذبُ المُسْتَمِرُّ والصُّراخُ وإثارةُ الجَلَبِةِ وتكرارُ الإشاعات، مَدفوعينَ بالإيمانِ بأنَّ ”الكِذْبَةَ الّتي يتمُّ تكرارُها تُصبحُ حقيقةً“.


في هذا السّياق، كَتَبَتْ صحيفةُ ريتْش ”لينين يُثيرُ ضجّةً كبيرةً في قصر كْشِسينْسْكايا“. وكَتَبَتْ صحفٌ أُخرى ”لينين يَخْطِبُ منْ سَطْحِ قَصْرِ المودِرْن“.
هذهِ الأخبارُ عاريةٌ عنِ الصِّحَّة. إذْ أنّني لمْ أَحْضَرِ اجْتِماعَ قصرِ المودِرْن ولمْ أُحْدِثْ أيَّ ضَجَّةٍ، بلْ أدْلَيْتُ ببيانٍ وحيدٍ في جَمْعٍ مِنَ البولْشيڤيك والمينْشيڤيك، ونَشَرْتُ مقالاتٍ قصيرةً في صحيفةِ پْراڤْد.
والواقعُ أنَّ الرّأسماليّينَ والصّحافةَ الرّأسماليّةَ هُمُ المُثيرونَ للضَّوْضَاءِ بِهدفِ إخْمادِ الحقيقة، وذلكَ لِحَجْبِها عنِ الأسماعِ وإغْراقِها بِسَيْلٍ منَ الطَّعْنِ والسُّخْرِيَةِ والتَّهْويلِ لوَضْعِ العَوائِقِ أمامَ المُحاولاتِ الجادَّةِ لتَوْضيحِ الحقائقِ والوَقائِع.
يَخْتَصِرُ هذا الأسلوبُ المُشَوِّهُ للحقائقِ جُهودَ الرّأسماليّينَ في هذهِ اللّحظة، تُضافُ إليها جهودُ ”الاشْتِراكيّينَ“ المَزْعومينَ الّذينَ انْتَقَلوا كُلِّياً إلى صَفِّ الرّأسماليّة، كأمْثالِ السّيدِ پْليخانوڤ.
واليومَ، انْفَجَرَتْ صَحيفةُ ”ريتْش“ بِعُنْفٍ ضِدَّ ما أَسْمَتْهُ "التَّبْشيرَ بالفَوْضى" في مَقالِها الافْتِتاحيِّ ذي الأهمّيةِ الوطنيّةِ العاليَة. ولا يَخْفى على مَنْ يَتَفَكَّرُ بِمَا قَرَأَ أو سَمِعَ أنَّ الصَّحيفةَ ضَحَدَتْ مَزاعِمَها ووَقَعَتْ في التَّناقُضِ والتَّشْويشِ أَثْناءَ ذلك. جاءَ في المَقالِ أنَّ ”الثَّوْرةَ العَظيمةَ جَرَفَتْ كُلَّ مُؤَسَّساتِ السُّلْطةِ القديمة…“ وهوَ أمْرٌ عارٍ عنِ الصِّحَّة، إذْ إنَّ الثّورةَ تَتَّكِلُ في سَعْيِها لاسْتِعادَةِ السُّلْطَةِ على تَغْييرِ النَّفْسِيَّةِ القَوْميّةِ (بالمعْنى الواسعِ للكلمةِ)، أو بالأحْرى عبرَ ”النّفسيّةِ الجديدةِ“ الّتي تُقِرُّ بالحاجةِ إلى السُّلْطَةِ وبواجبِ الخُضوعِ لها.
يَنْفَضِحُ أمامَنا إذاً ”حِلْفُ الأكاذيب“، وهوَ حِلْفٌ مُبْرَمٌ بينَ فريقَيْن: الفريقُ الأوَّلُ همُ الرّأسماليون، والفريقُ الثّاني هُم پْليخانوڤ وتْشيريڤانين وشُرَكاؤهُمُ المُلَعْلِعونَ ضِدَّ الفَوْضَوِيَّة.
