عن تلك القلّة التي تنهبنا

0
0
0
s2smodern

 لا شيءَ في لبنان يستند إلى الأرقام والبيانات العلمية (data)، ففي مثل هذا البلد القائم على الادعاءات والمزايدات، وفي كثير من الأحيان على كذب السلطة الحاكمة المنظم، تصبح تعابير ومصطلحات مثل وصفه بأنه "سويسرا الشرق"، ونظامه ب"المعجزة الاقتصادية" والحديث عن "الذكاء اللبناني الخارق"، مقولات لا يمكن لها ان تتعايش مع وقائع وحقائق البيانات العلمية. وبإمكان تلك الأرقام ان تفضح، بمجرد مراجعتها، زيف وكذب النظام الحاكم في لبنان.


في آواخر ستينيات القرن الماضي، بدأ الحزب الشيوعي اللبناني باستخدام مصطلح "الطغمة المالية" بشكل مكثّف. وكان يرافق هذا المصطلح تعبير أكثر شعبية هو "حيتان المال". ويمكن القول أن أحد أهم منجزات المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني كانت في حسمه للنقاش الفكري حول طبيعة النمط الاقتصادي السائد في لبنان: هل هو رأسمالي أم شيء سابق على الرأسمالية؟ فكان الحسم لجهة أنه نظام رأسمالي. وكان للشهيد مهدي عامل دور كبير في توضيح معالم هذا النظام على أكثر من صعيد، فاعتمد مصطلح "النظام الكولونيالي" للتدليل على الدور التبعي الذي يلعبه هذا النظام سياسيا واقتصاديا، وما يتبع ذلك من مستويات أخرى.
أهمية هذا الحسم كانت في أنه أزال وهماً ايديولوجيا كانت السلطة القائمة تحاول إشاعته للتشويش على انتاج ادوات مواجهتها فكرياً وسياسياً واقتصاديا. بمعنى آخر، ان لم تتمكن من تشخيص المرض بشكل صحيح فلن تتمكن من علاج المريض. والأصعب من ذلك، ان حصلت على معطيات وتحاليل لا تعكس حقيقة الحالة، فهذا سيؤدّي الى مأساة، وربما إلى موت المريض لا شفاءه.
في النضال، يمكن ان تكون نتيجة التشخيص غير الدقيق إفشال عملية التغيير، أو تأخيرها، وفي كلتيْ الحالتين المستفيد هو النظام الحاكم. لذا فإن عملية التشويش وإخفاء المعطيات الحقيقية، ترتبط ارتباطا وثيقا بنظام في سدة السلطة، فاشل لكنه يسعى إلى تأبيد حكمه بما يعاكس طبيعة التطور الطبيعي. أي انه نظام لايستحق الحياة لأنه يعتبر معوّقاً لتطور المجتمع.
أدوات الصراع الايديولوجي هذه كثيرة. فالسلطة تعمد إلى تجهيل المجتمع وحجب المعطيات وتسطيح الوعي. وفي بلد كلبنان مثلاً، يمكنك ملاحظة هذه الأمور بمجرد متابعة البرامج المسائية على الشاشات اللبنانية التي تتراوح بمعظمها بين الفضائحي والسخيف. والنوعان مستتران بعناوين "سياسية" تارة، وترفيهية (ذات مضامين جنسية غالبا) تارة أخرى. الى جانب بث الشعارات الفارغة الممجوجة حول "لبنان المعجزة"، والتي تقارب في كثير من الأحيان الدعاية العنصرية.
والعنصرية ليست خطأ وقع فيه هؤلاء. انها سياسة. حيث أن النظام يعمل على رفع مستوى الخطاب العنصري او الطائفي عندما تصبح أدواته الدعائية الاخرى عاجزة عن إخفاء حقيقة الفشل والتخلّف -اللذان هما صفتا "سياساته" إن صح التعبير. سياسات تنعكس نتائجها بطالة وهجرة وفقرا، وجهلا، في ظل غياب فاضح لأبسط مقوّمات الحياة الحديثة من كهرباء وطبابة ونقل مشترك.
هكذا، لا يكون امام السلطة ٥الا ان تخترع عدواً تلهي به الناس وتبعدهم عن التدقيق وعن التفكّر. وعادة ما تكون الحروب الداخلية خيار السلطة ومنقذها: "فألف مرة حرب أهلية، ولا مرة تغيير نظام"...!! وما ان تنتهي تلك الحروب، أكبيرة كانت أم صغيرة، حتى تعود السلطة نفسها للحكم، والنظام نفسه لقمع تطور البلد.
