الطريق من نيودلهي الى عسقلان

تجسّدت الأزمة الرأسماليّة العالمية في أحد جوانبها في ضرورة احكام السيطرة على العالم، لذا من المنطقي اعتماد الولايات المتّحدة استراتيجيّات تمارس بصفاقة التضييق على كافّة الدول النامية و الدول ذات التبعيّة الكاملة، فهي بذلك تحافظ على دورها ليس غراماً فقط في " قيادة " العالم بل تبعاً لما تراه مناسباً في الحفاظ على تفوّقها الاقتصادي وفي تحقيق كل أشكال الكسب أهمّها عبر الاستثمارات الضخمة وضخ الاموال التي ترتد لها ارباحاً مضاعفة.

التطرّق الى هذه العموميّة هدفه عدم استسهال الفصل بين الاقليمي والعالمي، أو المعولم في حدود الصراعات السياسيّة والاقتصاديّة، رغم الخصوصيّات، كما في السابق وبنسبة اعلى صراع دولي يمتد كأخطبوط يبدأ بمراكز القرار ليشمل الفئات والطبقات الاجتماعية في كل دولة من الدول، فالتفرقة لا تقوم إلّا على انسياق المصالح الاقتصاديّة المباشرة وغير المباشرة، ولو اتخذت أشكالاّ مضلّلة في السياسة تارةً قوميّة وتارةً دينيّة، فامتداد كل مشروع سياسي حدوده الظروف الماديّة المؤاتية لتحقيقه، ومن الخطأ المحاكمة أسود أبيض لأنّ العالم فيه ما يكفي من تعدّدية وتنوّع محلي، إقليمي، ودولي. رغم ذلك فالتيّار الجارف الذي على أساسه تتحدد النتائج والاتجاهات لجميع البلدان هو ارتهانها بأزمة الرأسمال العالمي ومآلات مصائرها، وإن شذّت عن هذه القاعدة تخلّفاً أو تقدّماً أحياناً بعض الدول فذلك لاعتبارات تعود لظروف تاريخيّة واقتصاديّة محدّدة ساهمت في تكوينها.
بعد أزمة 2008 برزت في الولايات المتّحدة اشكاليّة حول تحديد خياراتها في الصراع العالمي، بخلفيّة الحرب الباردة، اي دولة يجب ان تحتل اولويّة في التركيز على مناهضتها: الصين التي تتقدّم بخطى ثابتة نحو الموقع الأول في اقتصاديّات العالم، أم روسيا التي تنهض من كبوتها ذات المقدرات العسكريّة والراغبة في اعادة الاعتبار لمكانتها في النظالم العالمي "الجديد"، فبين خيار روسيا والصين تنوّع أداء الادارات الاميركية في ظل من الانكفاء العام في قدرة الولايات المتحدة نتج بالدرجة الاولى عن استفحال ازماتها الاقتصاديّة، هذا الواقع الجديد أخذ يرسم ملامح خروج العالم الى رحاب التعدّديّة القطبيّة، والى سعي كل دولة اقليمياً الى تجنيد كل مقتدراتها وامكاناتها لاحتلال موقعها المستقبلي المنسجم مع تبدّل الصراعات.
في ظل هذه الأجواء كان للصعود الصيني وتنامي قوّته على كافّة المستويات حصّته الوازنة من عدوانية الولايات المتّحدة، عبر تأجيج الصراع في محيط دولة الصين الشعبيّة وإقامة تحالفات اقتصاديّة وعسكريّة تهدف الى عرقلة نموها، لعلّ الأبرز فيها رباعيّة الأوكوس التي تضم اليابان، بريطانيا، استراليا، والولايات المتّحدة واعادة احياء تحالف الكواد الذي يضم الهند واستراليا واليابان.
تعنينا هنا الهند التي يبلغ عدد سكّانها مليار واربعمئة مليون نسمة، حيث اتّصف تاريخ علاقاتها مع الصين تارةً بالجيّد وتارة بالسيئ لأسباب تتعلّق بالنزاعات الحدوديّة، الحرب الصينيّة الهنديّة عام 1962 كمثل والاشتباكات الأخيرة في الهيميلايا.
الهند معروفة بأنّها من الدول المؤسّسة لتجمّع دول عدم الانحياز الذي انتهى حضوره ودوره إبّان انتهاء الحرب الباردة، وكان لها علاقة متميّزة مع الاتّحاد السوفييتي السابق، استمرّ حاليّاً بأشكال تعاون مختلفة مع روسيا الاتحاديّة أهمّها الاتفاقات العسكرية.
مع صعود السلطة الجديدة بقيادة رئيس وزرائها الحالي مودي، واستناداً الى وفرة امكاناتها، بدأت الهند العمل على برامج طموحة سعياً منها للحد من أزماتها الاقتصاديّة الداخليّة، كما ازدادت حدّة منافساتها التجاريّة مع جاراتها الاقرب خاصة الصين. والهند اليوم تتميّز بكميّة وافرة من الاتفاقات التجاريّة والعسكريّة المعقودة مع الدول الاوروبية خاصة مع الدولة الفرنسيّة.
هذه الوضعيّة الجديدة للهند ذات الديموغرافيا والعلاقات الجيّدة مع أوروبا، وكونها مؤهّلة لمنافسة الصين أكثر من غيرها، دفعت الادارات الاميركيّة المتلاحقة الى استمالتها لتشكّل عضداً لها في صراعها ضد الصين، مع العلم أنّها من الاعضاء الاساسيين ضمن مجموعة دول البريكس.