تُنادي الفوضويّةُ برفضِ الدَّوْلةِ خلالَ المرحلةِ الانْتِقاليَّةِ منَ الرّأسماليّةِ إلى الاشْتِراكِيَّة، وهوَ أمرٌ مُسَلَّمٌ بهِ في الأوْساطِ الجَدَلِيَّةِ العِلْمِيَّة. وتُؤدّي هذهِ ”الاشْتراكيّة الفَوْضَوِيّةُ“ إلى تَلاشي الدّولةِ واضْمِحْلالها، وهوَ ما يَتَناقَضُ معَ الأهَمِّيَّةِ المِحْوَرِيَّةِ للدّولةِ في العقيدةِ الماركسيّة، وهيَ حقيقةٌ يَعْرفُها ميلْيُوكوڤ و پْليخانوڤ وتْشيريڤانين وشُركاؤهُمْ في الأكاذيب.
هَلْ نُنْكِرُ - أنا والپْراڤْديّونَ- الحاجةَ إلى الدّولةِ في الوقتِ الرّاهن؟ هلْ نُنْكِرُ الحاجةَ إلى ”مُؤَسَّساتِ السُّلْطَةِ“ وواجِبِ الخُضوعِ لَها؟ الجَوابُ هوَ لا، وهوَ ما يَعِيهِ كُلُّ مَنْ يَعْرفُ سِياساتِنا بِاسْتِثْناءِ ”حِلْفِ الأكاذيب“. فنحنُ أعْلنّا وكرَّرْنا بوضوحٍ شديدٍ ودونَ تَحَفُّظٍ أنّنا نُدْركُ الحَاجةَ إلى الدّولةِ ومُؤَسَّساتِ السُّلْطَة، وهيَ لَيْسَتْ حاجةً آنِيَّةً فَقطْ بَلْ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ أيضاً، أعْني المَرْحَلةَ الانْتِقاليَّةَ الّتي سَتُحْدِثُ النَّقْلةَ منَ الرّأسماليّة إلى الشّيوعيّة. هذا ما يَسْتَشْرِسُ في إنْكارِهِ ”حِلْفُ الأكاذيب“، أو يَتَعامَى عَنْهُ على أحْسَنِ تَقْدير.
بِالتّالي، إنَّ السُّؤالَ السَّليمَ المَبْنِيَّ على طَرْحٍ حَقيقيٍّ، لا على طُروحاتِ الأسْئلةِ المُضَـلِّـلَةِ السّابقة، هوَ: ما هيَ الرُّؤْيةُ الّتي نَقْترحُها نحنُ للأمّةِ حول مؤسّساتِ السُّلطة؟
إنَّ الطَّرْحَ الّذي نُقَــدِّمُه حوْلَ طبيعةِ مُؤسَّساتِ السُّلطةِ مُناقضٌ لطبيعتِها القديمةِ المُتَشَكِّلةِ منَ الشُّرْطَةِ والبيروقْراطِيَّةِ والجَيْشِ العاملِ (أيِ العَسْكرِ الّذينَ يُمارِسونَ الجُنْديّةَ كمهنةٍ دائمةٍ)، إنّهُ طَرْحٌ لطبيعةٍ جديدةٍ لمُؤسّساتِ سُلْطةٍ تقومُ على سُوڤْييتاتِ العُمّالِ والجُنودِ والفلّاحينَ وغيرهِمْ منَ القُوى المُنْتِجَة بجميعِ أشْكالها.
ولقدْ شَهِدْنا على أرْضِ الواقعِ وِلادَةَ بعضِ هذهِ السُّوڤْييتاتِ منْ رَحِمِ الثّورة. وهيَ كائِناتٌ اعْتِبارِيّةٌ أضْحَتْ مَعْروفةً للجميع، حتّى للحُكومةِ المُؤَقَّتّةِ الرّأسماليّة. ونَحْنُ أعْلَنّا بِوُضوحٍ بالغٍ أنَّ هذهِ السُّوڤْييتاتِ هيَ الطَّرْحُ الوحيدُ المُمْكنُ لأيِّ حُكومَةٍ ثَوْريَّة.