لكن السلطة لا يمكنها ان تخفي الحقيقة دائما، وإن كان بامكانها فعل ذلك، فإلى حين، وسرعان (بمقياس التاريخ علي الأقل) ما سيكتشف الناس ماهية الصراع الحقيقي، وتدخل مرحلة التغيير في طور أعلى واسرع.
هذا التوصيف الذي قد تظنون انه "مثالي"هو تقريبا ما انتجه وعي فئة واسعة من اللبنانيين لحقيقة الصراع في اوائل سبعينيات القرن الماضي. فما كان من السلطة إلا ان انتجت حرباً داخلية، انتهت بالتجديد لهذا النظام على جثث مئات آلاف اللبنانيين. وهم لا يزالون يحكموننا إلى اليوم.
من يستفيد من النظام؟
بالعودة الى الأرقام العلمية، صدرت في أيلول الماضي ورقة بحثية، اعدّتها الباحثة "ليديا أسود"، بعنوان "إعادة التفكير في المعجزة الاقتصادية اللبنانية/ التركز الشديد للدخل والثروة في لبنان".
أشرف على هذه الدراسة واحد من أهم الباحثين الذين يعملون في مجال "عدم المساواة في الدخل"، الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي. لقد أصدر الرجل سنة 2013 كتاب "رأس المال في القرن الواحد والعشرين"، والذي يعتبر مرجعاً مهماً جدا في هذا المجال، أمّن هذا العمل قاعدة بيانات ضخمة، يمكن من خلالها تعويض التغييب القسري للداتا الذي تقوم به الأنظمة. وخرجت الباحثة "أسود" من دراستها بإستنتاجات مهمة، تعتبر تدليلاً على كل ما قلناه سابقا، لجهة تخلّف هذا النظام، وبالأخص النموذج الاقتصادي الذي كرّسه الراحل رفيق الحريري، والذي تتمسّك به السلطة ٦الى اليوم. وسعي النظام الدائم لتشويه الصراع الذي تؤكّد الدراسة أنه يدور بين أقلية قليلة من كبار أصحاب الأموال في لبنان، وأكثرية ساحقة من الذين يعملون في خدمة مصالح اولئك الأغنياء بشكل أو بآخر، ونصفهم يعيش في فقر شديد.
في ما يلي بعض نتائج هذه الدراسة:
أولاً: لبنان من بين البلدان التي تسجّل أعلى مستويات من عدم المساواة في العالم ( نعم، بلادنا فريدة من نوعها بكلّ ما هو سيء)
ثانياُ: الدخل في لبنان مركّز بشكل كبير، حيث تحصل ما نسبته ما بين 1 الى 10% من اللبنانيين البالغين على ما قيمته ما بين 25 و 55% من الدخل القومي، وهذه النسبة تعتبر من أعلى المعدلات في العالم.
ثالثاُ: أغنى 1 و10% من اللبنانيين يحصلون على ما يقارب 40 و 70% من إجمالي الثروة الشخصية.
رابعاً: لم يستفد من النظام اللبناني الذي يعتمد على السياحة والقطاع المصرفي والعقارات والتحويلات الخارجية، إلا قلة قليلة من السكان( لا تتخطى 10%، ويمكن القول انها لا تتعدى 5% بالمعنى الحقيقي)، بينما يعيش أكثر من 50 بالمئة من اللبنانيين في أقصى حدود الفقر (أقل من دولارين باليوم)
خامساً: تلحظ الباحثة أن التقارير السنوية وقواعد البيانات التي تصدر عن المنظمات الدولية لا تشير إلى هذه النسب العالية من عدم المساواة، و"هذا الإفتقار إلى الشفافية" يعوّق الوعي العام بحقيقة ما يجري في لبنان وبخاصة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كلُّ هذه النتائج تعرّي كذبة نموذجية النظام اللبناني لجهة النجاح والتفوّق، بل هذا يؤكّد أن هذا النظام هو نظام الطغمة المالية، والتي تسعى إلى جعل الاقتصاد اللبناني في خدمة مصالحها، ولو أدّى ذلك إلى تخلّف البلد وإفقار شعبه.
واليوم، تسعى هذه السلطة ومن خلفها تلك الطبقة الحاكمة، إلى محاولة التجديد لنظامها وذلك من خلال الانتخابات النيابية. فتبتدع، بعد تشويه قانون الانتخاب، معارك وهمية، تهدف إلى حجب الصراع الحقيقي لا بل حرفه. لكننا اليوم أيضا نقول، ان كل هذا الواقع باقٍ إلى حين، وقريباً سيعي هذا الشعب أن عدوه الحقيقي هو هذا النظام المتخلّف والطبقة الحاكمة.