من يتحمّل مسؤولية إضراب الأساتذة؟

0
0
0
s2smodern

 خمسة عشر يوماً من إضراب رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية، والذي على إثرهم توقف التدريس لحوالي ٧٠ الف طالب، كانوا كافيين لإعادة لفت الأنظار لقضية وحال الجامعة الوطنية اليوم وتصويب البوصلة نحوها، فما حيثيات هذا الا٦ضراب؟ وكيف نحكم عليه؟


نظرة عامة
أعلنتْ رابطةُ الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية إضرابها لأسبوعٍ بعد نهاية عطلة الفصح استنكاراً لسياسات السلطة التي تديرُ الأذنَ الصمّاءَ لحقوق ومطالب الأساتذة، كما هدّدت الرابطة بالتصعيد، وبالفعل فقد استكملت الرابطة إضرابَها لأسبوع آخر من بداية الاثنين ١٦ نيسان حتى٢٣ نيسان، مع احتمال ان يدخلَ الإضراب اسبوعَه الثالثَ في حالِ عدمِ استجابة السلطة لمطالبهم .
فما هي مطالبُ الأساتذة؟ ولماذا لجأتِ الرابطةُ الى الإضراب؟
اولاً، لا شكّ ان سياسةَ الدولة في تقليص نفقات القطاع العام هي الفتيلُ الأساسي، لذا ظهورُ خطةِ توحيدِ الصناديق الضامنة ومنها صندوقُ التعاضدِ للأساتذةِ المتعاقدين ليس خارجاً عن الإطار نفسِه، فهذه الخطةُ لا تقولُ بتوحيد الصناديق الضامنة على تقديمات الصندوقِ الأفضل، بل على تقديمات صناديق تقديماتها هي دون مستوى تقديماتِ الأساتذة المتفرغين مثلاً أو القضاة (تعاونية موظفي الدولة)، هذه كانت النقطةُ الأساسية للخلافِ.
ثانياً، بعد إقرارِ السلسلة في القطاع العام، تقدّمت وضعية موظفي الفئةِ الأولى، على وضعية الأساتذة المتفرغين بشكل كبير، في حين أن وضعيةَ الأساتذة المتفرّغين وراتبَهم تاريخياً في السلم الوظيفي كانوا الأفضل ولم يتقدمِ القضاةُ عليهم إلا مع إقرار سلسلَتهم سنة 1996، استمر إهمال الأساتذة المتفرّغين من قبل السلطةِ حتى بلغ ذروتَه عام 2011 مع إستثنائهم بداية من السلسلة، ثم بعد الإضراب دام شهراً والضغط على السلطة، أقرّت سلسلتهم لكن الهوة بين رواتبِهم ودرجاتِهم وتلك للقضاة ما برحت تتعمقُ أكثر وأكثر، فبعد وعودِ السلطةِ الكاذبة بأن أي زيادةٍ على رواتب أو درجات القضاة وموظفين الفئة الأولى ستقابلُ بالمثل عند الأساتذةِ، زادت درجاتُ القضاة ثلاثَ درجاتٍ وأصبح الفارق بالراتب حوالي المليون ليرة وما فوق، هذه الأسباب الأساسية ويوجد غيرُها من الأسبابِ الثانوية، أدّت الى تفجّرِ الأمور والإتجاهِ إلى الإضراب.
مواقفٌ وآراء
يرى الأساتذة "ان صندوقَ التعاضد الذي حاولت الدولة المساسَ به ليس سوى نتيجةٍ من نتائج نضالنا، والحفاظُ عليه هو واجبُنا في الحفاظ على مكتسباتِنا النضالية "، يؤكد د.طنوس شلهوب، استاذٌ متفرّغ في كلية الهندسة الفرع الثاني، ويستطرد ''صحيحٌ أن رواتبَنا تحسّنت بشكل جيد إثر السلسلة، لكن هذا لم يأتِ بلا مقابل كما حصل مع غير موظفين انما زاد ايضاً نصابَ ساعاتِنا التعليمية، كما إن إصرارَنا على حقوقنا لا ينحصرُ في المسألة المادية، إنما وضعيةُ الأستاذ الجامعي وسطَ تجاهلِ السلطة له وللجامعة اللبنانية، وهذا لا يعني ان الرابطةَ منزّهةٌ فتركيبتُها تشبه تركييةَ النظام اللبناني، الاستكانةُ مثلاً إلى وعود السلطةِ من قبل الرابطة كانت خطيئةً، ومن أسبابِ وصولِنا إلى ما نحنُ عليه اليوم، لكن كلَ الأساتذة يدركون اليوم ضرورةَ الإلتزام بقرارات الرابطة كأداة نقابية متبقاةٍ لنضالنا رغم مختلفِ الضغوطات''.
وتضيف د.وفاء نون، استاذةٌ محاضرة في الفيزياء كلية العلوم الفرع الأول، ان "لا مشكلةَ لدينا أن توحّدَ الدولةُ صناديقَ الضمان في صندوق واحد (كتعاونية موظفي الدولة) شرطَ ان ترفع تقديمات الصندوق المذكور ليحصل الجميع على التقديمات عينها، الأمر ليس مادياً وحسب كما ترى، بل إنه استهتارٌ السلطة وإستهتار ذوي الحقوق بحقوقهم، من العيب ان ننسى كيف نتظاهر... من العيب ان لا نقدّر من أعطى لجامعتنا وقضيتِها حياتَه...!!؟ واردفت بإعطاء أمثلةٍ: ان الراحلَ حسن مشرفية علمٌ من اعلام الجامعة والوطن، فهل بكثيرٍ على تضحياته ان تحمل كليتُنا اسمَه او اقله مبنىً من مبانينا.
واختتمت مؤكدةً على أهمية التحامِ الأساتذة والطلاب في جسمٍ نضالي واحد.
تتباينُ آراءُ الدكاترة بعضَ الشيءِ حول المسألة وفعالية الإضراب، والبعضُ يريد ان يقصي الطلابَ عن دورهِم معتبراً أن لا دخلَ لهم في مسائل كالمناهجِ ورواتبِ الأساتذة وغيرها من الأمور، لكن التلاقي في النقاط المطلبية بينهم سيّدُ الموقف.
فيما مواقفُ الطلابُ مختلفةٌ، منهم من يدعم الإضراب ، معتبراً أنه الوسيلةُ الوحيدةُ المتاحةُ للضغطِ على السلطةِ لاعطاءِ الحقوقِ لأصحابها، مؤكدين أن استهدافَ ا٦لاساتذةِ هو استهدافٌ للجامعة ضمن سياساتِ ضرب القطاع الرسمي لصالح القطاع الخاص، وان الجامعةَ اللبنانية لم تُنشئ إلا تحت ضغطِ الاضراباتِ وتظاهرات الطلاب والأساتذة معاً، واعتبار أن السلطةَ اعتادت أن تلجأَ إلى سياسة ضرب اصحاب الحقوق ببعضهم البعض. ومنهم شريحةٌ تندّدُ بالاضراب، وتعتبرُ انهم الضحيةُ الوحيدة في هذا الإضراب، وعلى الأساتذة اللجوءُ إلى وسائلَ اخرى لتحقيق مطالبِهم.