فَهَلْ مِنَ المُمْكنِ أنْ تُسْعفَ الكلماتُ في تَوْضيحِ رُؤْيَتِنا أكْثرَ منْ ذلك؟
وَبِما أنَّ هذهِ السُّوڤْييتاتِ هيَ الطَّرْحُ الوحيدُ المُمْكِن، يَتَوَجَّبُ عَلَيْنا إذاً اسْتِخْدامُ الدَّعايةِ وَحْدَها في العَمَل، إلّا في حالِ بَدَأَ طَرَفٌ بِمُمارَسَةِ العُنْفِ على الجَماهير.
ولَمْ يَتَوَقَّفِ الأمْرُ بالپْرافْدِيِّينَ عِنْدَ حُدودِ الإقْرارِ مِراراً بالحاجَةِ إلى السُّلطةِ وبواجِبِ الخُضوعِ لَها، بَلْ تَجاوَزُوها ليَبْدَأوا بِوَعْظِ النَّاسِ وتَنْويرِهِم.
يُمارسُ المِيلْيُوكوڤِيُّونَ والپْليخانوڤِيُّونَ والتّْشيريڤانِيُّونَ وشُركاؤهمُ الكَذِبَ ليَمْنعوا الحقيقةَ عَنِ النّاس؛ يَكْذِبونَ ليَحْجُبوا جَوْهَرَ المَسْألةِ عنِ الطّابعِ الطَّبَقِيِّ لأيِّ شَكْلٍ مُمْكنٍ لِمُؤسّساتِ السُّلطة. هذا هوَ لُبُّ القَضِيّة.
ويُطْلِقُ الرّأسماليّونَ اسمَ ”الفَوْضَوِيَّةِ“ على هذهِ الطّبيعةِ الجَديدةِ لمُؤسّساتِ السُّلْطةِ القَائِمَةِ على السُّوڤْييتات، قاصِدِينَ بذلك تَزْيِيفَ الحقيقةِ والتَّدْليسَ على النّاسِ لتَضْليلِهِم. ذلكَ أنَّ هذهِ المُؤسّساتِ الجَديدةَ لا تُسَلِّمُ النّاسَ للعُبودِيَّةِ الرّأسماليّةِ سَلَفاً ودُونَ قَيْدٍ أو شَرْط، بَلْ تُوَفِّرُ للنّاسِ الحُرِّيَّةَ والنِّظامَ جَنْباً إلى جَنْبٍ، مَعَ إمْكانِيَّةِ الانْتِقالِ السِّلْمِيِّ والتَّدْريجِيِّ إلى الاشْتِراكيَّة.
هذا هُوَ تَحْديداً ما يُثيرُ انْزِعاجَ وامْتِعاضَ وسَخَطَ وغَيْظَ الرّأسماليّين. فمِنْ هُنا نَشَأ ”حِلْفُ الأكاذيب“، ومنْ هُنا يُصْبِحُ سَيْلُ الافْتِراءاتِ والتَّشْهيرِ والقَدْحِ مَقْروءاً ومَفْهوماً.
ومنْ هُنا، يُمْكِنُ فَهْمُ المُتاجَرَةِ الخَادِعَةِ بالشَّغَبِ والّتي لَجَأتْ إليها صَحيفَةُ ريتْش في مَقالِها الافْتِتاحِيِّ المَذْكورِ أعْلاه، فيما أسْمَتْهُ ”العَمَلَ المُضادَّ“ لمُواجَهَةِ ”السَّلْبيّةِ واللّامُبالاة“، وهَلُمَّ جَرّا.