في إطار التسويق لموادها الاوّليّة وبضائعها ولتسهيل سلاسل التوريد الى بقاع العالم حذت الهند حذو الصين بالتخطيط والسعي لتنفيذ مشروع الطريق الخاص بها، الذي يتضمّن، بعد تبني الولايات المتّحدة له، قسمين الشرقي حيث تنقل البضائع بحراً من الموانئ الهنديّة (مومباي، موتولا ، كاندالا) إلى الموانئ الخليجيّة (الحجيرة، أبو ظبي، الدمام، ورأس الخير)، وقسم غربي ينطلق من موانئ الامارات والسعودية برّاً عبر السكّك الحديديّة وصولاً الى الاردن ومنها الى الاراضي المحتلّة وصولاً الى حيفا في الجانب الشرقي من حوض البحر الابيض المتوسّط، وبالتالي الى أوروبا بحراً، وعلى أن يتضمّن المشروع أنابيب لنقل الطاقة، كابلات بحريّة لنقل البيانات، ومشاريع لتأهيل وتجهيز الموانئ.
منذ الاعلان عن مشروع الطريق الهندي في المؤتمر الثاني عشر لمجموعة ال20 الذي عقد مؤخّراً في نيودلهي، من قبل الرئيس الاميركي بايدن وبمشاركة من رئيس الوزراء الهندي مودي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تدحرجت التساؤلات والمخاوف حول المشروع من زاوية اهميته الاقتصادية وتأثيره الجيوسياسي على الدول المنضوية فيه وعلى الدول المستبعدة منه، عدا عن أنّه لا مقارنة بينه وبين مبادرة الحزام والطريق الصينية لجهة عدم اكتمال بناه التحتيّة وحاجاته التمويليّة، فالحزام والطريق تمكّن خلال السنوات السابقة من قطع أشواطاً بعيدة في التحضيرات، عدا عن ذلك فان الجانب الملتبس في المشروع الهندي، سياسي أمني بالدرجة الاولى، يتعلّق بمروره في الشرق الأوسط وسعيه لجعل دولة الاحتلال عقدة الوصل للانطلاق الى السوق الأوروبية: أي دون تنفيذه موجبات وترتيبات سياسيّة في منطقة مرور تاريخها زاخر بالصراعات وفي القلب منها قضيّة الشعب الفلسطيني. فليس ببعيد عن تاريخ الاعلان، برزت الحماسة لاستكمال التطبيع مع العدو الصهيوني باندفاع قلّ نظيره لإدارة بايدن، ونتنياهو من جهته على ما يذكر الجميع وقف في الأمم المتّحدة منادياً بقرب تحقّق طريق السلام، كما توجّه مخاطباً الناخب الاسرائيلي بقرب تحقّق النعمة الالهية عبر بناء ممرات السلام مع الخليج وبحقبة جديدة من الازدهار، وقد تكون هنا تحديداً خلفيّة تصريحه في يوم "طوفان الأقصى" بأنه آن الاوان لتغيير وجه الشرق الأوسط، بتوفير الأمن ل"دولة اسرائيل" وتحقيق حلمها بازالة القضيّة الفلسطينيّة.
على الضفّة الأخرى سعت الولايات المتّحدة الى ترتيب علاقاتها من جديد مع السعوديةّ عبر مباحثات اشتركت بها الامارات المتّحدة، عنوانها ايجاد منافذ وطرق جديدة للتجارة، نشير هنا الى أنّ الحزام والطريق الصيني أحرز تقدّماً كبيراً من كافّة الاوجه، ترجمت باتفاقات وعقود اقتصادية بين الخليج والصين، وفي السياسة بما يتناسب طموحات القيادة الجديدة في السعوديّة.
المفارقة هو مع ما يحدث اليوم في غزّة في أنّ تمهيد الطريق حتى اريحا لن يتم الّا بتهجير جديد وبابعاد كل قوى الاعتراض من "الطريق"، فجرعة المقوّى تمثلت بدخول السعوديّة والامارات والدول الاوروبيّة بمشروع عنوانه اقتصادي تبنّته الولايات المتّحدة كمخرج جيواستراتيجي لها من ازمة انحسار وخلل في تحالفاتها في الشرق الاوسط، ولدولة اسرائيل الغارقة في مشاكلها الداخليّة وهواجسها الامنيّة الخارجيّة... هذا دون التطرّق الى انعكاسات وأثر جملة من الصراعات منها الحرب الروسيّة الاوكرانيّة.
بالمختصر المشروع الهندي مع ما يحمله من ضعف، ليست العبرة فيه التساؤل حول امكانية تنفيذه من عدمها، بل العبرة أنّه بات اليوم مشروع "طريق" سياسي اميركي كردّ على الصين، أميركي- صهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وكمخرج لنتنياهو ولبايدن، لتثبّيت نفوذ الولايات المتّحدة واسرائيل في الشرق الاوسط، ويطال المنطقة برمّتها بجعل "دولة اسرائيل" دولة الاستقطاب الاقليمي رقم واحد بعد التطبيع مع السعوديّة. بالمقابل رغم ما قد يحمله من طرق متفرعة منبثقة عنه كترضية، فهو يغيّب مصر وتركيا وايران، وخاصةلمصر من خلال توجيه السهام اليها – مشروع قناة ايلات عسقلان - بالتالي تحميلها خسائر من ايرادات قناة السويس، وتركيا التي تعتبر نفسها لوجستيّاً هي الأكثر نفاذاً الى السوق الاوروبيّة، أمّا بالنسبة لايران فلا حرج لأنّ قطبيّتها تستند الى صراع ذي أبعاد مختلفة تجانب طموحاتها الاقتصاديّة.

  • العدد رقم: 418
`


عبد الناصر حدادة