بين الأمس واليوم
للاضراباتِ في الجامعة اللبنانية تاريخٌ سابقٌ، لذا كان لا بدّ من الإشارة إلى هذا ا٦لامر بشكل موجز، ففي السنة الأولى فقط لإنشاءِ دار المعلمين العليا، أي نواةُ الجامعة اللبنانية، شهد هذا الأخير حوالي الثمانية عشر إضراباً، منذ ذلك الحين قليلةٌ هي السنواتُ الدراسيةُ التي لم تشهد إضراباتٍ، أهمها إضراب شباط 1962 حتى بداية تراجع العمل السياسي بعامّ، والطلابي بخاصة إبّان التسعينيات ( الطلابي منذ بداية الحرب)، فالتضامنُ الواسعُ من قبلِ الأساتذة الذي كان يشهدُه الطلابُ في الأمس قليلاً ما نلمسه اليوم ، كما وان تحركاتِ الطلاب تضاءلت.
القضاءُ على الاتحاد الوطني لطلبةِ الجامعة اللبنانية خيرُ دليلٍ على تراجعِ العمل الطلابي، وهذا الاتحادُ وغيرُه من الهيئاتِ كانت تتشكلُ بأغلبيتِها من المستقلين (الأمس)، اما المجالسُ الطلابيةُ اليومَ فهي مرتبطةٌ بالأحزابِ التي تتحاصصُ الجامعةَ، وهذا عائقٌ آخر أمام العملِ الطلابيِ في ظلّ الوعي السائد اجتماعياً الذي يؤثر ويتأثر بالطلاب والأساتذة، لكونهم بالنهاية غير معزولين عن المجتمع ووعيِه السائد.

وعليه، فإن ازمةَ الجامعةِ اللبنانيةِ هي ازمةُ النظامِ اللبناني وتاريخُ تطورِ ازماتِ الجامعةِ هو تاريخُ تطورِ ازمة النظام و قضيةُ التفريع هي مثالٌ على ذلك. ان الجامعةَ اليوم تواجه تحدياتٍ كبيرة، ودعمُ الجامعةِ هو واجبُ كلُ لبنانيٍ وليس فقط الطلابُ من حيث هي صرحٌ وطني، وتكاتف الطلاب جميعاً من الجامعات الخاصة والجامعة اللبنانية اساسٌ في العمل والضغط على السلطة للمصلحةِ العامة، وهنا لا بد من تذكر وتوجيه تحيةٍ للشهيد فرج الله حنين اولُ شهيدٍ لانشاء الجامعةِ اللبنانية والذي كان طالباً في اليسوعية.
اخيرا على الطلابِ والاساتذة بما فيهم رابطة الاساتذة المتفرغين وضعُ خطةِ عملٍ واضحة وصريحة تتحدد فيها الخطواتُ اللاحقة لكي تغدو الامورُ اكثر وضوحا على الجميع، بما فيه من مصلحةِ الاساتذة والطلاب.

  • العدد رقم: 335
`


سراج المصري