إذا كانَتْ أغْلَبِيّةُ الأُمَّةِ في صَفِّنا، وكانَ حِلْفُنا مَعَ السُّوڤْييتاتِ حِلْفاً مَتيناً ودَائِماً (ونحنُ نَعْتَرِفُ صَراحةً أنَّ أغْلَبِيّةَ السُّوڤْييتاتِ لَيْستْ في صَفِّنا حاليّاً)، فَعَلامَ تَكْذبونَ يا سادَة، ومِمَّ تَخافون؟
إنَّ مَطْلبَنا الوَحيدَ هُوَ أنْ نُوَضِّحَ للعُمّالِ والفلّاحينَ الفُقَراءِ أخْطاءَ تَكْتيكاتِهِم. ونحنُ نَعْتَرِفُ بأنَّ هذهِ السُّوڤْييتاتِ هيَ الشَّكْلُ الوحيدُ المُمْكِنُ للسُّلْطَة، ونُدافِعُ في سبيلِ ذلكَ عنِ الحاجةِ إلى السّلطةِ وواجِبِ الخُضوعِ لها.
مِمّا أنْتُمْ خائفونَ إذاً؟ ولماذا تَكْذبون؟
أنْتُمْ تَخْشونَ الحقيقةَ وتَكْذِبونَ لمَنْعِها منَ الانْبِثاقِ إلى العَلَنِ والوُصولِ إلى النَّاسِ عَبْرَ المُتاجَرَةِ الرَّخِيصَةِ بالشَّغَبِ والافْتِراء المُسْتمرّ، وعَبْرَ العُنْفِ والفَلَتان.
أصْبَحَ كلُّ هذا واضِحاً، حتّى أنَّ بَعْضَ خُصومِنا اعْتَرَفَ بِه. إقْرأوا عَدَدَ اليَوْمِ مِنْ دْيِيلو نَارودا، جَرِيدةِ ”الاشْتِراكيّينَ الثَّوْرِيّينَ“ الّتي يَكْتُبُ فيها الوزيرُ كيرِنْسْكي. تَقولُ الجَريدةُ عَنِ پْليخانوڤ، وهُوَ الحَليفُ الوفيُّ لِصحيفتَي روسْكا ڤولا وريتْش، ما يَلي: ”لَقَدِ اعْتَدْنا على قِراءَةِ هذهِ الكلماتِ ورُؤيةِ هذهِ الطّريقةِ النِّضاليَّةِ في عَواميدِ جَريدةِ روسْكا ڤولا. غَيْرَ أنَّ التَّأمُّلَ في هذهِ الكلماتِ والطّريقةِ النِّضاليَّةِ في مَقالاتِ الاشْتِراكيِّينَ هُوَ أمْرٌ مُؤْلِمٌ ومُحْبِط“.
هذا ما كَتَبَهُ خَصومُنا. وهذا مَا يَقُولُهُ الدّيمقراطيّونَ الصَّحيحونَ الّذينَ اسْتَيْقَظَ وَعْيُهُمُ الدّيمقراطيّ.
إنَّ أيَّ مُحاولَةٍ لإثارةِ الشُّعورِ بالخَجَلِ لدى الميلْيُوكوڤِيِّينَ والپْليخانوڤِيِّينَ والتّْشيريڤانِيِّينَ هيَ ضَرْبٌ مِنَ العَبَثِ وسَعْيٌ للمُحال. لكنْ عندما تَسْتَديرُ جريدةٌ كدْيِيلو نارودا الّتي يُساهِمُ فيها الوزيرُ كيرِنْسْكي قَرَفاً منِ اسْتِخْدامِ پْليخانوڤْ لِهذهِ الأساليبِ الشُّوڤينِيّةِ المَجْنونةِ والافْتِراءاتِ الشَّائِنَةِ والمُتاجَرَةِ الرَّخيصَةِ بالشَّغَب، يَحِقُّ لنا عندها أنْ نَقولَ باطْمِئْنانٍ: إنَّ أبْطالَ هذهِ الأساليبِ هُمْ مَوْتَى.

ڤلاديمير لينين
ترجمة: غيث حمّود

 

  • العدد رقم: 323
`


غيث حمّود